في سلسلة لقاءات رفيعة المستوى استقبلت القاهرة رئيس مجلس الوزراء الانتقالى السوداني كامل إدريس، إلى جانب انعقاد مؤتمر صحفى مُشترك استضافه الدكتور مصطفى مدبولي مع رئيس الوزراء السوداني، وقد أكدت بيانات القمة ومضمون المؤتمر الصحفى موقف مصر الثابت الداعم لوحدة وسلامة أراضى السودان، واستعداد القاهرة لأن تكون شريكًا محوريًا فى أى مسارات لإعادة الاستقرار وإعادة الإعمار، وفي تقديم المعونة الإنسانية، مع الحرص على التنسيق الدائم بين القيادتين. ◄ مدبولي: نحن والسودان كالجسد الواحد ما يُصيب الخرطوم يمس القاهرة ◄ رئيس وزراء السودان: العهد مع مصر لن ينكسر فى لقائه مع رئيس الوزراء السودانى، جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي، التأكيد على موقف مصر الثابت والداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، مُشددًا على دعم القاهرة الكامل لكافة الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار فى السودان وإنهاء المُعاناة الإنسانية، بما يحفظ مقدرات الشعب السوداني، وقد تم تناول الجهود المبذولة لتسوية الأزمة السودانية، وتحقيق تطلعات الشعب السوداني نحو استعادة السلم والاستقرار، إلى جانب مُناقشة سبل التعاون بين البلدين بمجال إعادة الإعمار بالسودان، ووفقًا للمُتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية السفير محمد الشناوي، تناول اللقاء تطورات العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وسُبل دعمها وتطويرها بمُختلف المجالات، بما يُسهم فى استعادة الاستقرار بالسودان، وتحقيق تطلعات الشعبين الشقيقين نحو التنمية والازدهار، كما شهد اللقاء تبادل الرؤى حول مُستجدات الأوضاع الإقليمية، حيث تم التأكيد على أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين البلدين بكافة الموضوعات محل الاهتمام الُمشترك. ■ جانب من مباحثات الرئيس السيسى ورئيس مجلس الوزراء الانتقالي بالسودان بحضور وفدى البلدين وعقد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، مؤتمرًا صحفيًا مُشتركًا مع رئيس وزراء السودان، حيث أعاد مدبولى التأكيد على أن مصر والسودان كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد، مُعلنًا أن القاهرة فتحت أبوابها للاجئين السودانيين وأن التنسيق مُستمر على كل المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، كما جرى الاتفاق على تفعيل آليات التشاور، وعقد اللجان المُشتركة لتحديد خطة تنفيذية للتعاون فى ملفات مثل النقل، الطاقة، الثقافة، والتعليم، وإمكانيات المشاركة فى إعادة الإعمار، وأعرب مدبولى عن بالغ التقدير لكون مصر أول دولة يختارها رئيس الوزراء السوداني لزيارتها عقب توليه مهام منصبه، مؤكدًا حرص مصر بشكل راسخ منذ بدء الأزمة، بُناء على توجيهات من الرئيس السيسى، على تقديم مُختلف أوجه العون والدعم للأشقاء والضيوف الأعزاء من أبناء الشعب السودانى، الذين أتوا مصر هربًا من ويلات الحرب، حيث فتحت مصر أبوابها للأشقاء السودانيين ليس تفضلًا ولا منّة، وإنما من مُنطلق واجب الأخ تجاه أخيه، مؤكدًا الرفض بشكل قاطع لأى مساس بوحدة السودان تحت أى مُسمى وتحت أى ظرف، لافتًا للجهود التى تبذلها مصر منذ اندلاع الحرب بالسودان من أجل تحقيق الأمن والاستقرار، من خلال المُشاركة بمُختلف المُبادرات المعنية بالسودان الرامية لإنهاء الحرب، انطلاقًا من أن استقرار السودان هو هدف ينبغى علينا جميعًا السعى للوصول إليه وتحقيقه، مؤكدًا أن هذا الهدف يكتسب أهمية بالغة للحفاظ على السلم والأمن بالقارة الأفريقية ككل. ◄ مواقف تاريخية نبيلة رئيس وزراء السودان قال بالمؤتمر: «أقف أمامكم مُتواضعًا، نيابة عن أهل السودان قاطبة، لنُسدى الشكر والتقدير والعرفان لدولة مصر رئيسًا وحكومة وشعبًا، على هذه المواقف التاريخية النبيلة، وعلى استضافتها للملايين من أهل السودان بهذه الظروف الاستثنائية التى تمُر بها بلادنا، نتيجة هذه الحرب الضروس التى فُرضت علينا، هذه رسالة من الأمة وليست منى كرئيس للوزراء، فهى من كل الشعب السودانى الذى يُثمن عاليًا هذه المواقف التاريخية المُهمة، وسنُبادل أهلنا بمصر حكومة وشعبًا هذه المواقف، وهذه المُعاملة الكريمة، التى لقيناها من إخواننا بمصر»، مُضيفًا: «أؤكد أن هذا العهد مع مصر لن ينكسر، وأن هذه الإرادة مع مصر لن تلين، وأن هذه الرؤية الثاقبة التى اتفقنا عليها ستكون رؤية كُلية لمصلحة بلدينا ولأجيال المُستقبل». تتعامل مصر مع السودان عبر عدسة مُزدوجة لها بُعدان، أولهما أخوى وتاريخى يمتد لقرون، والبُعد الآخر مصلحة قومية لها تأثير مُباشر على الملفات الاستراتيجية لمصر، أبرزها الأمن الحدودى وقضية مياه النيل، هذا المزج بين العاطفة والجيوسياسة يُفسر، بحسب الخبير فى الشئون الإفريقية، رامى زُهدى، سرعة تحرك القاهرة وميلها لدعم مؤسسات الدولة القومية فى الخرطوم كخط دفاع أول لمنع تفكك الدولة وانتشار الجماعات المُسلحة على حدودها، مُشيرًا إلى أن القاهرة تُفضل دعم مؤسسات الدولة لأن انهيار الدولة السودانية سيولّد فراغًا أمنيًا، وهو ما قد يكون له تداعيات مُباشرة عديدة على مصر، والتى لا تملك رفاهية السماح بخلق فراغ أمنى على حدودها الجنوبية، لذلك سيستمر الدعم المصرى لمؤسسات الدولة السودانية، مُضيفًا أن زيارة الطيب إدريس، إلى القاهرة تحمل دلالة سياسية قوية، تعكس متانة ورسوخ العلاقات المصرية السودانية، والتى أثبتت عبر العقود أنها علاقات استراتيجية لا تهتز مهما كانت التحديات، مُشيرًا إلى أن اختيار القاهرة كأول محطة خارجية لرئيس الوزراء السودانى فى ظل ظروف داخلية مُعقدة، يؤكد أن مصر تظل الدولة الأقرب للسودان، ليس فقط جغرافيًا، بل سياسيًا وشعبيًا، وهو ما يعكس عُمق الترابط بين الشعبين والدولتين. ◄ اقرأ أيضًا | فلسطين ترحب بموقف جنوب السودان الرافض لتهجير سكان غزة ■ جانب من المؤتمر الصحفي المشترك بين مدبولي والطيب ◄ الدولة الوطنية ونوه زهدى، إلى أن القضايا المطروحة خلال اللقاءات الأخيرة بين الجانبين، تأتى فى إطار اهتمام مُشترك بالأمن والاستقرار، وعودة السودان لسابق عهده كدولة قوية ذات مؤسسات فاعلة، مُشددًا على أن مصر لم تتوانَ منذ اندلاع الأزمة عن التحرك على جميع المحاور لدعم الشعب السودانى، سواء عبر تقديم الدعم الإنسانى المُباشر، أو من خلال جهودها السياسية والدبلوماسية على مستوى الإقليم والعالم لتقريب وجهات النظر، واحتواء جميع مكونات المُجتمع السودانى دون إقصاء، مؤكدًا أن مصر تدعم بقوة مؤسسات الدولة الوطنية بالسودان، وفى مُقدمتها القوات المُسلحة والشرطة ووزارة الخارجية، مُشيرًا إلى أن الانتصارات التى يُحققها الجيش السودانى مؤخرًا بالخرطوم وأم درمان وبورتسودان يُمكن أن تشكل قاعدة لبناء استقرار تدريجى يسمح بالتحرك نحو إعادة الإعمار. وأشار إلى أن تشكيل لجان تنفيذية بين البلدين يعكس الطابع العملى للزيارة، حيث أنها لا تقتصر على الجانب البروتوكولى، بل تتضمن خطوات إجرائية واضحة بين وفدى الحكومتين، لبدء تفعيل ما تم الاتفاق عليه مُسبقًا بين القيادتين السياسيتين، وفيما يتعلق بجهود إعادة الإعمار، أوضح زهدى أن القاهرة تمتلك تجربة فريدة ومُلهمة فى التعامل مع أوضاع مُشابهة، وتستطيع أن تنقل خبراتها الفنية والبشرية للسودان، سواء عبر تدريب الكوادر السودانية أو من خلال استدعاء الكفاءات السودانية وتطويرها داخل مصر، كما أشار إلى أن موقف القاهرةوالخرطوم فى مواجهة التحركات الإثيوبية الأحادية بملف سد النهضة هو موقف موحد وثابت، مؤكدًا أن البلدين يملكان الشرعية الدولية والقانونية الكافية لمواجهة أى انتهاك لحقوقهما المائية، مُشددًا على أن أمن المياه بالنسبة لمصر والسودان هو قضية وجودية، وأن التماسك والتنسيق المُشترك هو السبيل الوحيد لحماية هذه الحقوق. ◄ تكثيف التعاون من جانبه، ثمّن النائب نادر الخبيرى، عضو مجلس النواب، زيارة رئيس مجلس الوزراء الانتقالى بالسودان، إلى مصر، مؤكدًا أن هذه الزيارة تُعد خطوة مُهمة على طريق تعزيز العلاقات التاريخية والأخوية بين الشعبين الشقيقين، مُشيرًا إلى أن اللقاءات التى جرت خلال الزيارة تعكس حرص القيادتين على فتح آفاق جديدة للتعاون المُشترك بمُختلف المجالات، لاسيما فى ظل التحديات التى تواجه المنطقة، والتى تتطلب تنسيقًا وتكاملًا دائمين، مُضيفًا أن المرحلة الحالية تفرض ضرورة تكثيف التعاون المصرى السودانى، خصوصًا بمجالات الأمن الغذائى، وإدارة الموارد المائية، ومواجهة التغيرات المُناخية، بما يُحقق مصالح الشعبين، ويُعزز الاستقرار بمنطقة وادى النيل والقرن الأفريقى. لافتًا إلى أنه مُنذ اندلاع النزاع استقبلت مصر أعدادًا ضخمة من النازحين السودانيين، وقدمت لهم مُساعدات إنسانية، كما استقبلت آلاف الحالات الطبية العاجلة، وساهمت بالإعداد لمشروعات إعادة إعمار مُستقبلية بالتنسيق مع الخرطوم، خصوصًا فى قطاعات البنية التحتية والنقل والكهرباء والتعليم. زيارة رئيس الوزراء السودانى إلى القاهرة جاءت فى توقيت حساس للغاية، يعكس أهمية العلاقة بين البلدين والسياق الإقليمى المُحيط، وفقًا للدكتور رمضان قرنى، أستاذ العلوم السياسية، خبير الشؤون الإفريقية، مُشيرًا إلى أن الزيارة تأتى فى الوقت الذى تستمر فيه الحرب بالسودان لأكثر من عامين، وما تبعها من تداعيات اقتصادية وأمنية واستراتيجية وسياسية وصحية وإنسانية أثرت بشكل كبير على السودان والمنطقة، كما تأتى فى ظل تطورات إقليمية مُهمة، أبرزها إعلان قوات الدعم السريع وحلفائها السياسيين تشكيل حكومة تأسيسية بالسودان، مما يُزيد المخاوف من احتمال تقسيم البلاد، وتأثير ذلك على الاستقرار الإقليمى. ◄ دلالات هامة أضاف رمضان، أن الموقف المصري ظل ثابتًا، حيث شددت مصر على الحفاظ على وحدة وسيادة السودان ومؤسساتها الشرعية، ورفض التدخلات الخارجية بالشأن السودانى، كما استضافت آلية دول جوار السودان، ودعت مرارًا بالمحافل الإقليمية والدولية لحوار سودانى داخلى لإيجاد حلول مُشتركة ومُستدامة.