«تسنيم»: القوات الأمريكية تقصف مناطق يحتمل وجود طيارها المفقود فيها    مواقيت الصلاة اليوم الأحد الموافق 5 ابريل 2026 في القاهرة والمحافظات    النائب محمد فؤاد: 365 مليار جنيه خسائر مصر السنوية من الحرب.. ونفقد مليار جنيه كل يوم    محافظ المنوفية يتابع ميدانيًا تنفيذ قرار غلق المحال بشبين الكوم.. صور    محافظة الجيزة تزيل أكبر تعدٍ على الأراضي الزراعية بأبو النمرس بمساحة 6000 م²    الاحتلال يعتقل فلسطينيا بعد إطلاق النار على مركبته    دينا الصاوي تكتب: حين تجرح القلوب.. تبقى الكلمات شاهدة    تفاصيل خطيرة في الحالة الصحية للفنان عبد الرحمن أبو زهرة    سيميوني: مارتن يستحق الطرد لكن لا جدوى من الحديث عن قرارات الحكم    السولية: تواجد اللاعبين الكبار السابقين لن يحل أزمة غرفة ملابس الأهلي    لما يتجاهل ترامب مصير الطيار المفقود؟... قراءة في دلالات الصمت الأمريكي داخل مشهد حرب متصاعد    البحرين وباكستان يبحثان تطورات الأوضاع الإقليمية    المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يحذر من خطر حادث نووي ويدعو لضبط النفس    نشرة منتصف الليل| مستجدات أسعار الكهرباء وحقيقة إجازة المدارس وموعد صرف مرتبات أبريل    رئيس مركز تغير المناخ: استقرار الطقس فرصة ذهبية لإنقاذ المحاصيل وتعويض خسائر الموجة الجوية    وزير الاستثمار: المستثمر المصري هو القوة الضاربة وأفضل سفير لجذب الاستثمارات الأجنبية    محمود وفا حكما لمباراة المغرب وليبيا فى ختام تصفيات أفريقيا للناشئين    سجل مميز يحفز نجم الزمالك قبل مواجهة المصري    سيميوني ينتقد التحكيم بعد الخسارة من برشلونة    أبو زهرة: رؤية تطوير الكرة المصرية 2038 تم تسليمها لوزارة الرياضة لاعتمادها    تسنيم: أمريكا تحاول قتل طيارها المفقود ولن نعلن إن كان فى قبضتنا أم لا    تهديد إسرائيلي باستهداف معبر المصنع على الحدود اللبنانية – السورية    الأطعمة الغنية بالبريبايوتيك والبروبيوتيك .. أسرار التغذية السليمة لدعم المناعة    نادر السيد: محمد صلاح خارج التقييم وحقق إنجازات لن تتكرر    إبراهيم حسن: عروض لحسام؟ لا نفكر سوى في منتخب مصر.. وكنا سنواجه الأرجنتين    ضبط 7 أشخاص لاتهامهم بقتل شخص وإصابة اثنين آخرين خلال مشاجرة بالبحيرة    أخبار × 24 ساعة.. هيئة الأرصاد تكشف موعد استقرار الجو وانتهاء العواصف الترابية    تعرف على موعد دفع أول فاتورة كهرباء بالأسعار الجديدة.. تفاصيل    إبحار 20 سفينة من فرنسا باتجاه قطاع غزة لكسر الحصار الاسرائيلي    جامعة القاهرة تهنئ نخبة من أساتذتها لاختيارهم في تشكيل لجان المجلس الأعلى للثقافة 2026    مهرجان المسرح العالمي يكرم دنيا سامي وأحمد عزمي وعمر رزيق    وزير التعليم الأسبق: الذكاء الاصطناعي قمة الهرم التكنولوجي في مصر    وزير الصحة يتفقد مستشفى بولاق الدكرور وأبو العلا بطاقة استيعابية تتجاوز 400 سرير    قصر العيني بالقاهرة ينقذ طفلا من اختراق جسم معدني لعضلة القلب    عمرو أديب: شركات الاتصالات مقطعين بعض منافسة لكن عند زيادة الأسعار هتلاقيهم إيد واحدة    عاجل| أول تعليق رسمي للأرصاد بشأن حقيقة "العاصفة الدموية" وحالة الطقس الأيام المقبلة    قنابل مركونة ...السيارات المهجورة فى الشوارع.. تلوث بصرى وتهديد أمنى    محافظ المنوفية يوجه بتشكيل لجنة لمواجهة ظاهرة كلاب الشوارع وحماية المواطنين    مستشار بوتين السابق: ترامب يخسر في الحرب على إيران وطهران تحقق مكاسب واضحة    وزير التعليم الأسبق يحذر من ترك الأطفال أمام الشاشات من أجل راحة الآباء    بجوار زوجها المريض.. تفاصيل تجديد إقامة ابنة شقيقة صباح بالقاهرة    بين «عيد القيامة» و «العمل أون لاين».. هل الأحد 5 أبريل إجازة رسمية للدولة؟    براءة عصام صاصا من قضية مشاجرة الملهى الليلي    أذكار النوم.. "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور"    هل يجب الأذان لصلاة الجماعة في البيت؟.. أمين الفتوى يجيب فيديو    أبرز 10 فتاوى عن الأضحية.. كيف تُقسم الأضحية على المشتركين فى بقرة؟.. والدى كل عام يشترى أضحية ويذبحها لنا كلنا فهل يحصل لنا ثواب الأضحية؟.. رجل فقير لا يستطيع أن يضحى فهل يأثم بترك الأضحية؟    نظر محاكمة 15 متهما بقضية خلية مدينة نصر.. خلال ساعات    حبس طالب ضرب معلمه في بورسعيد    نوال مصطفى تكتب : صباح الأحد    صحة الإسكندرية: توقيع الكشف الطبى على 2315 مريضا فى قوافل طبية مجانية    ماذا يحدث بعد موت الخلايا.. اكتشاف علمى قد يغير طريقة علاج الأمراض    مستقبل وطن يبحث تكثيف التوعية لمواجهة الشائعات وتعزيز العمل الجماعي    نشأة التقويم الهجرى الإسلامى    وزيرة الثقافة ومحافظ البحيرة تتفقدان دار الأوبرا ومركز الإبداع الفني وقصر الثقافة بدمنهور    ورشة وطنية لتعزيز تشغيل المحطات النووية في الضبعة    وزير الدولة للإنتاج الحربي يبحث مع شركتي "يونغ-هانز" و"تاليس مصر" تعزيز التعاون    دار الإفتاء: ترشيد استهلاك الكهرباء واجب وطني وديني    لايف كوتش: التربية الحديثة تهدف لتمكين الأبناء واتخاذ قرارات واعية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. هويدا عزت تكتب: فلسفة دورة الحياة المهنية.. رحلة بين الطموح والتحديات

إن جوهر العلاقة بين المؤسسة وموظفيها، ليس علاقة عمل مؤقتة تُقاس بالأداء والنتائج فقط، بل رحلة إنسانية متبادلة من الأخذ والعطاء، تُختبر فيها القيم بقدر ما تُقاس فيها الكفاءات؛ فالمؤسسة ليست جدرانًا تحتضن المكاتب، بل كيانًا حيًا نابضًا بمن فيه، يتشكل بسلوكهم، ويتأثر بدوافعهم.
ومن هنا، تظهر الحاجة إلى إعادة النظر في الطريقة التي تُدار بها دورة حياة الموظف داخل المؤسسات؛ فدورة حياة الموظف، في جوهرها، ليست مجرد منظومة إدارية تُدار من أعلى، كما أنها لا تقتصر على إجراءات التوظيف أو تقييم الأداء كما يُظن في الممارسات الإدارية التقليدية، بل هي منظومة متكاملة تُعنى برحلة الفرد منذ لحظة استقطابه وحتى مغادرته المؤسسة، مرورًا بمراحل الدمج، والتعلم، والنمو، والاحتفاظ، والتطور المستمر.
إنها عملية ديناميكية تهدف إلى بناء علاقة مستدامة بين المؤسسة وموظفيها، قائمة على الاحترام، والشفافية، والرعاية، وتعزيز القدرة على التكيّف والتطور، بحيث تتحول بيئة العمل إلى مكان عمل صحي يُنمي الإنسان بقدر ما يُنمي الأداء، حيث يبدأ كل موظف رحلته في العمل بأمل كبير، وطموح لا ينتهي بأن يكون مؤثرًا في مكانه، وأن يترك بصمة تعكس جوهر قدراته؛ تلك البدايات المليئة بالطاقة هي الوقود الحقيقي لأي مؤسسة ناجحة، فخلف كل إنجاز هناك موظف كان ذات يوم يحمل حلمًا صغيرًا صدّق أنه ممكن.
لكن ما بين البداية والنهاية، لا تسير الرحلة دائمًا كما يُخطط لها؛ فالحياة الوظيفية مثل حياة البشر تمر بمحطات من الحماس والإحباط، والتقدير، والتجاهل، والنجاح، والتعب، وهذا ما يجعلها رحلة نضج، لا مجرد وظيفة.
وتبدأ هذه الرحلة منذ لحظة الدخول إلى المؤسسة، حين يلتقي الحلم بالواقع للمرة الأولى، في مرحلة الجذب والتعيين، يتعرف الموظف على بيئة العمل الجديدة بحماس، فيرى فيها فرصة لتحقيق ذاته، إلا أنه قد يصطدم أحيانًا بثقافة تنظيمية مغلقة أو بروتين يُبطئ الحلم. ومع ذلك، يظل هناك من يحول الصدمة إلى فرصةٍ للتعلم، ومن يشق طريقه في أصعب الظروف.
ولعل هذه المفارقة بين الحلم والواقع هي ما لفت انتباه علماء النفس التنظيمي، الذين وصفوا تلك المرحلة بما يُعرف بتأثير "شهر العسل والصدمة"(Honeymoon Hangover Effect)، وهي حالة يمر بها الموظفون الجدد، يشعرون في بدايتها بحماس كبير تجاه عملهم الجديد، تغذيه الآمال العالية والتوقعات الإيجابية تجاه بيئة العمل وزملائهم ومديريهم، لكن سرعان ما تتراجع تلك المشاعر عندما يواجهون الواقع الفعلي لبيئة العمل.
غير أن هذه المرحلة الوردية لا تدوم طويلاً؛ إذ تبدأ بعد فترة بالانحسار مع انكشاف الواقع اليومي للوظيفة، وما يتخلله من ضغوط، وتحديات تنظيمية، وفجوات بين التوقعات والممارسات الفعلية، وتشير الدراسات إلى أن هذه المرحلة اللاحقة، أي "مرحلة الصدمة"، تُعد لحظة حاسمة في دورة حياة الموظف، فإما أن يتمكن خلالها من التكيّف وإعادة بناء حافزه الداخلي، أو يقع في فخ الإحباط والانسحاب النفسي من العمل.
ومن هذه النقطة يبدأ التحول الحقيقي في التجربة المهنية؛ فما يعيشه الموظف في تلك المرحلة المبكرة ليس مجرد حالة مؤقتة من الحماس ثم الفتور، بل جزء طبيعي من دورة تطوره المهني، فكل رحلة عمل تمر بموجات صعود وهبوط، يختبر فيها الإنسان ذاته ومقدار صلابته أمام الواقع. ومع مرور الوقت، يبدأ الموظف في مواجهة مرحلة جديدة أكثر عمقًا، حيث يُصبح التركيز على الإنجاز والتقييم لا على الانطباعات الأولى.
ومع استقرار خُطواته شيئًا فشيئًا، ينتقل إلى محطةٍ جديدة من الرحلة، هي مرحلة الأداء والتقييم، حيث يشعر البعض بالإنصاف، بينما يتألم آخرون من تهميش جهودهم. ومع ذلك، تبقى التجربة درسًا في النضج المهني؛ فليس كل نجاح يُقاس بالتقدير الظاهر، بل بقدرة الموظف على تطوير ذاته، وتعلم إدارة توقعاته، والتمييز بين ما يمكن تغييره وما لا يمكن.
وبعد أن يهدأ صخب البدايات، تبدأ مرحلة أكثر هدوءًا وتأملًا، يمر فيها الموظف بفترات من الفتور أو التساؤل "هل ما زلت أجد نفسي هنا؟" لكن هذا التساؤل لا يعني دائمًا النهاية، بل قد يكون بداية جديدة، يُعيد فيها اكتشاف شغفه، أو يعيد توجيه مساره المهني، فبعض النهايات ليست خسارة، بل وعي متأخر بأن الوقت حان للعبور إلى ما هو أنضج وأصدق.
وفي المقابل، حين تعي المؤسسات هذه التحولات الطبيعية في مسيرة الإنسان المهنية، تدرك أن الحفاظ على الحماس لا يقل أهمية عن إشعاله، وأن البداية وحدها لا تصنع الانتماء، بل ما يليها من دعم وتقدير ورؤية واضحة.
وهكذا، فإن دورة حياة الموظف تتجاوز كونها إطارًا إداريًا من مراحل متتابعة إلى كونها تجربة إنسانية متكاملة، تتقاطع فيها لحظات الشغف الأولى مع اختبارات الصبر، وتختلط فيها أحلام البدايات بواقعية الأيام؛ فهي رحلة تحمل في طياتها مشاعر متناقضة من الأمل والخيبة، من الحماس والإرهاق، ومن الإنجاز والإحباط، لكنها في مجملها رحلة نموٍ داخلي قبل أن تكون مسارًا مهنيًا؛ إنها مرآة يرى فيها الإنسان نفسه بوضوح أكبر كلما مضى وقت أطول في المهنة، فيدرك أن النضج لا يأتي مع الخبرة فقط، بل مع تقبل تقلبات الطريق وفهم معناه.
ولكي نصنع بيئة عمل حقيقية نابضة بالحياة، علينا أن نعيد النظر في الطريقة التي نرى بها الإنسان داخل المؤسسة، الموظف ليس كودًا وظيفيًا ولا بندًا في الميزانية، بل كيان يحمل أحلامًا، وتطلعات، وخيباتٍ صغيرة لا تُرى بالأرقام.
لذا، تصبح الشفافية في التوظيف، والواقعية في التهيئة، والاهتمام ببرامج الدمج والإرشاد ليست ترفًا تنظيميًا، بل استثمارًا في رأس المال الإنساني؛ فالمؤسسة الذكية لا تراهن على بريق البداية، بل على استدامة الشغف، وعلى بناء منظومة عمل تُبقي الإنسان في قلبها، قبل أي هدف آخر.
ومن هذا الفهم الإنساني تنبع المسؤولية الحقيقية للمؤسسات؛ فالمؤسسة الواعية لا تكتفي بتوظيف الأفراد الموهوبين، بل تسعى إلى بناء علاقة صادقة معهم تقوم على الرعاية والاحترام والنمو المشترك، وهي تدرك أن البداية وحدها لا تصنع الانتماء، وأن الحفاظ على الروح الإيجابية يحتاج إلى بيئة تمنح موظفيها التقدير، وتفتح أمامهم أبواب التعلم والثقة والتطور.
كاتبة المقال: كاتبة وباحثة في العلوم الإدارية وفلسفة الإدارة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.