في قلب رقعة شطرنج واسعة ودامية فى الشرق الأوسط يطل سؤال يطارد أروقة الدبلوماسية وغرف الحرب على حد سواء: من يتم الدفاع عن مصالحه؟ هل هى حقوق المدنيين الأبرياء، أم مصالح صُنّاع النفوذ الذين يتاجرون بالصفقات على حساب معاناة البشر؟ عشية انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة فى الثانى والعشرين من سبتمبر 2025، يراقب العالم واشنطن وهى تضاعف من دعمها لإسرائيل، وتعارض القرارات الداعية للاعتراف بدولة فلسطينية، وتعبئ حلفاءها خلف رؤيتها الخاصة لما هو مقبول فى هذا الصراع. وفى الوقت نفسه، تأتى جولة وزير الخارجية الأمريكى «ماركو روبيو» إلى المملكة المتحدة وإسرائيل لتبعث برسالة واضحة لا لبس فيها: التحالفات والتجارة ليست قابلة للمساومة. فى هذا المناخ، يثور التساؤل: هل وُئد حلم حل الدولتين فى ظل سياسة تقوم على مقايضات جيوسياسية، حيث تتفوق الأرباح وصفقات السلاح والنفوذ على حق الفلسطينيين فى تقرير مصيرهم؟ ◄ روبيو في تل أبيب.. صفقات فوق الجثث وتحالفات بلا مباديء ◄ البيت الأبيض يُعلنها عمليًا: «الأمن لإسرائيل.. والمعاناة لفلسطين» ■ هجمات إسرائيل على الدوحة منذ مطلع 2025 تزايدت الدلائل على أن موقف واشنطن العلنى تجاه حل الدولتين آخذ فى التغير، ليس بشكل خفى، بل بإعادة تقييم جريئة. لعقود، أيدت السياسة الخارجية الأمريكية رسميًا إسرائيل إلى جانب فكرة قيام دولة فلسطينية فى الضفة الغربيةوغزة. ومع ذلك، تشير الإجراءات الأخيرة إلى أن إطار حل الدولتين يفقد الأولوية بهدوء. وهذا ما تعكسه أدلة كثيرة؛ حيث عارضت الولاياتالمتحدة «إعلان نيويورك»، الذى أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة: 142 صوتًا مؤيدًا، 10 معارضين، 12 ممتنعًا عن التصويت، الذى يدعو إلى اتخاذ خطوات لا رجعة فيها ومحددة زمنيًا نحو إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. رفضت واشنطن وإسرائيل القرار، ووصفتاه بأنه غير مجدٍ، وفقًا لوكالة «رويترز». كما حذّرت واشنطن دولًا عدة من حضور مؤتمر أممى لوضع معايير لقيام الدولة الفلسطينية، بزعم أن الاعتراف الأحادى الجانب بفلسطين «يكافئ حماس ويقوِّض أمن إسرائيل». فيما أعلن السفير الأمريكى لدى إسرائيل «مايك هاكابى» صراحة أن الولاياتالمتحدة «لم تعد تسعى لإقامة دولة فلسطينية مستقلة»، فى إشارة إلى أن أقصى ما يمكن طرحه هو شكل من الحكم الذاتى المحدود لا يرقى إلى الاستقلال، بحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية. كل ذلك يعكس إعادة ترتيب الأولويات: ضمان أمن إسرائيل وتفوقها الإقليمى، مقابل تهميش حق الفلسطينيين فى دولة ذات سيادة. ■ وصول روبير إلى إسرائيل ◄ اقرأ أيضًا | إعلام اسرائيلي: رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير يقود مبادرة لإنهاء الحرب في غزة ◄ جولة روبيو ورسائل دبلوماسية أتت زيارة وزير الخارجية الأمريكى روبيو إلى لندن وتل أبيب فى منتصف سبتمبر، أى قبل أيام قليلة من اجتماعات الأممالمتحدة، كجزء من مشهد محسوب بدقة. فالأمر ليس مجرد تضامن، بل هو ترسيخ لتحالف استراتيجى. الزيارة جرت وسط تصعيد إسرائيلى فى شمال غزة، وبعد خلاف مع قطر إثر اغتيال شخصيات من حماس على أراضيها، ما أدى إلى تعثر مفاوضات التهدئة، بحسب موقع «بوليتيكو». كما اجتمع روبيو مع رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو»، وناقش خطط ضم أجزاء من الضفة الغربية، وزار مواقع حساسة سياسيًا مثل القدسالشرقية، وهو ما كشفته صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية. ورغم محاولته احتواء غضب بعض دول المنطقة، إلا أن جوهر مهمته كان واضحًا: الدفاع عن إسرائيل وتحصين المصالح الأمريكية، وليس الضغط من أجل حقوق الإنسان أو القانون الدولى. يشير توقيت ومضمون دبلوماسية روبيو إلى أن ما تدافع عنه واشنطن ليس فقط الموقف العسكرى الإسرائيلى وتوسعه الاستيطانى، بل أيضًا هيكل نفوذ قائم على مبيعات الأسلحة، والعلاقات الاقتصادية، وعقود الأعمال فى مجالات الطاقة والأمن والبنية التحتية. ■ صفقات إدارة ترامب على حساب دماء الفلسطينين ◄ المصالح أولًا والسؤال المطروح الآن: هل غلبت المصالح الأمريكية على المبادئ الإنسانية وحق الشعوب فى تقرير مصيرها؟ المؤشرات تقود إلى إجابة محبطة؛ نعم، فى معظم الحالات. فقد منعت الولاياتالمتحدة وفد السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس من الحصول على تأشيرات لحضور اجتماعات الأممالمتحدة، ضمن سياسة ممنهجة لتقويض أى جهد للاعتراف الدولى بفلسطين. كما أن تهديدات واشنطن ب«عواقب دبلوماسية» على الدول التى قد تعترف بدولة فلسطينية من جانب واحد تعكس دبلوماسية صارمة أكثر منها وساطة. وبينما تتفاقم الأزمة الإنسانية فى غزة عشرات الآلاف من القتلى والتشريد وانهيار البنية التحتية يبدو أن السياسة الأمريكية تتجه نحو الحفاظ على التحالف مع إسرائيل، وإبقاء خياراتها الاستراتيجية مفتوحة، بما فى ذلك الضم والعمل العسكرى، بدلًا من الدفع نحو إنهاء الصراع الذى قد يتطلب من إسرائيل تغيير أفعالها أو سياساتها. زيارة روبيو دليل على دعم واشنطن لإسرائيل، حتى فى ظل التصعيد والوحشية الإسرائيلية والتنديد الدولى. ويبدو أن جوهر السياسة الأمريكية اليوم يرتكز على مزيج من الصفقات التجارية، وصفقات السلاح، والنفوذ الجيوسياسى. ومن الأمثلة الصارخة استمرار مبيعات السلاح إلى إسرائيل بلا قيود، ما يوفر أرباحًا هائلة لشركات الدفاع الأمريكية ويضمن استمرار النفوذ فى المنطقة. بالإضافة إلى مناقشات ضم الضفة الغربية، التى تعنى مكاسب سياسية واقتصادية لإسرائيل، وترسيخ استيطان يوفر نفوذًا إقليميًا، ويعزز نفوذ اللوبيات داخل الولاياتالمتحدة نفسها، وفقًا ل«أكسيوس». ◄ سياسة المقايضة لذا، بينما يستعد العالم لاجتماعات الأممالمتحدة، يتكشف أن واشنطن لن تكون حاملة لراية السلام أو العدالة. الأولوية القصوى تبقى: أمن إسرائيل أولًا، والأعمال ثانيًا. أما حق الفلسطينيين فى تقرير مصيرهم فتم إرجاؤه أو تحويله إلى ورقة مساومة فى لعبة النفوذ. لم يعد حل الدولتين معرضًا للخطر فحسب، بل يُقوَّض من داخل السياسة الأمريكية، خطابيًا وعمليًا. الاعتراف بفلسطين وحقوقها الأساسية بات يُنظر إليه كتنازل سياسى أكثر من كونه استحقاقًا إنسانيًا. وهكذا تتحول دماء الأبرياء ومعاناة ملايين الفلسطينيين إلى «تفاصيل جانبية» فى مشهد تسيطر عليه المصالح الكبرى، حيث تكون التجارة والتحالفات الاستراتيجية أثمن عند واشنطن من أى صيحة عدالة.