فى الإسكندرية.. كل حجر وكل مبنى يروى قصة ممتلئة بالأسرار.. لم تكن أحياؤها القديمة مجرد مساحات جغرافية مكتظة بالسكان والمبانى، بل كانت مفاتيح لقراءة خريطتها التاريخية وفهم بصمتها الثقافية.. وهو ما تستعرضه متاحف الإسكندرية حاليًا من خلال معرضين.. يقدمان سردًا متكاملًا يعيد تشكيل المدينة فى أذهاننا.. وتصطحب «الأخبار» قراءها لنكتشف أبعاد النسيج العمرانى القديم للإسكندرية. اقرأ أيضًا | تحمل 25 ألف سيارة.. ميناء الإسكندرية يستقبل أكبر ناقلة سيارات في العالم نعود قرونًا طويلة لنرصد من خلال لوحات ضخمة فى المتحف اليونانى الرومانى نفذها بالتعاون مع مركز الدراسات السكندرية قصة الأحياء القديمة.. فنبدأ بحى «راقودة» النواة الأصلية للمدينة قبل تأسسيها على يد الإسكندر الأكبر.. كان يقع فى الجنوب الغربى ممتدًا نحو بحيرة مريوط.. ويعد القلب النابض بالحياة الشعبية والإدارية. كما لعب دورًا دفاعيًا مهمًا بقربه من الأسوار.. وكان يوجد به المعبد الرئيسى فى المنطقة المعروفة حاليًا باسم عمود السوارى.. وشرقًا كان يقع حى «الجمنازيوم» ممتدًا إلى الشارع الكانوبى وضم مدارس المصارعة والحمامات والمكتبات الصغيرة.. ليمثل صورة مصغرة للمجتمع السكندرى المتأثر بالثقافة الهلينستية وقد استمر نشاطه حتى العصر الرومانى. أما وسط المدينة البطلمية فاحتله حى ألفا أو السّوما الذى اشتهر كحى الجبانة الملكية الكبيرة.. بينما توج الحى (الملكى) الميناء الشرقى حيث كان مركز الحكم والثقافة والعلم فضم القصور الملكية الفخمة ودار العلم المعروف بالموسيون ومكتبة الإسكندرية القديمة بالإضافة إلى الحدائق الملكية والمعابد ومازال هذا الحى يحتفظ ببقايا فنار الإسكندرية الذى أقيمت أعلاه قلعة قايتباى حاليًا.. وكعادة اليهود فقد تجمعوا فى أحد الأحياء وهو «دلتا» فقد تركزت فى العصر البطلمى الجالية اليهودية فى الإسكندرية كهيئة مدنية مستقلة.. وكان من بينهم بعض الأثرياء كالمقرضين والتجار ومحصلى الضرائب ولكن الغالبية كانوا من الحرفيين.. وكان هذا الحى مركزًا فكريًا مهمًا حيث عاش فيه الفيلسوف اليهودى البارز فيلون السكندرى. ورغم اندماج اليهود الثقافى وتحدثهم باليونانية فلم يُمنحوا المواطنة السكندرية الكاملة. ونذهب إلى المتحف القومى الذى يترأس شارع فؤاد حيث معرض «ذاكرة فؤاد: رسالة من سلفاجو إلى المستقبل» والذى يقدم توثيقًا تاريخيًا عائلة سلفاجو ذات الجذور اليونانية التى مثّلت إحدى ركائز المجتمع السكندرى الكوزموبوليتانى فى تلك الحقبة وساهمت فى تشكيل الملامح الاقتصادية والعمرانية والثقافية لمدينة الإسكندرية خلال القرن العشرين، فنرى هناك أحدث المكتشفات الأثرية بالمدينة والتى تمثلت فى محتويات كبسولة رصاصية عُثر عليها الأثريون مدفونة داخل أساسات فيلا عائلة سلفاجو.. حيث أخفت العائلة رسالة التأسيسية للمبنى توثق قصة إنشائه. بالإضافة إلى مجموعة من العملات المصرية التاريخية تعود إلى عهد السلطان حسين كامل والملك فؤاد الأول وهى العادة القديمة التى توارثتها الأجيال بدفن النقود فى أساسات المبانى لجلب البركة والحظ لسكانها.