تُعد زراعة الزهور في مصر من أقدم الأنشطة الزراعية التي تعكس روح الأرض وعبيرها، إذ ترتبط هذه الزهرة الساحرة بالتراث الثقافي والعادات الشعبية منذ آلاف السنين. وتشهد مساحات زراعة الورد انتشارًا بعدة محافظات، خاصة فى القرى الريفية. ويتم تصديرهما إلى الخارج ما يجعلها مصدر دخل مهما للمزارعين، وعلامة مميزة في أسواق الزهور المحلية والعالمية، ويرى الخبراء أن زراعة الورود ثروة مهدرة وغير مستغلة بالكامل ويطالبون بمزيد من الاهتمام به لرفع حجم التصدير وجلب العملة الصعبة لإنعاش الاقتصاد الوطني. ◄ عبدالرحمن أحمد: 30 % من صادرات العالم مصرية ◄ المساحات المزروعة تصل إلى 3 آلاف فدان فقط يحتاج الورد البلدي لتربة خصبة جيدة الصرف، مع توفر مناخ معتدل ومصدر دائم للرى، وتبدأ زراعته عادة باستخدام «العقلة»، التى تُؤخذ من نباتات سليمة خلال فصل الخريف، وتُزرع فى خطوط أو أحواض صغيرة، مع مراعاة ترك مسافات مناسبة بين الشتلات لضمان نمو صحي وقوي. ◄ مساحات زراعته تتركز زراعة الورد البلدى فى محافظات الوجه القبلى كالفيوم وبني سويف والمنيا، بالإضافة لبعض مناطق القليوبية والجيزة. وتُقدر المساحات المزروعة بحوالي 2500 إلى 3000 فدان، مع تزايد تدريجى مدفوع بطلبات السوقين المحلي والعالمي. محمد عامل فى أحد المشاتل بالقرب من حديقة الميريلاند بمصر الجديدة، يكشف لنا أسرار زراعة الورد البلدي، حيث يتم ريه دون إفراط ويوضع فى الشمس مع إعطائه مقدار نصف ملعقة صغيرة من السماد كل 15 يومًا، بما يساعد على نمو براعم الأزهار الجديدة وتفتحها . ◄ اقرأ أيضًا | سفير كمبوديا يتفقد معرض "ديارنا زهور الربيع" ◄ الزنبق نوع آخر من الزهور ذات الطابع الأخاذ وهى الزنبق البلدى أو ما يسمى «مسك الروم»، وتمتاز زهرة الزنبق الأبيض البلدى بأنها نبتة رقيقة وعطرها القوى الفواح يبعث فى النفس الانتعاش والاسترخاء خاصة فى فترة الصباح والسبب يعود لاحتواء الزهور على زيت عطرى. يقول أحمد محمود، أحد خبراء زراعة الورد فى مصر: نبات الزنبق البلدى من النباتات الجذرية التى أتت من أمريكا الجنوبية مع المستكشفين، ويزرع فى المناخات الدافئة فى أوائل الربيع عندما تكون درجة حرارة التربة 10/15 مئوية، ويجب وضعه فى مكان معرض للشمس المباشرة لأنه يحتاج إلى حرارة ليزهر، مع حسن اختيار تربة جيدة التصريف ووضع الدرنات على عمق 10 سم من سطح التربة. وتأتى زهرة الزنبق البلدى بأشكال وأحجام وألوان عديدة، حيث يعرف حوالى 110 أنواع منها، لكن زهرة الزنبق البيضاء هى الأكثر شهرة فى مصر. ويقول الدكتور هشام حجاج، أستاذ الاقتصاد وخبير زراعة الأكوابونك: تحتاج زهرة الزنبق إلى مناخ معتدل، لذا يمكن زراعته بين شهرى مارس ومايو، وهى سهلة الزراعة، ولا تحتاج لعنايةٍ حثيثة، أو مبيدات، وتزرع على شكل أبصال صغيرة. وتنمو الزهرة بشكل أفضل فى الأماكن التى تصلها أشعة الشمس المباشرة، وهى عادة لا تزهر فى أماكن الظل، وتبقى بشكلها الخضرى فحسب، وتحتاج لتربة خفيفة، ورملية، ويجب أن تكون غنية بالمواد العضوية والسماد، لذلك دائما ينصح بإضافة سماد يعتمد على الفوسفور، أو النيتروجين إلى الأرض قبل زراعة الزنبق. وأشهر أنواع الزنبق فى مصر هو «زنبق السلام»، ويعتبر من النباتات المعمرة دائمة الخضرة ذات أوراق كبيرة يتراوح عرضها بين12-65 سم، بينما يتراوح طولها بين 3-25سم، ولا يزال من الممكن العثور على زنابق الماء البيضاء والزرقاء في المياه الهادئة في دلتا النيل حتى يومنا هذا، وفى بعض الأماكن أبعد إلى الجنوب، ويستخدم الناس الزنبق الأبيض لعلاج الألم، والتورم، واحتباس الماء، والنزيف، والسعال. وتستخدمه النساء لعلاج اضطرابات الجهاز التناسلي. وأحيانا يتم وضعه مباشرة على الجلد لعلاج التقرحات والاحمرار والتورم (الالتهاب)، والدمامل، والحروق. ◄ حجم الصادرات المهندس عبدالرحمن أحمد، خبير زراعة الأسطح و«اللاند سكيب»، يوضح أن صادرات مصر تمثل حوالى 30% من صادرات الورد البلدى على مستوى العالم، فمصر تعتبر من الدول المتميزة فى إنتاج الورد البلدى ذى الرائحة المميزة وفى تشكيلة من الألوان المتعددة منها الأصفر والروز والأحمر والأبيض والبرتقالى، بالإضافة لروائحها الزكية لذا يوجد عليها إقبال كبير من مختلف دول العالم. وأشار إلى أن أبرز الأنواع ذات الجدوى الاقتصادية التى يتم إنتاجها فى مصر من الورد البلدى هى الورد الجورى، ويعد محمد على باشا أول من قام باستيراده من بلاد الأناضول ليقوم المصريون بعدها بتطعيمه مع بعض الأنواع المحلية، فكان المنتج النهائى هو الورد البلدى ذو الطابع المتفرد والرائحة الزكية، ومن مزايا الورد البلدى أنه يأتى فى مقدمة الزهور التى تستخدم للتنسيق والزينة لاندماجه مع «اللاند سكيب» المحيط به بسهولة، فيمكن أن يتم تشكيله فى تنسيق منفرد أو تنسيق جماعى مع زهور أخرى مثل عصفور الجنة فيكون هناك تمازج لونى بديع بينها. ◄ أماكن زراعته وتعتبر محافظات بنى سويف والبحيرة والمنوفية والغربية من أكبر المناطق التى تنتج الورد البلدى فى مصر وتصدره للخارج، بل إننا نجد أن بعض المزارع الخاصة بهذه المحافظات تتوسع فى إنتاج الشتلات والورد البلدى فى أماكن مجهزة عبارة عن صوب بلاستيكية على مساحة تصل ل50 ألف متر مربع (حوالى 10 أفدنة)، مهمتها توفير البيئة المناسبة لنمو هذه النباتات والزهور الحساسة، وهذه الصوب تكون مزودة بخلايا تبريدية لتوفير درجة حرارة تصل ل25 مئوية لضمان استمرارية الإنتاج طوال العام . يتابع: نقوم بتقليم الورد البلدى فى شهر أكتوبر ويمر بعدها بفترة النمو الخضرى والتزهير، ثم يتم حصاده بداية من شهر ديسمبر إلى مارس، ثم نعود لعملية التقليم فى أبريل، وبعدها يستمر الإنتاج حتى شهر يونيو، ثم يبدأ الإنتاج فى الانخفاض بسبب درجة الحرارة، ولكى نستمر فى عملية الإنتاج طوال العام يجب أن تقوم الدولة ممثلة فى وزارة الزراعة والمجالس المحلية بمساعدتنا عبر توفير صوب مجهزة، فليس كل المزارعين قادرين على تحمل تكلفة إنشاء صوب زراعية عالية التكلفة، فالصوبة الواحدة التى يتم إقامتها على مساحة 50 مترًا ومزوّدة بخلايا التبريد يصل سعرها ل25 مليون جنيه. ويتساءل عبدالرحمن عن أسباب عدم الاهتمام بالورد البلدى أسوة بالمشاتل الكبرى التى تجهز صوبا بتقنيات حديثة لزراعة أنسجة الورد المستورد وإعادة تصديره مرة أخرى، برغم وجود نسبة إقبال كبيرة على الورد البلدى فى الدول العربية. ◄ فرص التصدير فيما يوضح الدكتور السعدى محمد بدوى، أستاذ نباتات الزينة وتنسيق الحدائق- كلية الزراعة جامعة القاهرة، أن المساحات المزروعة فى مصر بالورد البلدى لا تتماشى مع الإمكانات التى تؤهلنا لأن نكون من كبرى الدول المصدرة للخارج كاعتدال المناخ والتربة الخصبة وانخفاض تكلف الأيدى العاملة، وعدم استغلال هذه الإمكانات ينعكس سلبًا على الحجم التصديرى للزهور والورود بقيمة لا تتعدى 10 ملايين دولار، وهى نسبة متدنية للغاية إذا ما قارناها بحجم تجارة الزهور العالمية أو نسب التصدير للخارج من الدول الأخرى، مثل هولندا التى تحتل المرتبة الأولى عالميًا فى حجم الصادرات من الزهور والورود، ويتساءل: دول إفريقية مثل كينيا وإثيوبيا تحتل مراكز متقدمة عن مصر ضمن الدول العشر الأولى فى حجم إنتاج وتصدير زهور القطف، فأين نحن منهم؟ وأضاف: معظم الزهور والورود ذات الجدوى الاقتصادية التى تزرع فى مصر بغرض التصدير يتم استيراد أصولها وشتلاتها من هولندا والصين التى برزت مؤخرًا بقوة فى مجال زراعة الورود، كما أننا نصدر أغلب إنتاجنا فى صورة مواد خام، والدول المستوردة تستخلص الزيوت والعطور منها ثم يعاد تصديرها إلينا فى صورة عطور باهظة الثمن. كما لفت إلى أن الورود والزهور تعتبر من المحاصيل التى لا يوجد عليها عوائق أو كميات تصديرية محددة كالمحاصيل التقليدية الأخرى، وزراعتها وجنيها وتجفيفها وتنسيقها يتطلب عمالة كثيفة، أى أنها تحل مشكلة البطالة، لذا لا بُد أن تنظر إليها الدولة نظرة أخرى لتنظيم هذا القطاع من خلال توفير مستلزمات الإنتاج من كهرباء وأسمدة، فكل هذه العناصر تدعم النمو والتفتح الجيد للأزهار ما يصب فى النهاية فى صالح جودة المنتج المُعد للتصدير. ◄ بورصة الزهور ويشدّد الدكتور السعدى على ضرورة إنشاء بورصة لتجارة ورود وزهور القطف فى القاهرة أو العاصمة الإدارية الجديدة كأحد الحلول العملية لمواجهة المشاكل التى تواجه المزارعين فى تسويق إنتاجهم، ويمكن أن تكون البورصة مكانًا لاستقبال الزهور والورود الترانزيت - الزهور المستوردة من الخارج سواء من المناطق الإفريقية القريبة أو أوروبا - ويتم دخولها من خلال البورصة وتسويقها أيضًا، وهذا الأمر يمكن أن يحقق عوائد ضخمة يستفيد منها الاقتصاد الوطنى.