وكنت أول صحفى يخترق أنفاق غزة ،ويكشف أسرارها وتفاصيلها ، ونقلت وكالات الأنباء الموضوع عن «الأخبار» الثلاثاء: فى حياة كل منا محطات مهمة عاطفية وإنسانية ومهنية، تغير مساره وتظل علامة فارقة فى تاريخه لاينساها ،وقد كان السبق الصحفى الذى رزقنى الله به فى شهر يناير عام 2009 ،ووفقنى فيه من تلك المحطات ،فقد كنت ضمن وفد الصحفيين الدوليين الذى يزور غزة بعد العملية العسكرية الدنيئة التى ارتكبتها قوات الاحتلال فى حق غزة وأهلها وأطلقوا عليها اسم « الرصاص المصبوب «،وكانت الزيارة تستغرق 3 أيام وكان على رأس الوفد المصرى الكاتب الصحفى مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين-رحمه الله- وطبعا دخلنا بريا عبر بوابة رفح المصرية ،ومنها إلى رفح الفلسطينية بغزة. كانت حماس وقتها تسيطر على كامل غزة ،واستقبل الوفد عدد من قادة حماس ،ومنذ أن وطئت قدمى أرض غزة ،وأنا أطلب مشاهدة أنفاق غزة ،التى يتم الكتابة عنها دون أن نراها، ولم يتم تصويرها فى وسائل الإعلام العربية والأجنبية، ورفض كل المسئولين فى حماس الطلب رفضا قاطعا وحادا، ولم أيأس ،وأثناء تجولى فى غزة شاهدت حجم الدمار الذى خلفه العدو وبدا هذا الدمار واضحا فى المدارس والمستشفيات والمنازل، وتكسير زجاج نوافذ وأبواب كل مبانى غزة من شدة دوى الانفجارات ،حتى الفندق الذى كنا نقيم فيه كان بلا زجاج على نوافذه ،ووقتها منعت قوات الاحتلال دخول الزجاج للقطاع ،لأنه كان يدخل فى تركيب بعض المتفجرات، وفى رحلة عودتى للفندق استقللت «تاكسي» يقوده شاب فلسطينى ،ودفعت الحساب بالدولار ورفضت الحصول على «الباقي» بالشيكل ،وقولت له أنا لا أتعامل بعملة العدو ،وتركت له الباقى ،وأنا أغادر التاكسى سألته كيف يمكن أن أصل إلى مكان أنفاق غزة ،وعرفته بنفسي، فأجاب :أنا ممكن أقوم بتوصيلك وتسهيل دخولك أحد الأنفاق ..لكن بمقابل 300 دولار ،فوافقت على الفور ،رغم أنه ليس هناك أى ضمانات لتنفيذ هذا الاتفاق، وحدد الموعد فى اليوم التالى الذى يوافق يوم الجمعة موعد عودتنا إلى مصر، وحدد اللقاء بعد صلاة الجمعة ،وكان موعد تحرك الوفد من الفندق العاشرة صباحا قبل صلاة الجمعة بساعتين ،وكان يرافقنى من الأخبار المصور الموهوب المبدع الصديق خالد الباجورى ، وطلبت منه إعطائى كاميرته فى مقابل تسليمه إقرارا منى باستلامها -لأنها عهدة -فسألنى لماذا ؟فرويت له ماحدث ،وأخبرته أننى لست مستعدا أن أتحمل أن أخاطر بحياته ،لكنى أتحمل مسئولية نفسى ،لكنه رفض إعطائى الكاميرا ،وأصر أن يبقى معى ويرافقنى ،ويخوض معى المغامرة الصحفية المحفوفة بالمخاطر ،وقبل أن نستقل المينى باص المخصص لعودة الوفد أخبرت الأستاذ مكرم النزول بما حدث وإننى مضطر إلى البقاء فى غزة ،فوافق على الفور قائلا : خاللى بالكم من نفسكم وربنا معاكم ..وسأترك اسمك واسم المصور على بوابة رفح لتسهيل خروجكما. الجمعة: أدينا صلاة الجمعة وانتظرنا أمام المسجد سائق التاكسى الذى رفض أن يقول لنا اسمه..وحضر فى الموعد ،وقبل أن يتحرك طلب ال300 دولار ،فأعطيتها له ،وظننت أنه سيأخذها ويطردنا من التاكسى ويتركنا ويذهب ،لكن إن بعض الظن إثم ،فقد ذهب بنا إلى مكان يشبه معسكر تخييم ،ومغروس به عشرات الخيام ،تمتد إلى أبعد نقطة يصل لها البصر ،وتوقف ونزل معنا ،وطلب منا عدم التحدث مع أى شخص ،إلى أن نصل إلى النفق الذى اتفق مع أصحابه أن نلتقى بهم ،وأثناء سيرنا كان ينتشر أفراد يحملون بنادق آلية ،بينهم أطفال لاتتعدى أعمارهم الثلاث عشرة سنة ،مهمتهم حراسة المكان وجميعهم تابعون لحماس ،واكتشفنا أن تحت كل خيمة مدخلا أو مخرجا لنفق ،وأن كل هذه الأنفاق تنتهى فتحاتها فى رفح المصرية ،داخل منزل أو مبنى أو أى مكان لايوحى بأنه مدخل نفق، وقفز إلى ذهنى سؤال لم أجد له إجابة ،لماذا لم تهدم إسرائيل هذه الأنفاق رغم أنها ظاهرة للعيان ،ورغم أنها هدمت كل شىء فى غزة، لكنها لم تمس الأنفاق؟! وتركنا السائق وذهب ،وبدأت أتحدث مع المسئولين عن النفق، وطرحت كل الأسئله التى كانت تدور فى ذهنى دون أن أكتب الإجابات ، فقط أدون فى ذاكرتى ما أسمعه ،ويسجل خالد مايراه بالكاميرا، والتقط صورًا لى وأنا أنزل بحبل داخل النفق ،ولحق بى فى النفق وسرنا بداخله مايقرب من نصف ساعة بصحبة أحد الشباب المسئولين عن النفق ،ووصلنا لمكان أخبرنا الشاب أنه مخرج داخل رفح المصرية ،وطبعا لم نفكر فى الخروج منه لأننا مرتبطان بالخروج رسميا من المعبر ،وعدنا إلى المكان الذى دخلنا منه وغادرنا موقع الأنفاق وقلت لخالد أننى أحتاج لمكان لكى أكتب الموضوع ،واتصل بالكاتب الصحفى ممتاز القط رئيس تحرير أخبار اليوم -متعه الله بالصحة والعافية -لأرسل له موضوعا خبريا عن الأنفاق ،والموضوع الميدانى المصور سأنشره فى الأخبار، وبمجرد أن أخبرت الأستاذ ممتاز طلب منى الموضوع الميدانى ،لكنى فضلت أن ينشر فى الأخبار ،فقال: اقفل وأنا هطلبك ،وظننت أنه «زعل مني»،لكنه اتصل بى فورا من تليفونه الخاص ،قائلا : طلبتك علشان «ماغرمكش» ثمن المكالمة، وطلب منى أن أملى عليه الخبر ،فقلت له ميصحش ياريس، قال لى بطل رغى وملينى علشان نلحق الطبعة الأولى ،ونشر الموضوع «مانشيت» باللون الأحمر فى «أخبار اليوم» بعنوان «سبوبة حماس فى غزة»،حيث أن حماس كانت هى التى تمنح تراخيص حفر الأنفاق ،وتتقاضى رسوما على كل ما يمر عبر الأنفاق أفرادا أو سيارات أو وقودا «عن طريق خراطيم» أو مواشى ،أو بضائع ،كله بحسابه ، وكله مهرب من مصر ، وكانت حماس هى التى تمد هذه الأنفاق بالكهرباء عن طريق مولدات تملكها، وتتقاضى ثمن الكهرباء من أصحاب الأنفاق ،فى الوقت الذى كانت فيه كل غزة مظلمة بلا كهرباء، وتفاصيل أخرى داخل الخبر. وذهبت وخالد إلى مقهى لأكتب الموضوع الميدانى للأخبار من الذاكرة ،وخالد يقوم بمعالجة الصور على اللاب توب ،وأنهيت الكتابة الساعة 11 ليلا مع إغلاق المقهى ،وسألنا صاحب المقهى عن وسيلة مواصلات نذهب بها إلى المعبر،فرد: لاتوجد مواصلات ليلا ،وقام بتوصيلنا بسيارته النصف نقل، وكان الظلام دامسا لدرجة أنك لاترى يدك إذا وضعتها أمام عينيك ،وبمجرد أن تحركنا إلى بوابة المعبر على ضوء الموبايلات ،سمعنا إطلاق نار فى اتجاهنا ، مع صوت عال يصدر من مكبر صوت يقول «ارجعوا «دى منطقة محظورة بعد المغرب ومن يقترب منها يتعرض لإطلاق النار ،فعدنا مسرعين إلى السيارة، ولم نجد مكانا نبيت فيه ،وعرض علينا صاحب المقهى أن يستضيفنا فى بيته، ولم يكن عندنا رفاهية الرفض أو الاختيار، وذهبنا معه وقضينا الليلة. السبت: وعند شروق الشمس بدأنا التحرك والتوجه للمعبر ،وأثناء مرورنا وجدنا مدرسة بلا أسوار ولا جدران وأطفالًا يجلسون فى العراء يتلقون دروسهم فتوقفنا والتقطنا صورًا للأطفال ،وبجوار المدرسة كان يوجد بيت مهدم وسيدة تجلس فوق أطلاله تبكى ،ورائحة الموت تفوح من المكان ،فذهبت إليها ،وسألتها :فقالت إن قنبلة سقطت على المنزل ،وقتلت 29 من عائلتها ،ومازالوا تحت الأنقاض ،ولم يبق إلا هي، وبكيت وأنا أسمع قصتها.. وذهبنا إلى المعبر ووجدت اسمى أنا وخالد مدونين هناك وأن الأستاذ مكرم أخبرهم بأننا سنتأخر فى العودة . الأحد: ذهبت لمكتب الكاتب الصحفى محمد بركات رئيس تحرير الأخبار -متعه الله بالصحة والعافية -وقدمت له الموضوع مكتوبًا ومعه الصور، وقلت له إنه انفراد ، ورويت له ما حدث ،فقال إنه لن يصرف بدل سفر لليلة الإضافية التى قضيتها أنا وخالد فى غزة ،ولن يستطيع صرف ال300 دولار التى دفعتها لسائق التاكسى لأنها بلا إيصال! الاثنين : الموضوع منشور إشارة فى رأس الصفحة الأولى على عمودين ونصف عمود مع صورة لى وأنا معالق فى الحبل للنزول داخل النفق، والموضوع فى صفحة (7) به كل تفاصيل بناء وتمويل الأنفاق وأشكالها وأنواعها وتكاليفها ،مع صور لى داخل النفق، لأصبح أول صحفى يدخل هذه الأنفاق ،وتنقل وكالات الأنباء الموضوع عن الأخبار ..وتم استضافتى فى عدة برامج تليفزيونية، لأروى فيها قصة الأنفاق كاملة كأول شاهد عيان ..وحصلت على أول جائزة حيث اتصل بى الأستاذ مكرم قائلا : برافو ياعبد الحافظ الموضوع هايل. ثم حصلت على جائزة التميز والتفوق من نقابة الصحفيين عن هذا الموضوع ،وجائزة أخرى عن القصة الإنسانية للسيدة التى فقدت 29 من عائلتها، وكانت محصلة الجائزتين 10 آلاف جنيه ،بالإضافه إلى 5 آلاف جنيه مكافأة صرفها لى الأستاذ ممتاز القط عن مانشيت «أخبار اليوم» ،وأخذت المبلغ وبعت سيارتى الأونو الصغيرة واشتريت أخرى كبيرة أتوماتيك ومكيفة.