انتهى عرض مسلسل «ورد وشيكولاتة»، لكن الجدل الذى أثاره لم يخمد بعد، بعدما وجد العمل نفسه فى مركز نقاش واسع حول التشابه بين أحداثه وقضية مقتل الإعلامية شيماء جمال، ورغم نفى صُنّاعه وجود أى استلهام مباشر، فإن التطابق فى بعض التفاصيل دفع الجمهور إلى الربط بين المسلسل والواقعة الحقيقية، ما أكسبه زخمًا كبيرًا، لكنه وضعه فى مواجهة مسئوليات فنية وأخلاقية مضاعفة. المسلسل الذى تتصدر بطولته زينة ومحمد فراج، ومن تأليف محمد رجاء وإخراج محمد العدل، يقدّم دراما اجتماعية نفسية تتكئ على واقعية حادة، وتفكيك دقيق للطبقات الإنسانية عند لحظات الانكسار والتحوّل، ومع ذلك شكّلت المقارنة المستمرة بين العمل والواقع تحديًا فرض نفسه على استقبال الجمهور. قدّم «ورد وشيكولاتة» شخصية «مروة» بوصفها نموذجًا لامرأة قوية فى ظاهرها وهشّة فى داخلها، تعيش قلقًا وجوديًا ورغبة عميقة فى الأمان، اللقاء الذى يجمعها بالمحامى النافذ «صلاح» يفتح الباب أمام علاقة مركبّة تجمع بين الشغف والخوف والسيطرة، يتقن محمد فراج تقديم شخصية تبدو هادئة ومنضبطة، بينما تخفى رغبة مرضية فى التفوق والتحكم. يعتمد العمل على التحوّل التدريجى من الرومانسية إلى التوتر النفسي، فالزواج السرى بين الطرفين يمهّد لانهيارات متتابعة تكشف خفايا النفوس، واعتمد المخرج محمد جمال العدل على لغة إخراجية متوترة، خصوصًا فى الثلث الأخير من العمل مثل إضافة مساحة من الاختناق فى المشاهد الداخلية، تكثيف الإضاءة الحادة، استخدام زوايا ضيقة تعكس انغلاق الشخصيات، توتر الإيقاع كلما اقتربت الأحداث من عقدتها، هذه الخيارات منحت المسلسل هوية بصرية متماسكة، وجعلت التوتر جزءًا من النسيج الدرامى لا مجرد نتيجة للحوار. تميّزت زينة فى تقديم واحدة من أبرز شخصياتها، حيث جمعت ببراعة بين القوة الظاهرية والانكسار الداخلي، فيما واصل محمد فراج تقديم أداء نفسى معقّد يستند إلى تفاصيل دقيقة فى الحركة والنبرة وتبدّل التعبير، ليخلق شخصية مضطربة تُمسك بالخيط الرفيع بين القوة والضعف. على مستوى الكتابة، ابتعد محمد رجاء عن تقديم الشرّ فى صورته التقليدية، وقدّم الجريمة كنتيجة لتراكم عاطفى ونفسى وسلسلة قرارات خاطئة، لتبدو الشخصيات أقرب إلى بشر حقيقيين يتصارعون مع أنفسهم قبل الآخرين. باختصار، «ورد وشيكولاتة» عمل جريء فى معالجته وأسلوبه، تمكّن من اقتحام منطقة ملغومة بين الخيال والواقع، مقدّمًا دراما نفسية مشغولة بعناية وأداءات بارزة، والجدل الذى رافقه كان جزءًا من أثره، لا دليلاً على قصور، لأنه أعاد طرح سؤال العلاقة بين الفن والحياة، وكيف يمكن للدراما أن تحاكى الواقع دون أن تفقد استقلالها الفني.