فى 16 نوفمبر2002 غادرنا بروحه الشفافة محلقاً نحو السماء، تاركاً خلفه الحزن فى قلوب تلاميذه وعشاق ريشته وألوانه ولوحاته ورباعياته الزجلية التى كانت ترافق رسوماته كل يوم جمعة بجريدة «الأخبار» التى أحبها وأحبته وترك من أجلها التدريس بكلية الفنون الجميلة ليبدع على صفحاتها. هكذا رحل عنا الفنان العملاق حسين بيكار، القامة والقيمة، الرسام والمعلم والموسيقى محترف العزف على العود وصاحب الصوت الجميل الذى يعشق تراث سيد درويش. وُلد حسين أمين بيكار فى 2 يناير 1913 بحى الأنفوشى بالإسكندرية وعائلته من جذور قبرصية، تخرج على يديه أجيال بكلية الفنون وكان من بينهم: الفنان مصطفى حسين. وفى ذكرى رحيله ال 23 نترك المجال للكاتب الكبير أنيس منصور الذى كان قريباً منه لنرى بيكار فى مرآة أنيس منصور فى المقال الذى يحمل عنوان «رجل يفرز الحرير.. لوحات وأغنيات» والذى يقول فيه : «كان ياما كان فى سالف العصر والأوان واحد فنان، والفنان اسمه بيكار حسين أمين بيكار، مصرى من أصل قبرصى تركى، وكان صديق العمر، سافرنا معاً إلى أوروبا وتصعلكنا فى شوارعها واستديوهاتها ومعارضها ومقاهيها، ونجحنا كثيراً، فلا أحد يستطيع أن يقاوم اللغة الإيطالية والبنات الإيطاليات، فاللغة أغنيات والبنات راقصات والجو أوركسترا لكل المشاعر الجميلة، والمايسترو هو الشباب وكنا شباباً، وإذا تخيلت أن أحداً مصنوع من الحرير الصينى فالفنان بيكار، وإذا تخيلت أحداً مثل دودة القز تفرز الحرير فخطوط لوحاته كذلك، لولا أن دودة القز حشرة كريهة، ولم يكن بيكار إلا رجلاً وسيماً جميل الشكل والرسم والجسم والنفس، لم يكرهه أحد، ولم يكره أحد. كيف ؟ هذه هى المعادلة الصعبة التى افتقدناها برحيل حسين بيكار عنا منذ خمس سنوات، فى يوم كنا فى مدينة البندقية ورأينا حسين بيكار وعبد السلام الشريف وصلاح طاهر وكمال الملاخ وحسن فؤاد وجمال كامل وهم كبار فنانى مصر فتاة صغيرة أمسكت ورقة وقلماً، وبمنتهى الثقة ترسم حصاناً يقفز، وقفنا وتولانا الذهول، كيف تستطيع هذه الصغيرة وبخطوط صغيرة أن ترسم حصاناً، وقفنا وطلبنا إليها أن ترسم الحصان واقفاً ونائماً على جانب أو على ظهره أو طائراً، وكيف تفعل ذلك ببراعة فريدة، وطلبنا إليها أن تعطى كل واحد منا لوحة وأن توقع عليها بإمضائها، وفعلت ولا نزال نحتفظ بهذه المعجزة الفنية، ويومها رأيت بيكار الذى تلمع عيناه عندما يرى موهبة حقيقية فيحلق فى سماء إبداعها محباً ومتأملاً، وقد أسعدنى حسين بيكار بأن رسم أغلفة عدد من كتبى، وكانت هذه الأغلفة تحفة فنية، وقد بدأ حسين بيكار حياته موسيقياً مطرباً وملحناً، وأول ألحانه كان للملك فاروق، وأصابعه لم تتوقف عن العزف على العود وعلى الورق أيضاً، وإذا كان الفنان صلاح طاهر هو موسيقار الألوان، فإن حسين بيكار هو مطرب الضوء والظلال والحرير، وقد استمعت من حسين بيكار إلى أغنية سيد درويش «أنا هويت وانتهيت» وهى أسعد أغنية فى تاريخ الغناء العربى، فقد غناها محمد عبد الوهاب والسنباطى وإسماعيل شبانة وسعاد محمد وفرقة أم كلثوم وحسين بيكار وأنا أيضاً غنيتها لحسين بيكار وإسماعيل شبانة وغنيتها لنفسى كثيراً، ورحم الله حسين بيكار بالطريقة التى كان يحلم بها. أنيس منصور «الشرق الأوسط» - 10 يناير 2007