قبل ثلاثة أشهر تقريبًا تلقيت دعوة من الصديق أشرف فريد لحضور مناقشة كتابه «دكانة حواديت» فى أتيليه القاهرة، وقبلت الدعوة لسببين، ثانيهما: أننى كاتب المقدمة، والأول: لأننى أحب أشرف «أكثر مما ينبغي». ولأننى أظن - وبعض الظن إثم - أن المنصة صورة من صور العنصرية، جلست بين الجمهور «كافى غيرى شري»، ولكن أشرف أقسم بالطلاق أن أجلس بجواره. وعندما حاولت إقناعه بأننى صحفى بروح واحدة، يجيد الكتابة بطلاقة على الكيبوورد، ولكنه إذا تحدث تلعثم و«هلفط»، ولكنه لم يقتنع. «يفسد النقد الإبداع كما يقتل الهواء المنعش السمك». كانت هذه أول عبارة نطقت بها، عبارة مجحفة، وقليلة الذوق لم أرع فيها حق الجيرة للناقد الذى يجلس عن يساري، وسيأتى دوره فى الكلام بعدي، فحدجنى بنظرة اختصرت كل أنواع الشتائم - التى أستحقها - دون أن ينطق بكلمة. يسكت لساني.. أبدا.. تماديت فى شرح ما يفعله النقاد من تنفير للجمهور، وهم يتعمدون تكرار مصطلحات أكاديمية «مجعلصة»، لا يفهم منها البسطاء شيئًا، فى حين أن الإبداع يخاطب الجميع، ولا يفرق بين المثقف والشخص العادي. قلت: من المفترض أن يكون النص النقدى موازيًا لنظيره الإبداعي، حتى نسترد الجمهور الذى هرب بجلده من الندوات، وترك المقاعد فارغة لا يشغلها إلا قليل من المجاملين. وبمجرد أن انتهى وقتى فى الحديث، كان جارى الناقد قد تحول إلى جمرة، وعيناه تطق شررًا، وأنا أرتعد من الخوف، كما ارتعد من قبلى اللمبى وهو يقف أمام لطفى المنفلوطى فى فيلم «اللى بالى بالك»، ولسان حالى يقول: «أنت هتاكلنى ولا إيه»؟