في فيلمه الوثائقي الطويل «الحياة بعد سهام»، الذي ينافس علي نجمة الجونة الذهبية في مسابقة الافلام الوثائقية الطويلة، يقدّم المخرج المصري نميرعبد المسيح رحلة إنسانية شديدة الخصوصية، تستند إلى الفقد كمنطلق لاكتشاف الذات والعائلة والهوية، فبعد رحيل والدته «سهام»، يعود المخرج بالكاميرا إلى بيت العائلة وذاكرتها، محاولًا أن يفهم كيف تستمر الحياة بعد أن يغيب من كانوا يمنحونها معناها .. الفيلم لا يكتفي بتوثيق سيرة امرأة راحلة، بل يفتح جرحًا وجوديًا حول معنى الفقد، والحنين، والهوية، وتحوّلات الزمن في العائلة المصرية المعاصرة. ينتمي فيلم «الحياة بعد سهام» إلى سينما الوثائقي الشخصي، لكنه لا يقتصر على سرد سيرة امرأة أو عائلة، بل يتحول إلى تأمل في الزمن والذاكرة المصرية ، ينسج عبد المسيح من أرشيفٍ عائلي وصورٍ قديمة ولقطاتٍ جديدة خيوطًا بصرية رقيقة، تمزج بين ما كان وما تبقّى، في محاولة لتصوير الحزن لا كحدثٍ عابر، بل كحالة وجودية تخلق وعيًا جديدًا بالحياة. يبدأ الفيلم من نقطة النهاية : رحيل "سهام"، المرأة التي كانت تشكّل محور العائلة وقلبها النابض ، يختار " نمير" أن يواجه الفقد بالكاميرا، محولًا لحظة الحزن إلى فعل تفكير وبحث. إقرأ ايضا: «الحمد لله على أصحابي المحترمين».. هالة صدقي توجه رسالة لأصدقاء العمر الكاميرا هنا ليست أداة لتسجيل حدث، بل مرآة لروحٍ تحاول أن تفهم ما تبقّى من الحب والروابط بعد أن تذوب في صمت الموت.. تتشابك المقاطع المصوّرة الجديدة مع الأرشيف الشخصي واللقطات القديمة، حيث استعان بلقطات أو مقاطع أرشيفية من فيلم عودة الابن الضال للمخرج يوسف شاهين، ليخلق المخرج نسيجًا بصريًا هجينًا بين الماضي والحاضر، بين الوثائقي والتأملي، وبين ما هو حقيقي وما يبدو كحلم بعيد. تقوم جماليات الصورة في الفيلم على البساطة والصدق: لقطات ثابتة لغرفٍ خالية، نوافذ نصف مفتوحة، وأصوات تأتي من بعيد لتذكّرنا بما كان.. المونتاج بطيء ومتأمل، يمنح للصمت حضوره الدرامي، وللغياب ملمحًا بصريًا محسوسًا ، ورغم أن الفيلم يروي حكاية المخرج الشخصية، إلا أنه ينجح في أن يجعلها مرآةً لجيلٍ كامل عاش تحولات المجتمع المصري من الطمأنينة إلى القلق. يؤدي صوت نمير في الخلفية دور الراوي المتردد، لا يملي المعنى بل يبحث عنه.. بنبرةٍ هادئة وأسلوبٍ أقرب إلى الحوار الداخلي، يتحول الفيلم إلى فعل مصالحة بين الماضي والحاضر، بين الأبن والأم، وبين الإنسان وحياته بعد الفقد. في «الحياة بعد سهام» يبرهن نمير عبد المسيح أن السينما يمكن أن تكون وسيلة شفاء، وأن الصورة قادرة على إنقاذ الذاكرة من النسيان، فيلمه ليس فقط عن امرأة راحلة، بل عن العالم الذي تركته، وعن مقاومة الموت عبر استعادة التفاصيل الصغيرة التي شكّلت معنى الوجود.. إنه عمل حميمي عميق، يعيد تعريف العلاقة بين السينما والذاكرة، ويؤكد أن الفن حين يكون صادقًا، يصبح امتدادًا للحياة نفسها يقدّم نمير عبد المسيح في هذا العمل درسًا في الصدق الفني والجرأة الإنسانية؛ فالفيلم لا يعتمد على الدراما المصطنعة أو اللغة السينمائية المبهرة بقدر ما يستند إلى قوة البوح وشفافية الوجدان..إنه فيلم عن كل من فقد أمًا أو أبًا أو وطنًا، عن أولئك الذين يواجهون الغياب بالبحث عن المعنى لا بالاستسلام له، ومع بساطة لغته البصرية، ينجح «الحياة بعد سهام» في أن يكون أحد أهم التجارب الوثائقية العربية الحديثة التي تضع الإنسان - لا الحدث - في مركز الصورة.