توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسى بضرورة النظر فى الشكاوى التى وردت بشأن بعض الخروقات فى المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب، بدا واضحًا أن الدولة تمارس أعلى درجات المسئولية السياسية تجاه عملية انتخابية تمثل حجر الأساس فى بناء المؤسسات. فقد أكد الرئيس، وبصورة قاطعة، انحيازه لمن تقدَّموا بشكاوى موثَّقة، مشددًا على أن تصحيح أى خطأ هو التزام أخلاقى وقانونى قبل أن يكون توجيهًا سياسيًا. هذا الموقف الرئاسى استُقبل بترحيب واسع لدى الرأى العام، باعتباره رسالة واضحة على أن الدولة لا تتسامح مع أى تجاوز، وأن نزاهة الانتخابات خط أحمر. غير أنّ هذا الحدث لم يمر دون محاولات استغلال من أطراف اعتادت توظيف أى تفصيلة سياسية لصالح أجندات معاكسة، وعلى رأسهم بقايا جماعة الإخوان التى لا تزال تتحرك فى الظل، ومعها أصوات برزت فجأة فى هيئة «خبراء قانون ودساتير» لا تفوّت فرصة لتشويه أى منجز أو صبِّ الزيت على نار التشكيك. فبينما جاء التوجيه الرئاسى لتقويم المسار وضمان الحقوق، حاولت تلك الأطراف تصوير الأمر وكأنه اعتراف رسمى بفساد شامل فى العملية الانتخابية، وذهبت إلى أبعد من ذلك بالدعوة إلى إلغاء الانتخابات برمتها وتعطيل المؤسسة التشريعية، فى تكرار لنفس خطاب الفوضوية الذى اعتادت الجماعة استخدامه كلما استشعرت أى استقرار سياسى أو مؤسساتى فى الدولة. الخلط المتعمد بين «تصحيح المسار» و«هدم المؤسسات» ليس جديدًا؛ فالإخوان - فى خطابهم التقليدى - يحاولون دائمًا تحويل أى خطوة إصلاحية إلى دليل على انهيار الدولة، بينما الحقيقة أن تصحيح الأخطاء هو ما يرسخ شرعية المؤسسات ويزيد من قوة الدولة، لا العكس. الفرق الجوهرى هنا واضح، فالتوجيه الرئاسى جاء لضمان الشفافية والعدالة وتطبيق القانون باعتباره الضامن الأول لحقوق المواطن، اما الدعوات التحريضية فجاءت لاستغلال الموقف وقلب الحقائق، مستهدفة إرباك المشهد السياسى وخلق فراغ تشريعى يخدم مصالح فئات فقدت نفوذها السياسى والشعبى منذ سنوات. إن ما تحتاجه مصر اليوم هو تعزيز الثقة فى مؤسساتها، ودعم مسار الإصلاح الذى يثبت يومًا بعد يوم أن الدولة قادرة على مواجهة أى خطأ أو تجاوز بمنتهى الشفافية. أما الأصوات التى تحاول اختطاف المشهد وتحويله إلى منصة للتشكيك أو الهدم، فهى محاولات فقدت تأثيرها، ولم تعد تجد سوى صدى محدود فى فضاء اعتاد المجتمع فيه التمييز بين النقد البناء وبين دعوات الفوضى. وفى النهاية، يبقى الفرق واضحًا بين دولة تسعى لضبط أدائها وتصحيح مساراتها، وبين من يسعون لاستغلال أى تفصيلة لإسقاط المؤسسات.. فرق بين من يبنى ومن يهدم، وبين مسئولية القيادة ورغبة البعض فى الفوضى.