مُجددًا تؤكد القاهرة أنها لا تكتفى بدور المُراقب أو الوسيط، بل تتحرك من موقع الدولة الحارسة لاستقرار الإقليم، والرافضة لأى محاولات لإعادة رسم الخرائط أو تفكيك الدول الوطنية. وفى بيان حمل لغة واضحة وحاسمة، وضع من خلاله صانع القرار المصري خطوطًا حمراء لا تقبل التأويل أو المساومة، وفى مُقدمتها وحدة السودان وسلامة أراضيه، وصون مؤسساته الوطنية، باعتبارها ركائز لا تنفصل عن الأمن القومي المصري ذاته، وقد جاء موقف القاهرة فى لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تتزايد فيها مشاريع التفتيت وصناعة الكيانات الهشة، ليقطع الطريق أمام سيناريو تقسيم السودان أو فرض أمر واقع بالقوة، مؤكدًا أن القاهرة لن تسمح بانفصال أى جزء من الأراضي السودانية، ولن تعترف بأى كيانات موازية تنتزع الشرعية من الدولة أو تصادر إرادة الشعب السوداني. وهو موقف يعكس إدراكًا عميقًا لخطورة العبث بوحدة السودان، ليس فقط على مستقبله الداخلي، بل على توازنات الإقليم بأسره. ◄ دبلوماسيون: الجيش السوداني الضامن الوحيد ل«وحدة الدولة» ◄ سياسيون: البيان نقل موقف القاهرة من «التحذير» إلى «الحسم» لم يكن البيان المصرى دفاعًا سياسيًا مُجردًا، بل انحيازًا أخلاقيًا وإنسانيًا واضحًا إلى جانب الشعب السوداني، فى مواجهة الانتهاكات والمذابح التى يتعرض لها المدنيون، خاصة فى المناطق المنكوبة. فقد شددت القاهرة على أن حماية مؤسسات الدولة، ووقف الجرائم بحق المدنيين، وتأمين الممرات الإنسانية، تمثل التزامًا مصريًا راسخًا، يتجاوز الحسابات الآنية إلى مسئولية تاريخية تجاه شعب تربطه بمصر روابط الدم والمصير المشترك، لتُرسّخ مصر موقعها كضامن لوحدة السودان، وسندٍ لشعبه فى أحلك اللحظات، ورسالة واضحة لكل من يسعى لتفكيك الدولة السودانية بأن أمن السودان خط أحمر، وأن القاهرة ستظل حائط الصد الأول فى مواجهة مشاريع التقسيم والفوضى، دفاعًا عن استقرار الإقليم وحمايةً لحق الشعوب فى دولة موحدة وآمنة. حددت مصر خطوطها الحمراء فى السودان فى بيان رسمى صادر عن رئاسة الجمهورية، فى ختام زيارة ثانية خلال شهرين، أجراها رئيس مجلس السيادة الانتقالى وقائد الجيش السودانى عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة، التقى خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي. وأكدت القاهرة حقها فى اتخاذ كافة التدابير التى يكفلها القانون الدولى واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين لضمان عدم المساس بهذه الخطوط، مؤكدة أنها ترتبط بشكل مباشر بأمنها القومى، وجددت القاهرة دعمها الكامل لرؤية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الخاصة بتحقيق الأمن والاستقرار والسلام فى السودان، مؤكدة أن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم العبث بمقدراته ومقدرات الشعب السوداني، أحد أهم هذه «الخطوط الحمراء»، مع التأكيد على عدم السماح بانفصال أى جزء من أراضى السودان، والرفض القاطع لإنشاء أو الاعتراف بأى كيانات موازية، باعتبار أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه، والتشديد على الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع المساس بها. ◄ اقرأ أيضًا | الأوضاع الإنسانية والعسكرية في السودان تشهد تدهورًا حادًا ◄ حجم الخطر إعلان القاهرة لخطوطها الحمراء فى السودان يعكس حجم الخطر الذى تواجهه الحدود الجنوبية لمصر، وحجم الأزمة التى يواجهها السودان فى الوقت الراهن، خاصة ما يتعلق بتهديدات تقسيم البلاد والحديث عن انفصال جديد بعد انفصال جنوب السودان عام 2012، حسبما يرى اللواء حاتم باشات القنصل المصرى الأسبق فى السودان، ويشير إلى أن البيان المصرى يؤكد دعم القاهرة للأمن القومى السوداني، وتعزيز دور الجيش السودانى فى التعامل مع الأزمة الحالية، باعتباره - إلى جانب الحكومة السودانية - الطرف الشرعى الوحيد فى البلاد حاليًا، وشدد باشات على أن القاهرة لن تسمح، تحت أى ظرف، بتقسيم السودان أو انفصال أى جزء من أراضيه، مضيفًا أن الحدة والقوة التى تضمنها بيان الرئاسة، والتى اعتبرها البعض تلويحًا ضمنيًا باللجوء إلى الخيار العسكري، أمر طبيعى فى ظل تصاعد الحديث خلال الآونة الأخيرة عن التقسيم، وإنشاء حكومة موازية فى غرب السودان، ما يفتح الباب أمام المضى قدمًا فى سيناريو التقسيم والانفصال، وأكد أن مصر تحتفظ بكل الخيارات الممكنة للتصدى لهذا الأمر، منوهًا بأن مصر هى أكثر دولة قادرة على التعامل مع الأزمة السودانية، بحكم الجيرة والتاريخ المشترك والعلاقات السياسية والاقتصادية، مُضيفًا أن الأولوية بالنسبة لمصر تبقى للخيار الدبلوماسى والحل السياسى للأزمة السودانية، معتبرًا أن الخيار العسكرى «مُتاح» لكنه يظل آخر الخيارات التى يمكن أن تلجأ إليها القاهرة فى الحالات القصوى، مشددًا على أن الإشارة إلى اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين كانت رسالة واضحة بأن القاهرة لن تصمت حال تفاقم الأمور. ◄ الأمن القومي زيارة البرهان إلى القاهرة فى هذا التوقيت الدقيق تحمل أهمية بالغة فى ظل ما تمر به السودان من أزمات، خصوصًا الوضع العسكرى الذي يمس الأمن القومي المصري بصورة خاصة، والأمن القومى العربى عمومًا، كما يؤكد السفير صلاح حليمة نائب رئيس المجلس المصرى للشئون الإفريقية، وأشار إلى أن الأزمة السودانية تمس الأمن القومى المصري بشكل مباشر، باعتبار السودان دولة جوار مباشر، وفى إطار ما يربط البلدين من اتفاق دفاع مشترك وتاريخ مشترك، وأوضح أن تهديد الأوضاع فى السودان ينعكس على دول مجلس الدول العربية والإفريقية المُطلة على البحر الأحمر، وهو ما دفع مصر إلى إطلاق هذه الرسائل الواضحة والحاسمة فى ظل التحركات الجارية، خاصة فى ظل الأوضاع الكارثية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التى تشهدها مدينة الفاشر. وشدد على أن رسالة القاهرة واضحة بأنها لن تسمح بتكرار هذه الجرائم بحق الشعب السودانى أو بتفتيت وحدة الدولة السودانية. وبيّن أن رؤية مصر لحل الأزمة السودانية ووقف الحرب تستند إلى خطوات عملية، فى مقدمتها وقف إطلاق النار، ودمج قوات الدعم السريع فى الجيش السوداني، ومعالجة الأوضاع الإنسانية بما يضمن عدم تكرار ما حدث فى مدينة الفاشر، ثم إطلاق مسار سياسى لتسوية الأزمة بشكل كامل عبر حوار «سودانى - سودانى»، وأكد أن لمصر الحق الكامل فى اتخاذ كافة التدابير والإجراءات اللازمة حال المساس بهذه «الخطوط الحمراء»، وفقًا لاتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين، معتبرًا أن تدخل القاهرة فى هذه الحالة خيار شرعى وقانونى يستند إلى اتفاقية ثنائية بين دولتين ذات سيادة، ويتسق مع قواعد القانون الدولى. السودان يواجه واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية فى تاريخه الحديث، وفقًا للخبير الاستراتيجى اللواء أركان حرب أسامة كبير، مستشار كلية القادة والأركان، الذى أشار إلى أن قوات الدعم السريع ترتكب إبادة جماعية ومجازر وجرائم قتل ممنهجة بحق المدنيين العزل، وأوضح أن الجرائم والانتهاكات لا تقتصر على مدينة الفاشر فقط، بل امتدت إلى مناطق سودانية أخرى شهدت مذابح مروعة، فى ظل استمرار الصمت الدولى وعدم اتخاذ مواقف رادعة، ما ينذر بتفاقم الأوضاع الإنسانية وزيادة معاناة المدنيين داخل السودان، وشدد على أن مصر تنظر إلى ما يحدث فى السودان باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، فالأمن القومى السودانى جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصري، وهو ما دفع القاهرة إلى رسم خطوط حمراء واضحة تجاه أى محاولات لتقسيم الدولة السودانية أو المساس بوحدتها. وأضاف أن مصر تمتلك جيشًا قويًا وخبرة واسعة فى إدارة الأزمات والصراعات، ولديها القدرة الكاملة على التعامل مع أى تطورات تمس أمنها القومى أو تتطلب تدخلًا لأسباب إنسانية حال تجاوز هذه الخطوط. ◄ إعلان حسم أشار النائب ياسر الحفناوي، عضو مجلس النواب إلى أن بيان مصر يمثل إعلان حسم سياسيا وأمنيا يؤكد ثبات الموقف المصرى تجاه الأزمة السودانية، ورفض الدولة المصرية القاطع لأى سيناريوهات تستهدف تفكيك السودان أو العبث بوحدته ومؤسساته. وأوضح أن اللغة الواضحة والحاسمة التى تضمنها البيان تعكس انتقال القاهرة من مرحلة التحذير والدعوات الدبلوماسية إلى مرحلة تثبيت الخطوط الحمراء، وفى مقدمتها الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفض إنشاء أو الاعتراف بأى كيانات موازية تمثل تهديدًا مباشرًا لكيان الدولة السودانية، وأشار إلى أن تأكيد مصر على أن ما يجرى فى السودان يمس بشكل مباشر الأمن القومى المصرى هو تأكيد واقعى يستند إلى حقائق جيوسياسية، باعتبار أن استقرار السودان يمثل عمقًا استراتيجيًا لمصر، وأن أى محاولات لزعزعة هذا الاستقرار تنعكس سلبًا على أمن الحدود الجنوبية، وأمن البحر الأحمر، والتوازنات الإقليمية فى القرن الإفريقى وحوض النيل، ونوّه إلى أن مصر بعثت برسالة واضحة لكافة الأطراف الإقليمية والدولية مفادها أن وحدة السودان ليست محل تفاوض أو مقايضة، وأن القاهرة لن تقبل بسياسة الأمر الواقع أو محاولات فرض تقسيم جغرافى أو سياسى تحت أى مسمى، مؤكدًا أن الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية يمثل خط دفاع أساسيًا ضد الفوضى والانهيار الشامل. وعن رؤية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الهادفة إلى إحلال السلام فى السودان، قال إن دعم مصر لتلك الرؤية يعكس حرص القاهرة على توسيع دائرة الضغط الدولى من أجل وقف إطلاق النار، والتوصل إلى هدنة إنسانية حقيقية تضمن حماية المدنيين ووقف الانتهاكات الجسيمة التى يتعرض لها الشعب السوداني، خاصة فى المناطق المنكوبة وعلى رأسها مدينة الفاشر، وأكد أن استمرار مصر فى العمل ضمن إطار الرباعية الدولية يعكس دورها القيادى فى إدارة الأزمات الإقليمية، وسعيها لتوحيد الجهود الدولية بما يمنع اختطاف الملف السودانى من أطراف تسعى لتحقيق مصالح ضيقة على حساب معاناة الشعب السودانى ووحدة دولته، لافتًا إلى أن الرسالة كانت حاسمة لا لبس فيها: مصر ستظل سندًا للدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية، ولن تسمح بتحويل السودان إلى ساحة فوضى أو هدف للتقسيم، وستواصل تحركاتها السياسية والدبلوماسية لحماية الأمن القومى العربى ودعم الشعب السودانى حتى استعادة الأمن والاستقرار الكامل.