د. هويدا صالح يمثل كتاب «سيرة الغريب» للكاتبة ولاء عبد الله أبو ستيت تجربة أدبية وإنسانية متفرّدة؛ فهو ليس سيرة ذاتية بالمعنى التقليدى، ولا هو رواية مكتملة العناصر، ولا مجموعة نصوص منفصلة، بل هو نصّ سردي – تأملى يستعير من الروحانيات فلسفتها، ومن الأسطورة رموزها، ومن الحكاية التاريخية مجازاتها، ليقدّم سردًا تلاحق فيه الذات الساردة أثر الذات فى دروب التيه والبحث والمحبة. يأتى الكتاب، الصادر عن دار أم الدنيا، فى هيئة مقاطع متتابعة، أقرب إلى المرافعات الروحانية التى تكتبها شخصية تشعر أنّ وجودها معلّق على خيط دقيق بين عالمين: عالم واقعى خاطف وموجع، وعالم أسطورى عميق تتداخل فيه الأماكن التى تحضر كمفاتيح لفهم «الرحلة، رحلة الوعى، وعى الذات، وعى الحب، وعى الخسارة، ووعى الذاكرة المفقودة. «الغريب» هى حكاية وجودية، فالغريب ليس مجرد شخصية تُحكى عنها الأشياء؛ بل هو «بنية فلسفية» تتكوّن عبر: الذاكرة الغائبة، الحنين إلى«توأم الروح»، الشعور بأن الحياة سلسلة من الدروب المتوازية، الإيمان بأنّ اللقاء الأول حدث قبل الخليقة فيظهر الغريب فى النص عبر أزمنة متعدّدة: هو فيلسوف، كيميائى، ناسك صحراوى، رجل من «بومبى» القديمة، ثم هو فى الحاضر ظلّ يتردّد فى صور ومعانى، ما يجعل الغربة «هوية وجودية وليست حالة اجتماعية". وتكشف الكاتبة عبر المقاطع المتعددة أنّ الغريب ليس بعيدًا بقدر ما هو مفقود، وأنّ ضياعه هو شرط لرحلة البحث عن الذات. ينهض الكتاب على «هندسة دائرية» حيث تبدأ كل حكاية من نقطة، ثم تعود إليها من زاوية مختلفة. فلا خطّ سردى واحدًا، بل متاهات من الأبواب، كما تقول الراوية نفسها: «بابٌ بعد باب... كلما ظننت أنى وصلت وجدت بابًا آخرَ مغلَقًا بآلاف الأقفال». هذا التشظّى ليس عيبًا فنيًا، بل هو مقصود؛ فالكاتبة تريد أن يكون النصّ صورة عن العقل والروح حين يمران فى أزمة وجودية. يتنقل السرد بين ذكريات الماضى و أوهام الوعى ورؤى الحلم، و أساطير الحضارات القديمة، و تأملات فلسفية، و لحظات حزن ووجع، وأخيرا محاولات للتشافى. تتقاطع الأزمنة و تتداخل وتتماهى؛ فالماضى يعود فى الحاضر، والحاضر يعود ماضيًا، والذاكرة تتحوّل إلى كائن يمشى مع الساردة خطوة بخطوة. رحلة البحث عن توأم الروح... محور السرد وعلّة الرحلة: منذ الصفحات الأولى، نكتشف أن محور هذا الكتاب هو البحث عن «التوأم»، هى «تجربة وسيرة لهذا الغريب المختلف، الذى استيقظ ليجد نفسه فى عوالم مختلفة، وربما موازية تختلف عن الحقيقة اختلافات جمة رغم كل هذا التماس البادى فى القصة كلها، كانت أزمته ولا تزال أنه لا يعرف أيها سيرته، لكن كل ما جرى أنه بدأ تيهه يوم أطلق غصبا يد محبوبته، التى تقول الميثولوجيا القديمة أنهما كانا كيانا واحدا ثم انفصلا، وبدأت محنة التيه ومعها منحة البحث». تستدعى الكاتبة موروثات صوفية وأسطورية من: شمس التبريزى، وأساطير «الرفيق المقدّر»، ونظريات الأزواج الروحيين، وفلسفة اللقاء الأول فى «عالم الذر» وهذه العناصر ليست زخارف؛ إنها البؤرة التى تجعل النص كلّه نشيدًا عن اللقاء الذى لا يحدث، لكنه يظلّ وعدًا مؤجلًا. الغريب هنا ليس الرجل فقط؛ بل هو رمز النقص الوجودى الذى يشكّل كل إنسان، هو الجزء المفقود الذى يسعى إليه القلب عبر حيوات متعددة. تحضر فى النص ثنائية «الأسطورة – الواقع»... سرد يتنفس بين عالمين، حيث يجمع النص وينسج حكاية الواقع البشرى المباشر، وجراح الخذلان، و العلاقات المنكسرة، و الوحدة، و الصراعات مع الناس، و العنف النفسى، و الرغبة فى النجاة. ينطلق الكتاب من فرضية وجود ترابط روحى عميق بين الذات الساردة (أنا)، وال «غريب» المُنادى (أنت)، وبين الوجود الكلى (نحن). هذا الغريب ليس مجرد حبيب، بل هو النصف الضائع ، أو توأم الروح أو الشعلة الذى يُعتقد أن الأرواح التقت به «قبل ألف ألف عام.» فى حيوات سابقة". تؤكد الكاتبة على ضرورة عدم اليأس فى البحث عن «روح مثلك»، وأن الرحلة بدأت «حقيقةً من قبل بداية الخليقة منذ أن كنا فى عالم الذر»، حيث كان الكيانان واحداً ثم حدث الانفصال: «أنهما كانا كيانًا واحدًا ثم انفصال، وبدأت محنة التيه ومعها منحة البحث». يُصوَّر الحب الحقيقى بأنه شعور «يأتى فجأة» و«منحة ربانية» لا يمكن انتزاعها بالمسافات أو الهجر أو النكران. هذا الحب هو القوة الوحيدة القادرة على حماية الروح من الانهيار. فى مواجهة منطق عالم البشر الذى يضع الشك أساساً للوجود، يرى السرد أن النجاة تكمن فى اليقين العظيم الذى قد يعتبره المنطق جنونا. يتناول الكتاب الألم والمحن ليس كعقوبة، بل كعملية تطهير وصناعة للذات هذا المحور يرسخ فكرة أن فكرة الابتلاء هو شرط الوصول والنضج الروحى، وكأنه قانون للتعويض والتوازن حتى الخذلان والفقد يمثلان دروسًا صعبة فى رحلة بحثنا عن ذواتنا. تُستخدم الكاتبة استعارة الطين والفخار لتمثيل الذات التى يجب أن تخضع لحرارة التجربة لتصبح أروع وأكثر صلابة. « كل رضا بالمكتوب لاحقه خير، لكنها نيران التشييد العظيم، وكلما زادت الحرارة على الطين (الذى هو أنت) كلما كان المنتج أروع واسألوا فى ذلك الفخار والخزف». يتميز الكتاب بأسلوب سردى غير تقليدى يعتمد على تداخل الأزمنة والحيوات الماضية، حيث يعيش البطلان قصصاً متكررة عبر التاريخ، وهو ما يمنح السيرة طابعاً أسطوريا. تعود جذور القصة إلى «بومبي» القديمة، حيث كان البطل فيلسوفاً ومعه حبيبته، وقد تم التضحية بهما وإلقاؤهما فى البحر لأنه أصر على دعوتهم للعدالة قبل فوات الأوان. وينتقل السرد إلى الإسكندرية القديمة، حيث يوجد «الغريب» الفاقد للذاكرة، لكنه يقع فى غرام «هيباتيا» الفيلسوفة، بينما الأنثى الأخرى (التى لم تفقد ذاكرتها) تجد نفسها أمام محنة مواجهة فكر هيباتيا عبر تعميدها من قبل الكهنة لتكون كاهنة تواجه فكر هيباتيا «سدنة المعبد وقتها كانوا فى معضلة كبرى بسبب «هيابتيا» تلك المرأة الفيلسوفة، التى أعلنت رفضها لسياسة الكهان...كانوا يبحثون عن امرأة ينشرون فكرها فتكون أول كاهنة تواجه معهم فكر هيباتيا بالخدعة». يصل هذا التيه إلى مرحلة «القطائع» فى مصر (فى فترة الدولة الطولونية أو العباسية المتأخرة)، حيث نجد «قطر الندى» والفتاة الغريبة «ندى» وهى ابنة عالم جليل، تتاقطع حياتها مع شخصية قائد الحرس. كما يظهر الإمام الشافعى والسيدة نفيسة فى هالات النور؛ مما يؤكد تداخل العوالم الصوفية والتاريخية. تظل المحبة العميقة والصراع حول المصير المشترك قاسماً بين هذه الحيوات، مع تكرار أن ذاكرة الغريب لا تعود، وتظل الأنثى هى الحاملة لعبء الذاكرة الوجودية الطويلة». تشعر الساردة بأن «الماء الذى رأته فى نهاية طريق صحراء العمر ليس سوى سراب. وأنها أخطأت فى تصوراتها ويقينها بأن الغريب سيهتدى إليها. فى لحظة تنوير كبرى تصل الساردة إلى أعلى درجات الوعى الوجودى، فتقول: «ستظل تدور فى فلك تلك العبارات حتى وفى لحظة تنوير ما تجد نفسها تقول الله... ما هذا أى وطن هذا الذى كنت أبحث عنه...أنا الوطن، فكيف للوطن أن يبحث عن وطن؟ لندعِ الحكاية إلى مسارها ونرى ما سيأتى بعد!». "تبقى الرحلة ممتدة حتى هذه الألفية الراهنة التى يولد فيها تائها باحثا عن حب وسلطة وقوة.. وأما هى فتعود بأدوارٍ فيها تُواصل البحث عنه والسعى لإنهاء سمار الرحلة بتتويج أخير، وعت أنه لن يتحقق إلا فى نهاية عمر الوجود، فركنت إلى صمت ليس من الصمت فى شيء؛ فنحّت فكرها جانبا، ووضعت سيرة نهاية مفتوحة لقصة قدر لها ألا تنتهى». «سيرة الغريب» هى دعوة للمسافرين التائهين فى ليلهم المظلم؛ إنها نص روحى مكثف يقدم الحب الأبدى كفكرة مفروضة أزلياً على الأرواح، تتكرر فصولها عبر العصور والأماكن. بأسلوبه الشعرى وتنقله الحر بين الواقع والأسطورة ترسخ ولاء أبو ستيت فكرة أن الطريق إلى «نحن» لا يمر إلا عبر نيران بناء الذات والاعتراف بأن الذات هى الملاذ الأخير والوطن الحقيقى.