محمد عبدالواحد إذا أردت أن تسترجع الماضى فابحث عن أجمل ومضة مضيئة فيه، كى ترى كل الذكريات بحلوها ومرها. فى قراءة لما كتبه صديقى الجميل جمال الشرقاوى عن ذكرياته فى الطفولة، وكيف كان ينتظر إجازة الصيف بفارغ الصبر، للذهاب لبيت جده. فمن يقرأ هذه السطور يذهب بخياله إلى أن هذا الطفل، من فرط دلاله، كان ينتقل بين الشواطئ يلهو ويلعب على رمالها، مستمتعاً بهواء البحر، ولكن من فرط جمال الذكريات، فإنه يأخذك إلى حلمك أنت.. ووالدتك تصطحبك إلى بيت جدك، حيث الأحضان الدافئة من الأجداد، ولمة العيلة، أولاد الخال والخالة، والكل ينتظر لحظة قدوم الجد، وعندما يخيم السكون على المكان، فهذا إنذار بقدومه، ويسبق هذه الحالة حركة نشاط من الجدة والخالات، لإحضار ما لذ وطاب، لنستمتع بأحلى لحظة، ونحن نلتف حول جدي، لنتناول جميعاً صغاراً وكباراً الطعام على طبليته العامرة. وأعود لصديقي، وهو يصف متعته التى كان يجدها فى بيت جده، مستمتعاً بكل لحظة يتحدث فيها الجد، فهى بالنسبة له غذاء روحي، وخصوصاً أن الجد يمتلك من القصص والحكاوى التى تجعلك منبهراً بكل لحظة يتكلم فيها، فهو كان شاهداً على العصر، ويمتلك مقوماته التاريخية. فشخصية تاريخية مثل الأستاذ جمال بدوي، تجعلك تنصت وهو يتحدث، إذا أردت أن تملأ جعبتك من الذكريات الجميلة، أو من القصص التاريخية.. فأنا شخصيًا كنت استمتع بما يكتب، ومن جمال الموقف أنه كان يعطيك ما يكتبه كى يأخذ مراحله من التوضيب، حتى يصل إلى صفحة من صفحات الجريدة، وكنا نستمتع وهو يراجع بروفة الصفحة، لأنه بعد الانتهاء منها سيقص علينا الحلقة الجديدة من الحدث، وكان أشهرها (فرقة الحشاشين). وأعود إلى جمال مرة ثانية، وهو يرى متعته وجده يصطحبه معه إلى جريدة الوفد، التى كان يرأسها، أى بلغتنا الصحفية رئيس تحريرها، فيقول: كنت أشتم رائحة ذكية فى المكان من خلال الأوراق، والكل منهمك، غارق فى التفكير، وهو يفرغ ما لديه على الورق، وأنا أرقب كل منهما بعيني، ولا يدرك أحدهما أننى موجود من كثرة صمتي، وفى لحظة تجوال بين الغرف، وجدت شاباً هادئ الطباع يرسم، فنظرت إلى إبداعه، وكان صغير السن، لكنه كان متميزاً، وهو الفنان عمرو عكاشة، ومن فرط إعجابى خرجت عن صمتي، وقلت له: تعرف ترسمني، فابتسم ورسم لى صورة كاريكاتيرية، احتفظت بها، وبالأمس وأنا أسترجع ذكرياتى من خلال أوراقي، تذكرت أننى كنت أنتظر الإجازة بفارغ الصبر، لأذهب لبيت جدي، لذلك أجد أن الماضى هو شيء جميل لمن أراد أن يسترجعه بحلوه ومره.