أوقفوا فوراً أفلام العنف والمخدرات والإسفاف، ساعتها فقط لن نرى بلطجة فى المدارس لا أتخيل ولا أتصور ما يحدث فى بعض مدارسنا من خروج عن الآداب والأخلاق والسلوك التربوى، شيء لا يمكن تصديقه ولا يستوعبه العقل والمنطق، أن يقع هذا فى المعاقل التى من المفترض أنها للتربية قبل التعليم والاستيعاب، ما حدث فى مدرسة عبد السلام المحجوب الثانوية بالإسكندرية، واعتداء مجموعة خارجة من الطلبة على الإخصائية الاجتماعية للمدرسة، لولا أنها سجلته حياً بتليفونها المحمول بكل تفاصيله، ما تخيل أحد أن من قام بهذا الفعل هم من تلاميذها الذين ترعاهم وتشرف عليهم، رقص وقلة أدب وألفاظ وإشارات خارجة لا تصدر إلا من أشخاص لم يعرفوا أو يحصلوا على أبسط قواعد التربية، ولم يراعوا أن من يعتدون عليها بالخروج عن السلوك الطبيعى هى معلمتهم، حتى ولو كانت الإخصائية الاجتماعية للمدرسة، فهى أحد عناصر المنظومة التعليمية، بل قد تكون أهمها، فى ظل ما يحدث فى مدارس أخرى، وحدث معها هى أيضاً. تربينا من صغرنا لما كان شعارنا الذى تعلمناه وحفظناه، واستوعبنا معناه، بيت الشعر الذى مازلنا نردده لأولادنا ولأنفسنا من باب الذكريات، «قم للمعلم وفه التبجيلا... كاد المعلم أن يكون رسولا»، تخيلوا إلى تلك الدرجة، أذكر حتى الآن - وأنا الذى تجاوزت السبعين من عمرى - أساتذتى فى المرحلة الابتدائية، وكم كنا نجلهم ونحترمهم، ومازلت أتذكر أستاذة العربى، وكان اسمها «رسمية «، وكم أحببتنا ونحن أطفال فى نطق اللغة واستيعابها، فظل حبها فى وجداننا حتى اليوم، وأذكر الأستاذ «على» مدرس التربية الدينية، وكيف كانت طريقته الجميلة فى تحفيظ القرآن، وكان يعمل المسابقات للوصول لأشطر وأسرع طالب يحفظ الآيات، وفى المدرسة الإعدادية، كان أستاذنا الذى علمنا اللغة الإنجليزية الأستاذ أحمد أبو عبية، الفنان الذى ظهر فى العديد من الأفلام والمسلسلات، كان شخصية عظيمة، رغم قسوته، لكنه كان علَّامة فأحببناه، وتعلمنا منه. وفى الثانوى، مازلت أتذكر الأستاذ عبد العزيز أستاذ التاريخ، الذى حببنا فى تاريخنا، كان الاحترام هو الشيء الذى يجمع بيننا وبين أساتذتنا، الأستاذ أب يحنو على أبنائه، والتلاميذ يكنون له الاحترام الواجب من معلم له التبجيل والاحترام الكامل، وكنت عندما أحن للمدرسة والأستاذ، أذهب لتحيتهم، وكم كانوا فخورين أن أحد تلاميذهم صار فى مركز مرموق، أو تقلد المناصب التى يتمناها، كنت أحس بالفرحة فى عيونهم، وكان ذلك مصدر سعادة لا يضاهيها شيء. ما الذى حدث؟ّ!، ما هذا التدنى الذى نراه؟!، وما هذا السقوط الرهيب فى الأخلاق والسلوكيات؟!، حتى نرى تلك الصورة التى شاهدناها كاملة فى فيديو مدرسة الإسكندرية، قبلها فى مدارس أخرى، وصل بها الحال أن يمد تلميذ يده على معلمه، أو يعتدى عليه، أو يهدده، للأسف الأمر يتعلق بسلوكات بشعة سيئة قطعاً اكتسبوها مما يدور حولهم فى الشوارع، وفى التليفزيونات والسينما من عنف وانعدام الأدب وبلطجة، يعتقدون فى هذه السن أنها تكوِّن شخصياتهم، بما يتصورون أنها السبيل لفرض سطوتهم، ويخلق لديهم الشعور بأنه لا عقاب ولا خوف، قطعاً السبب فى ذلك يرجع أولاً إلى ضعف رقابة الأسرة، وضعف رقابة المدرسة، التى للأسف فقدت دورها، فى ظل سطوة الدروس الخصوصية، وغياب التلاميذ عن الانتظام فى الدراسة واليوم الدراسى، فصار التعليم بالنت عن بعد، وفقد التلميذ الحس بأنه طالب هذا هو عمله الرئيسى. اكتشفنا فى مرحلة من الزمن أن مسرحية مدرسة المشاغبين كانت أحد أسباب تدهور السلوك فى المدارس، وحدوث ذلك الانفلات، ولكن يبدو أن ما أحدثته لا يمثل واحداً على عشرة مما أحدثته أفلام العنف والمخدرات والجنس، وعلى مدى سنوات وسنوات فقدت فيها المدارس دورها، وانعدمت الرقابة الأسرية، وانعدمت التربية، فصرنا إلى ما نراه الآن.. بصراحة، ما اتخذته وزارة التربية والتعليم من قرارات حاسمة ضد مجموعة الطلبة المنفلتين بالمدرسة، المعتدين على الإخصائية الاجتماعية، برفدهم لمدة عام كامل، ومنع قيدهم فى أى مدرسة، عقاب شديد، ولكن هل يكفى لإعادة الانضباط؟، هل يمكن أن يعيد الهيبة لمدارسنا لتعود معاقل للتربية كما كانت وتعلمنا بها؟!، فى رأيى أن الأمر يحتاج إلى دراسة كاملة، المدرسة يجب أن تعود لدورها، وكنا نتعلم فيها بلا دروس ولا نت ولا مساعدة إلا من أساتذة الفصل الذين كانوا قمة الاحترام لأنفسهم ولرسالتهم فى تعليم الأجيال، تعلمنا لما كانت المدارس بها فصول اليوم الكامل، وحصة الموسيقى، والرسم، والتربية الزراعية، والفتوة، والتدبير المنزلى، تعلمنا لما كان الأب والأم يراجعون معنا ماذا حصلنا من دروسنا فى المدرسة، والواجب عليك، وكانت الشهادة الشهرية هى جسر الثقة والمتابعة بين الطالب وأسرته ومدرسته. أوقفوا فوراً أفلام العنف والمخدرات والإسفاف، ساعتها فقط لن نرى بلطجة فى المدارس.. بجوار منزلى مدرسة كل طلبتها يقضون الوقت خارج أسوارها، وللأسف لا نشاهد إلا الأساتذة وهم يجرون وراءهم بالخرزانة لجمعهم!!.. صورة نتمنى اختفاءها.