بيان الجابر وباسندوة: بوصلة سياسية لتعزيز الدولة واستقرار اليمن    "مصيري بيد الله"، رئيسة فنزويلا تعلق على تهديدات ترامب    حسن مصطفى: منتخب مصر قادر على فرض أسلوبه أمام كوت ديفوار    بينهما طفلان، ارتفاع عدد ضحايا حادث موكب الزفاف في المنيا إلى 4 وفيات    بناءًا على توجيهات محافظ المنيا.. نائب المحافظ يزور مستشفى صدر المنيا لمتابعة حالة المصابين    طلاق نيكول كيدمان وكيث أوربان رسميا بعد زواج دام 19 عاما    صدور «ثلاثية حفل المئوية» للكاتبة رضوى الأسود في معرض القاهرة للكتاب 2026    أحمد مكي يتصدر تريند مواقع التواصل الاجتماعي.. لهذا السبب    مقتل شخص خلال احتجاجات لليهود المتشددين ضد التجنيد    تير شتيجن يغادر معسكر برشلونة فى السعودية للإصابة    دعوات لاحتجاجات في «بازار طهران الكبير» وسط تصاعد الغضب المعيشي    إصابات بالاختناق خلال اقتحام الاحتلال بلدة عقابا شمال طوباس    الأسهم الأمريكية تعزز مكاسبها قبل ختام التعاملات    وزير الزراعة: مضاربات في السوق على أسعار الكتاكيت.. والارتفاعات غير مبررة    وزير الزراعة: أسعار «الكتاكيت» مبالغ فيها.. وأتوقع انخفاضها قريباً    ستارمر: تحالف الراغبين يعتمد إطارًا لنشر قوات دولية في أوكرانيا بعد السلام    حلب على صفيح ساخن.. اشتباكات عنيفة وطائرات مسيّرة توقف الدراسة والرحلات الجوية    متحدث الري يكشف تفاصيل حملات إزالة التعديات على مجرى نهر النيل    جمعة: منتخب مصر «عملاق نائم»    يوفنتوس يكتسح ساسولو بثلاثية في الدوري الإيطالي    تقارير: يونيفرسيداد يحدد سعر بيع «هدف الأهلي»    كأس عاصمة مصر - تعادل الاتحاد السكندري وزد في صراع خطف وصافة المجموعة    تقرير: عموتة والشعباني ضمن المرشحين لتدريب منتخب تونس    خبير اقتصادي: ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج يعزز استقرار الجنيه ويخفض التضخم    محافظ مطروح يهنئ الأخوة الأقباط بعيد الميلاد المجيد    ارتفاع عدد ضحايا حادث موكب حفل الزفاف بالمنيا إلى 3 وفيات و16 مصابا    أسماء ضحايا حادث تصادم ميكروباص بسيارة موكب زفاف في المنيا    محافظ القليوبية يشارك في قداس عيد الميلاد بكنيسة العذراء ببنها    خطاب التماسك الوطني.. ماذا قال الرئيس السيسي في الكاتدرائية؟    محافظ الغربية يشارك في قداس عيد الميلاد بكنيسة ماري جرجس بطنطا    وفاة المطرب ناصر صقر بعد صراع مع السرطان    تعليق مفاجئ من مصطفى كامل على مشاكل النقابة الأخيرة    ضحك وإشادة من خالد جلال على مشهد ارتجالي طريف في كاستنج.. فيديو    رئيس الوزراء: اجتماع الأسبوع المقبل لمتابعة صعوبات تسجيل الوحدات البديلة للإيجار القديم    الأرصاد: غدا طقس دافيء نهارا شديد البرودة ليلا.. والصغرى بالقاهرة 12    فريق إشراف من الصحة يتابع سير العمل بمستشفى حميات التل الكبير بالإسماعيلية    محافظ القليوبية يعقد اللقاء الجماهيري بالقناطر لحل مشكلات المواطنين    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    تحصين الكلاب ب«عين شمس»    شركة "بي بي" تؤكد التزامها بتعزيز استثماراتها في مصر وتسريع خطط الحفر والإنتاج    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    خاص: حكاية " الليثي" قاتل والده بقنا.. الإدمان رفض ان ينتهي بجولات "الدعوة" والتردد على" العباسية "    المخرج رامي إمام ضيف برنامج فضفضت أوي الليلة    محافظ أسوان يشيد بنجاح 6 تدخلات قلبية فائقة بالدقة بمستشفى النيل بإدفو    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    وفاة المخرج المجري بيلا تار عن عمر 70 عامًا    وفد من «مستقبل وطن» يهنئ كنيسة العذراء بالتل الكبير بعيد الميلاد المجيد    برلمانية: ملفات الصناعة والتجارة على رأس الأولويات لتحقيق التنمية    تحت رعاية مصطفى مدبولي.. «أخبار اليوم» تنظم معرض الجامعات المصرية في السعودية    4 أطعمة تحتوي على أحماض أوميجا 3 الدهنية    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    محافظ الغربية: استعدادات شاملة لاستقبال عيد الميلاد المجيد ورفع درجة الجاهزية بمحيط الكنائس    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    الجزائر في اختبار صعب أمام الكونغو الديمقراطية.. من سينجو ويبلغ دور الثمانية؟    بث مباشر مباراة مصر وبنين.. صراع أفريقي قوي واختبار جاد للفراعنة قبل الاستحقاقات الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدكتور خالد العناني: أسعى لاستعادة اليونسكو جوهر رسالتها في بناء السلام
في حوار شامل ل«الأخبار»..
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 22 - 10 - 2025

أستهدف مؤسسة دولية تبنى الجسور لا الجدران.. وتصبح منصة للتعاون بين أقطاب العالم وليس ضحية للتنافس
التركيز على حماية المواقع المُهددة وتمثيل أوسع للثقافات فى مناطق النِزاع
الكنوز الثقافية والطبيعية فى العالم العربى وإفريقيا تستحق تسليط الضوء والحماية الدولية
سد الفجوة الرقمية بين الشمال والجنوب ودعم التعليم التكنولوجى المُتكامل
خطة متكاملة لحماية التراث عبر تعليم شامل وعلوم مُبتكرة وثقافة مُنسجمة فى أماكن الحروب
انسحاب بعض الدول يتطلب إصلاحًا هيكليًا وماليًا مُستدامًا.. وتنويع مصادر تمويل المنظمة
تعزيز الدبلوماسية الثقافية عبر منصات تجمع الفنانين والمبدعين والعلماء لتعزيز الحوار بين الأمم
فى زمنٍ يعج بالأزمات العالمية المتشابكة، من تغيرات مناخية متسارعة إلى تحديات تعليمية وصراعات على الهوية الثقافية، يبرز اختيار د.خالد العنانى مديرًا عامًا لليونسكو كعلامة فارقة، تعكس ثقة المجتمع الدولى بدور مصر الحاسم فى قيادة ملف الثقافة الإنسانية، خاصة مع ما يُعرف عن شغف العنانى، ودوره الفَعَّال فى إنجاز مشروعات ثقافية كبرى وخبرته الواسعة ورؤيته المتكاملة، مما جعله صوتًا رائدًا فى تعزيز الحوار الثقافى والتعاون الدولي..
اقرأ أيضًا| خالد العناني مديراً عاماً لمنظمة اليونسكو
فى حواره مع «الأخبار»، يطرح العنانى رؤيته الطموح لإعادة تشكيل حضور اليونسكو فى عالم ملىء بالتحديات، ويؤكد أهمية تمثيل أوسع لإفريقيا والعالم العربى فى قائمة التراث العالمى، ويركز على تمكين الشباب والمرأة كدعائم أساسية لمستقبل أكثر عدالة وشمولية، كما يشدد على أن اليونسكو ليست مؤسسة دولية تقليدية، بل منصة حيوية للحوار والتقارب بين الشعوب.
اقرأ أيضًا| محافظ القاهرة يهنئ الدكتور خالد العنانى بفوزه بمنصب مدير عام اليونسكو باكتساح
حيث تصبح الثقافة أداة فَعَّالة لبناء السلام، وحماية التراث مَهمة إنسانية تحفظ ذاكرة الشعوب وكرامتها.. هذا الحوار يكشف كيف ستقود مصر، المنظمة التى تضم 196 دولة، وتُعيد رسم خارطة الثقافة العالمية عبر استراتيجية تستند إلى التنمية المستدامة وحماية الثروات للأجيال القادمة، مع رسالة واضحة: التراث جسور تواصل، والثقافة قوة سلام.
كيف تُقَيِّم تجربة اعتماد حملتكم الانتخابية على شباب الدبلوماسيين؟
تجربة الحملة الانتخابية كانت شهادة حية على ما يمكن أن ينجزه الشباب عندما يُمنحون الثقة والمساحة، فالفريق الذى قاد الحملة، وكان فى معظمه من شباب الدبلوماسيين والباحثين، أثبت أن لدينا طاقات قادرة على الابتكار والتواصل الفَعَّال فى المحافل الدولية، بالإضافة إلى أن التجربة لم تكن مجرد إدارة حملة، بل كانت نموذجًا لدبلوماسية مصرية شابة تمتلك أدوات العصر وروح المبادرة، وأكدت لى هذه التجربة، أن الاستثمار فى الشباب، استثمار فى الحاضر والمستقبل، وأن تمكينهم يجب أن يكون حقيقيًا لا رمزيًا، وانطلاقًا من هذه القناعة، أضع ضمن أولوياتى فى اليونسكو توسيع آفاق مشاركة الشباب فى العمل الدولى، وتمكينهم من أن يكونوا طرفًا فاعلًا فى صُنع السياسات التى تمس مستقبلهم.
مسئولية كبيرة
فى ظل التحديات التى تُواجهها اليونسكو والعالم حاليًا.. ما أهمية توليكم هذا المنصب؟ وما دلالات هذا الاختيار؟
بلا شك، هو تكليف يحمل مسئولية كبيرة وشرفًا عظيمًا فى آنٍ واحد، فنحن نعيش اليوم فى عالم يشهد تحولات غير مسبوقة على مختلف المستويات: من تحديات عميقة فى مجال التعليم، إلى أزمات مناخية متصاعدة، وصراعات تهدد التراث الإنسانى المشترك، بالإضافة الى انقسامات فكرية وثقافية تتطلب من منظمة اليونسكو أن تعود بقوة إلى جوهر رسالتها، وهى بناء السلام فى عقول البشر، من خلال التعليم والثقافة والعلوم، ودلالة هذا الاختيار، فى تقديرى، تتجاوز كونه متعلقًا بشخصى، إذ أراه تعبيرًا واضحًا عن ثقة الدول الأعضاء فى أهمية تعزيز التنوع الجغرافى والثقافى داخل المنظمة، كما يعكس إيمانًا عالميًا بالدور المحورى الذى يمكن أن تلعبه مصر، وكذلك منطقتنا العربية والإفريقية، فى صياغة مستقبل اليونسكو برؤية جديدة، ومقاربة أكثر شمولًا، ترتكز على الإنسانية والحوار والتفاهم المشترك.
بعد انسحاب أمريكا.. ما رؤيتكم لإعادة اليونسكو لمكانتها كمؤسسة دولية فاعلة فى ظل التحديات المالية والهيكلية الراهنة وعالم متعدد الأقطاب؟
انسحاب بعض الدول من عضوية اليونسكو خلال السنوات الماضية، كان بلا شك تحديًا كبيرًا، لكنه فى الوقت نفسه مَثَّل فرصة لإعادة التفكير فى مكانة المنظمة ودورها فى عالم متغير، ولكن رؤيتى لإعادة تموضع اليونسكو كمؤسسة دولية فاعلة تنطلق من ثلاثة محاور رئيسية، هى استعادة الثقة والمصداقية الدولية من خلال العمل على تعزيز الحياد والشفافية فى آليات اتخاذ القرار، وإبعاد المنظمة عن أى تسييس أو استقطاب، خاصة أن اليونسكو يجب أن تظل بيتًا للحوار، لا ساحة للخلافات، ومظلة للجميع دون تمييز.
وسأعمل على إصلاح هيكلى ومالى مستدام يقوم على تنويع مصادر التمويل، وعدم الاعتماد المفرط على عدد محدود من المساهمين، وعلينا أن نشجع الشراكات مع القطاع الخاص، والمؤسسات الأكاديمية، والمجتمع المدنى، بما يضمن استقلالية القرار واستمرارية البرامج الحيوية فى مجالات التعليم، والثقافة، والعلوم، والاتصال.
بالإضافة إلى تعزيز الدور الميدانى للمنظمة، فاليونسكو يجب ألا تُرى فقط من باريس، بل من الميدان وستكون من المدارس فى إفريقيا، ومن مواقع التراث فى العالم العربى، ومن المجتمعات التى تُواجه آثار التغير المناخى أو الصراعات، كلما اقتربت اليونسكو من الناس، استعادت مكانتها وثقتهم.
ورسالتى هى أن اليونسكو فى القرن الحادى والعشرين يجب أن تكون منصة للتعاون بين أقطاب العالم المختلفة، لا ضحية لتنافسها، مؤسسة تبنى الجسور لا الجدران، وتؤمن بأن مستقبل الإنسانية يتشكل من خلال المعرفة، والثقافة، والتعليم، لا من خلال القوة.
ما أبرز ملامح خطتكم لحماية التراث والآثار فى مناطق النزاعات، خاصة فى ظل توليكم قيادة اليونسكو خلال هذه المرحلة الحرجة؟
حماية التراث فى مناطق النزاعات تمثل إحدى أهم أولوياتى فى قيادة منظمة اليونسكو، لأن التراث الإنسانى ليس ملكًا لدولة بعينها، بل ذاكرة مشتركة للبشرية جمعاء، وضياعه يعنى خسارة جزء من هوية العالم.
وخلال المرحلة المقبلة، سنعمل من خلال اليونسكو على تعزيز آليات الاستجابة السريعة لحماية التراث فى مناطق الأزمات، من خلال توسيع شبكة «الاستجابة الطارئة للتراث» بالتعاون مع الشركاء الدوليين والإقليميين، وتفعيل بروتوكولات التعاون مع منظمات الأمم المتحدة الأخرى لضمان تدخل فَعَّال ومبكر قبل تفاقم الخطر.
كما نسعى إلى توظيف التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعى فى توثيق المواقع الأثرية رقميًا، بهدف الحفاظ على الذاكرة البصرية والتراثية حتى فى حال تدميرها المادى، وهو مجال واعد يمكن أن يُشَكِّل ثورة فى إدارة التراث العالمى.
إضافةً إلى ذلك، ستولى المنظمة اهتمامًا خاصًا ببناء القدرات الوطنية فى الدول المتأثرة بالنزاعات، من خلال تدريب الكوادر المحلية على أساليب الترميم والتوثيق، وضمان إشراك المجتمعات المحلية فى عمليات إعادة الإعمار الثقافى.
قوة للتفاهم والسلام
كيف يمكن للمنظمة الدولية تفعيل دور الثقافة كجسر للتفاهم فى ظل تنامى الانقسامات والصراعات عالميًا؟
الثقافة ليست مجرد تراث مادي أو فنون وآداب، بل لغة الإنسانية المشتركة، والجسر الأعمق الذي يربط بين الشعوب حتى عندما تختلف لغاتهم ومصالحهم. ولهذا أؤمن بأن دور اليونسكو اليوم يجب أن يتجاوز الاحتفاء بالتنوع إلى تحويله إلى قوة للتفاهم والسلام.
رؤيتي لترجمة هذا المفهوم عمليًا تقوم على 4 ركائز أساسية أولاها تعزيز «الدبلوماسية الثقافية» كأداة للحوار بين الأمم، عبر إنشاء منصات ثقافية مشتركة تجمع الفنانين والمبدعين والعلماء من مختلف الخلفيات، ليتعاونوا فى مشروعات تعكس قيم الاحترام المتبادل، بدلًا من المواجهة الفكرية.
كما نعمل على إطلاق برامج للحوار بين الثقافات تستهدف الشباب بالأساس، لأنهم الأكثر قدرة على تجاوز الصور النمطية، ويمكن للمنظمة أن تنسق منتديات شبابية وثقافية فى إفريقيا والعالم العربى وآسيا وأوروبا، تُبنى على مبدأ «التعرف قبل الحكم، والتفاعل قبل الانقسام».
ونعمل على إحياء دور الثقافة فى التعليم، بحيث لا تكون الثقافة مجرد مادة جانبية، بل جزء من بناء الشخصية الإنسانية. فالتربية على التعددية والتسامح تبدأ من المدرسة، لا من المؤتمرات، وأخيرًا سنعمل على استخدام القوة الناعمة الرقمية، من خلال الفضاء الإلكترونى والإعلام الجديد، لنشر روايات إيجابية عن التنوع الإنسانى، والتصدى لخطاب الكراهية والمعلومات المضللة التى تغذى الانقسام بين الشعوب.
فاليونسكو وُجدت لتذكِّر العالم بأن ما يُوحِّدنا أكثر مما يفرقنا، وأن الثقافة إذا فُهمت على حقيقتها، يمكن أن تكون المفتاح الحقيقى للسلام المستدام، ورسالتى هى أن نعيد للثقافة دورها الأخلاقى، كمرآة للضمير الإنسانى.
مع تفاقم التغيرات المناخية وتأثيرها السلبى على البيئة والتراث، ما استراتيجياتكم لحماية التراث الطبيعى من هذه التحديات؟
تأثير التغيرات المناخية على التراث الطبيعى والثقافى أصبح أحد أكبر التحديات التى تُواجه الإنسانية جمعاء، إذ لم تعد هذه الظاهرة قضية بيئية فحسب، بل أصبحت قضية وجودية تمس هوية الشعوب وذاكرتها.
ومن هذا المنطلق، تضع اليونسكو فى مقدمة أولوياتها خلال المرحلة المقبلة تطوير استراتيجية شاملة لحماية التراث من آثار التغير المناخى، تقوم على 4 محاور رئيسية، وهى التقييم والوقاية، عبر تحديث قاعدة بيانات المواقع الطبيعية والثقافية المعرضة للخطر، واستخدام الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعى لرصد التغيرات البيئية بشكل مستمر، مما يتيح التدخل المبكر قبل وقوع الأضرار الجسيمة.
وسنعمل على تعزيز القدرات الوطنية، وذلك من خلال دعم الدول الأعضاء بخطط تدريب وتمويل لمشروعات التكيف المناخى وإدارة المخاطر، وتمكين المجتمعات المحلية من المشاركة فى حماية تراثها عبر أساليب تقليدية ومستدامة.
سنقوم على الشراكة والتمويل المبتكر، حيث تسعى المنظمة إلى توسيع تعاونها مع الصناديق الدولية والقطاع الخاص، لإطلاق مبادرات تمويلية خضراء موجهة لحماية التراث المهدد فى الجزر والدول الساحلية والمناطق الجافة.
وسنعمل على رفع الوعى العالمى، لأن حماية التراث من التغير المناخى تبدأ من تغيير السلوك، وسنعمل على إدماج الثقافة فى النقاش المناخى العالمى، لتصبح جزءًا من الحل وليس ضحية فقط.
التعليم والعلوم
كيف تخططون لتعزيز دور اليونسكو فى مجالى التعليم والعلوم، خاصة فى ظل تركيز الصورة الذهنية عنها كمنظمة ثقافية، وكونكم تُلقبون ب «وزير ثقافة العالم»؟
اليونسكو وُلدت من فكرة سامية مفادها أن السلام يبدأ من عقول البشر، ولهذا فإن التعليم والعلوم هما فى صميم رسالتها منذ تأسيسها، وليس مجرد جوانب مكمّلة للثقافة.
صحيح أن المنظمة تُعرف عالميًا بدورها الثقافى المرموق، لكننا اليوم أمام لحظة تاريخية تتطلب إعادة التوازن والتكامل بين أركانها الأربعة: التعليم، والعلوم، والثقافة، والتواصل.
وتتمحور خطة عملى فى هذا الصدد على ثلاثة مسارات رئيسية، وهى التعليم من أجل التمكين وسنعمل من خلالها على تطوير مبادرات تدعم جودة التعليم الشامل والمنصف، مع التركيز على الدول النامية والمناطق المتأثرة بالنزاعات، لضمان ألا يُحرم أى طفل من حقه فى التعلم، ونُوسع نطاق برامج «إعادة التفكير فى التعليم» لتواكب التطورات التكنولوجية، بما فى ذلك دمج الذكاء الاصطناعى والتعليم الرقمى.
ونستخدم العلوم من أجل التنمية المستدامة خاصة أن اليونسكو تمتلك تاريخًا عريقًا فى دعم البحث العلمى، وسنعمل على تفعيل هذا الدور من جديد من خلال شبكات العلوم المفتوحة وبرامج دعم الباحثين الشباب، مع إعطاء الأولوية للابتكار العلمى فى مجالات المياه والطاقة النظيفة والمناخ.
وسنعمل على إنشاء جسر التكامل بين العلم والثقافة والتعليم لأن المعرفة لم تعد مجزأة، فالعلم يبتكر، والتعليم ينقل، والثقافة تمنح المعنى. وسأعمل على أن تكون اليونسكو، نموذجًا عالميًا لهذا التكامل، ليصبح العلم أكثر إنسانية، والتعليم أكثر شمولًا، والثقافة أكثر ارتباطًا بالتنمية.
وأؤمن بأن لقب «وزير ثقافة العالم»، لا يعنى الاكتفاء بحماية التراث، بل الارتقاء بعقول البشر خاصة أن الثقافة بلا تعليم علم ناقص، والتعليم بلا قيم ثقافة صَمَّاء، وهذا هو جوهر رؤيتى لليونسكو خلال المرحلة المقبلة.
ما الدور الذى يمكن أن تضطلع به اليونسكو لضمان توظيف الذكاء الاصطناعى فى توسيع فرص التعليم وتقليل الفجوة الرقمية بين الشمال والجنوب بدلًا من تعميقها؟
الذكاء الاصطناعى يمثل بلا شك أحد أعظم إنجازات العصر الحديث، لكنه فى الوقت نفسه سلاح ذو حدين؛ فهو قادر على فتح آفاق غير مسبوقة للتعليم والمعرفة، كما يمكن أن يعمق الفجوات القائمة إذا لم يُدر بمسئولية وعدالة.
من هذا المنطلق، أرى أن دور اليونسكو يجب أن يكون رياديًا فى توجيه استخدام الذكاء الاصطناعى لخدمة الإنسان، لا العكس. هناك 3 محاور أساسية أعمل على تعزيزها فى هذا الإطار، سنقوم بوضع أطر ومعايير أخلاقية عالمية لاستخدام الذكاء الاصطناعى فى التعليم، تضمن المساواة فى الوصول إلى أدوات المعرفة الرقمية، وتحمى خصوصية المتعلمين وكرامتهم الإنسانية. وقد كانت اليونسكو بالفعل أول منظمة أممية تتبنى توصية عالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعى، وسنعمل على تطويرها لتصبح أكثر تطبيقًا وتأثيرًا على أرض الواقع.
ونعمل على سد الفجوة الرقمية بين الشمال والجنوب عبر دعم البرامج التعليمية التى تتيح للدول النامية بناء بنية تحتية رقمية قوية، وتدريب المعلمين والطلاب على مهارات التعلم التكنولوجى، بما يجعل الذكاء الاصطناعى أداة للتمكين لا للإقصاء، بالإضافة الى توظيف الذكاء الاصطناعى كوسيلة لتعميم التعليم الجيد، من خلال تعزيز التعليم المخصص، وتحليل البيانات لتحديد احتياجات المتعلمين، وتطوير مناهج أكثر شمولًا وتفاعلًا.
باختصار، تعتمد رؤيتى على أن يصبح الذكاء الاصطناعى أداة للعدالة المعرفية، وجسرًا بين الشمال والجنوب. اليونسكو، بما تمثله من ضمير إنسانى عالمى، ستقود هذا المسار لضمان أن تظل التكنولوجيا فى خدمة الإنسان، لا على حسابه.
كيف ستسهمون، بعد تعيينكم راعيًا للتراث الإفريقى، فى تعزيز مكانة القارة السمراء على خريطة التراث العالمى؟
إنّ إفريقيا ليست فقط مهد الإنسانية، بل أيضًا قارة التنوع الثقافي والحضاري والروحي، قارة تحمل في طياتها ذاكرة العالم وضميره، لكنها لم تنل بعد المكانة التي تستحقها على خريطة التراث العالمي.
بوصفي راعيًا للتراث الإفريقى، فإن رؤيتى تنطلق من قناعة راسخة بأن التراث الإفريقى ليس مجرد ماضٍ نعتز به، بل رصيد حى للتنمية وبناء المستقبل. ولهذا أعمل على ثلاثة محاور رئيسية لتعزيز مكانة إفريقيا داخل منظومة اليونسكو، من خلال رفع نسبة تمثيل المواقع الإفريقية في قائمة التراث العالمي، من خلال تقديم الدعم الفنى واللوجستى للدول الإفريقية لإعداد ملفات ترشيح قوية ومتكاملة، وتوفير الخبرات التدريبية اللازمة لمتخصصيها فى مجالات التوثيق والحماية والإدارة المستدامة للمواقع.
وسنعمل على تعزيز القدرات المحلية لحماية التراث عبر برامج لبناء القدرات الوطنية والإقليمية، وتطوير مراكز إقليمية للتراث فى إفريقيا تعمل كأذرع تنفيذية لليونسكو، مع تشجيع الشراكات بين الدول الإفريقية لتبادل الخبرات فى مجالات الحفظ والترميم، بالإضافة الى ربط التراث بالتنمية المستدامة، بحيث يصبح التراث الإفريقى جزءًا من اقتصاد المعرفة والسياحة الثقافية المستدامة، مما يخلق فرص عمل للشباب ويدعم المجتمعات المحلية فى الحفاظ على تراثها بوصفه مصدر فخر ومعيشة فى آنٍ واحد.
كما أننى أؤمن بأن تصحيح التوازن بين الشمال والجنوب فى قوائم التراث ليس مجرد هدف رمزى، بل خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة الثقافية التى هى فى صميم رسالة اليونسكو.. باختصار، أرى إفريقيا ليس كقارة تنتظر الدعم، بل كقارة تمنح العالم رؤية جديدة للتراث الإنسانى المشترك - رؤية تنبض بالحياة، وتؤمن بأن الهوية قوة دافعة للتقدم، لا عبئًا على المستقبل.
وسيلة لبناء الجسور
كيف توظف خبراتك فى السياحة والآثار والثقافة لتعزيز مفهوم السياحة الثقافية المستدامة؟
إنّ السياحة والثقافة والتراث 3 دوائر متداخلة لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى، وخبرتى فى هذه المجالات خلال سنوات عملى كوزير للسياحة والآثار فى مصر منحتنى رؤية شاملة لكيفية توظيف الثقافة والتراث كقاطرة للتنمية المستدامة، وسأعمل داخل اليونسكو على تعزيز مفهوم «السياحة الثقافية المستدامة» باعتبارها وسيلة لبناء الجسور بين الشعوب، وأداة لدعم المجتمعات المحلية اقتصاديًا وثقافيًا دون الإضرار بتراثها أو بيئتها.
وتقوم رؤيتى فى هذا الصدد على 3 محاور رئيسية من خلال دمج مبادئ الاستدامة فى إدارة المواقع التراثية، بحيث تصبح كل زيارة تجربة تعليمية وثقافية تحترم المكان وساكنيه، وتدعم صيانته وحمايته للأجيال القادمة، و تمكين المجتمعات المحلية من أن تكون شريكًا حقيقيًا فى الاستفادة من عوائد السياحة الثقافية، من خلال التدريب، والمشروعات الصغيرة، وتسويق المنتجات التراثية والحرف التقليدية، بما يعزز شعور الانتماء ويحمى الهوية المحلية.
وسأعمل على إقامة شراكات دولية وإقليمية بين اليونسكو والقطاعين العام والخاص، لتطوير مبادرات سياحية قائمة على التراث المادى وغير المادى، كما إننى أؤمن بأن السياحة الثقافية المستدامة رسالة حضارية، رسالة تدعو إلى احترام التنوع، وحماية الذاكرة الإنسانية، وبناء مستقبل يتشارك فيه الجميع فى ثمار المعرفة والتبادل الثقافى.
ما المواقع التى تركزون عليها لترشيحها ضمن قائمة التراث العالمى؟
سأتبع منهجية علمية دقيقة فى تقييم وترشيح المواقع للانضمام إلى قائمة التراث العالمى، تعتمد على معايير دولية موضوعية بعيدًا عن الاعتبارات الجغرافية أو السياسية، خاصة أن هناك العديد من المواقع التى تستحق التقدير والاهتمام حول العالم، ولا سيما فى منطقتنا العربية والإفريقية..
منطقتنا العربية والإفريقية تزخر بكنوز ثقافية وطبيعية فريدة، هذه المواقع تمتاز بقيمتها الاستثنائية التى تعكس تاريخًا ثريًا وتراثًا متنوعًا يستحق الحماية والتسليط عليها على المستوى الدولى.. هناك تركيز متزايد على حماية المواقع المهددة فى مناطق النزاع، وكذلك الدول الجزرية الصغيرة والمناطق الأفريقية التى تعانى من تمثيل أقل فى قائمة التراث العالمى، خاصة أن هدفنا تحقيق عدالة جغرافية تضمن تنوعًا أوسع فى تمثيل ثقافات وحضارات العالم على هذه القائمة.
وعملنا لا يقتصر على إدراج أسماء جديدة فحسب، بل يركز أيضًا على ضمان الحماية الفعلية لتلك المواقع، من خلال تمكين المجتمعات المحلية لتصبح شركاء فاعلين فى صون هذا التراث وضمان استدامته للأجيال القادمة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.