أصبحت الحضارة المصرية القديمة تريندًا على السوشيال ميديا، وتحوّل الفراعنة من دروس صامتة في الكتب المدرسية إلى قصص تسافر بين الهواتف المحمولة، يرويها شباب بعمر التكنولوجيا، ولكن بوعي أجدادهم القدماء. ومع تطوّر منصات الفيديو القصير، ظهر جيل جديد من البلوجرز والمحتوى الرقمي؛ جيل اختار أن يفتح أبواب التاريخ ويعيد إحياء ملوك وأسر وأسرار اندثرت آلاف السنين، ويقدّمها للناس بإيقاع سريع، وصوت حماسي، وصور تشبه مشاهد الأفلام. كان المشهد الأول في هذا التحوّل يبدأ عادةً بفيديو بسيط — كاميرا غير متقنة، وإضاءة عادية — ولكن حكاية قوية. أحد أوائل الذين لفتوا الأنظار كان الدكتور وسيم السيسي؛ ليس بلوجرًا بالمعنى العصري، لكنه فجأة وجد نفسه جزءًا من المنصات الجديدة. مقاطع قصيرة من محاضراته وحواراته غزت إنستجرام وتيك توك، يشرح فيها معنى رمز هيروغليفي أو قصة ملكة حكمت بجسارة. لم يحتج إلى مؤثرات بصرية، فصوته وحديثه كانا كفيلين بإشعال الحماس داخل قلوب الشباب. كان وسيم السيسي يقدّم التاريخ كما لو أنه يعيش فيه، فيشعر المتابع أن الماضي ليس بعيدًا؛ هو هنا، يتكلّم من خلاله. لكن الصورة اتسعت، ولم يعد الأمر مقتصرًا على المتخصصين. ظهر أمين صبري، الذي فاجأ الجمهور بقدرته على دمج التاريخ بالقصص القرآنية، وبأسلوب شيّق يفتح الباب لأسئلة كثيرة عن شخصية فرعون وعن طبائع الحكم في مصر القديمة. قناته لم تكن مجرد محتوى؛ كانت رحلة فكرية يعيد فيها قراءة الحكايات، ويقدّم لغة بسيطة لكنها مشوّقة، تجذب حتى من لا يحب التاريخ. كان أمين يجلس أمام الكاميرا ويقول: «تعالوا نفهم... من كان فرعون حقًا؟» ومع كل فيديو، كان الجمهور يشعر أنه ينتقل إلى قلب الأحداث، وأن وراء كل ملك حكاية، ووراء كل تمثال روح إنسان عاش وقرر وواجه مصيره. ثم هناك د. بسام الشماع، الذي يملك حضورًا لافتًا على المنصة الرقمية، حيث يرى في الغموض جزءًا من الجمال. في إحدى لحظاته، تحدث في برنامج "التاسعة" عن عبقرية التاريخ المصري القديم، قائلاً: «ما هو غامض يجذبنا دائمًا»، ليأخذ المستمع في رحلة إلى ممالك اختفت، وآلهة وشخصيات سحرية لم تعد إلا في ألواح حجرية. ولا يمكن أن ننسى الدكتور محمد عفيفي، الكاتب والمفكر الذي غاص في أعماق التاريخ المصري، وأطلّ على شاشة اليوتيوب ليخبرنا كيف أن الحضارة المصرية لم تكن مجرد طبقات من الطين والحجر، بل شبكة من الأفكار والدين والسياسة. في لقاء تلفزيوني، روى عفيفي كيف أن مصر القديمة «سبقت الجميع في الفكر والتنظيم»، وكأنه يدعو المشاهد ليقف أمام الأبواب المغلقة ويقرأ ما خلفها من حكمة وزمن. تاريخ عابر للقارات الشغف لم يتوقف عند البلوجرز المصريين فقط، بل امتد إلى مؤثرين عالميين. أحد أشهرهم Dominic Perry، الذي يقدم محتوى أكاديميًا عن مصر القديمة بطريقة مبسطة للمتابع الغربي. كان يشرح نظرية أو يكشف لغزًا أثريًا، فيتابعه المصريون أنفسهم لأن أسلوبه مختلف ويعيد تقديم ما يعرفونه بأعين جديدة. هذا التفاعل المتبادل أعطى الحضارة المصرية مساحة عالمية أكبر، وجعلها واحدة من أكثر موضوعات التاريخ تداولًا على الإنترنت. ومع زيادة تأثير هذا النوع من المحتوى، بدأت تظهر ظاهرة جديدة: مجموعات شباب تقرّر زيارة المتاحف والمعابد بعد مشاهدة فيديو أو حلقة لأحد المؤثرين. بعض الأهالي كانوا يكتبون: «ابني عمره 10 سنين وعايز يزور الأقصر... عشان شاف فيديو بيحكي قصة حتشبسوت». هذا التأثير التربوي غير المباشر أعاد للتاريخ دوره الثقافي، بعدما كان مجرد مادة يدرسها الطلاب ثم ينسونها. بل إن بعض البلوجرز بدأوا يدخلون في مقارنات بين حضارة الماضي وحياة اليوم. كانت مي مجدي تقول: «الفراعنة أول ناس اخترعوا فكرة البايوجرافي... بس على حجر». بينما كان محمد طارق يمزح قائلًا: «لو كان الملك رمسيس عنده إنستجرام، كان زمانه عمل ستوري كل يوم وهو بيفتتح معبد جديد!» هذه الجملة لم تكن مجرد دعابة، بل كانت فكرة ذكية تجعل المتابع يشعر بأن الحضارة قريبة منه، وليست شيئًا بعيدًا متحجرًا. ولأن هذه الحركة أصبحت ظاهرة واضحة، بدأت الجامعات نفسها تستثمر فيها. ظهرت ندوات لبلوجرز يتحدثون فيها عن تجربتهم، وورش لتعليم صناعة محتوى أثري، بل وبعض الهيئات السياحية بدأت تتواصل مع المؤثرين لدعم حملات تعريفية بالمناطق الأثرية. لقد تغيّرت طريقة رواية التاريخ... ولم تعد الكتب وحدها مسؤولة عن نقل الذاكرة. اليوم، يحمل المؤثرون شعلة جديدة، يعيدون بها إنارة الطريق إلى الماضي. لم تعد الحضارة المصرية القديمة مجرد تلال صامتة من الحجر، بل أصبحت قصصًا تتنفس عبر الشاشات، يرويها د. وسيم السيسي بعلمه، وأمين صبري بحماسه، ورامي روماني بكاميراته، ومي مجدي بعاطفتها، ومحمد طارق بروحه المرحة... وغيرهم كثيرون. وهكذا، صار جيل السوشيال ميديا هو الجسر الجديد بين مصر الحديثة ومصر القديمة؛ جسر يصنعه شباب يعرفون أن العالم يبحث عن قصة جيدة، وأن حضارتهم هي أفضل قصة حقيقية يمكن أن تُروى. اقرأ أيضا: