وضعت المهندسة المغربية ابتهال أبو السعد الشرعية الأخلاقية للذكاء الاصطناعي على المحك، بعد اتهامها شركتها السابقة مايكروسوفت بدعم أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها إسرائيل في حربها على قطاع غزة. ورغم أن الاتهام كان فى مؤتمر علنى، وأثناء حديث مسئول إدارة الذكاء الإصطناعى، إلا أن الشركة التزمت الصمت، وفى المقابل واصلت المهندسة المغربية حملتها المناهضة للشركة، كاشفة دورها الخفى فى دعم أنظمه الذكاء الاصطناعي لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما أعاد الحديث وبقوة حول ضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي. ■ د. مكي حبيب وقبل نحو عامين طالب الآلاف من علماء الكمبيوتر وكبار صناع التكنولوجيا بوقف تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي لمدة 6 أشهر، وذلك خلال عريضة تم إعدادها من قبل معهد «فيوتشر أوف لايف» غير الربحى، وكان فى مبرراتهم لهذا المطلب أن تلك الأنظمة تتطور بشكل سريع، ولابد من توقفها لفترة لحين وضع الضوابط التى تضمن استخدام الذكاء الاصطناعى فى الاتجاه الصحيح الذى يحقق صالح البشرية. ولم تلق العريضة الاستجابة الكافية، رغم شهرة ومكانة الأسماء الموقعة لها، إلى أن جاءت المهندسة المغربية، وألقت حجراً فى المياه الراكدة، بعد أن أكدت شهادتها، ما كان يعتقد البعض أنه مجرد مبالغات إسرائيلية يتم الترويج لها ضمن الحرب النفسية التى تعود الاحتلال على شنها بالتزامن مع حربه العسكرية. ◄ أول دليل على صحة تقارير إعلامية وقبل شهادة المهندسة المغربية تحدثت تقارير من داخل إسرائيل تناولتها العديد من وسائل الإعلام عن استخدام الاحتلال الإسرائيلى الذكاء الاصطناعى لتسريع عمليات الاستهداف خلال الحرب فى غزة. شملت هذه الاستخدامات، تحليل بيانات ضخمة من وسائل التواصل والمكالمات والأنشطة اليومية لتحديد مواقع محتملة للمقاتلين، استخدام أنظمة تصنيف آلية تحدد الأهداف وفقاً لأنماط سلوكية، ما أدى إلى قصف منازل وسكان مدنيين وصفوا بأنهم «أهداف احتمالية»، وتنفيذ هجمات بناء على توصيات من خوارزميات دون مراجعة بشرية كافية. ولم يتم إعطاء الاهتمام الكافى لهذه التقارير، لكن الوضع تغير الآن بعد الخطوة التى أقدمت عليها المهندسة المغربية، والتى يرى خبراء أنها وضعت الشرعية الأخلاقية للذكاء الاصطناعى على المحك، بما قد يؤثر على تطوره فى مجالات البحث المدنى. ويخشى خبراء أن يقابل توظيف الذكاء الاصطناعى فى التشخيص الطبى بمزيد من التضييق، وأن يعاد النظر فى أنظمة التعليم الذكى بحجة أنها تفتقر إلى «البعد الإنساني»، كما أن مبادرات الأممالمتحدة لاستخدام الذكاء الاصطناعي فى محاربة الجوع والفقر، قد تواجه صعوبات تمويل نتيجة مخاوف أخلاقية متصاعدة.. واستحضر الخبراء فى ذلك تجارب تاريخية مماثلة، عندما خضعت مجالات علمية مثل الفيزياء النووية للرقابة خلال الحرب الباردة، وتم تقييد سفر باحثيها، واشتراط حصولهم على تصاريح أمنية، وقالوا إن نفس الأمر إذا تم تطبيقه على الذكاء الاصطناعى فقد يعوق تطبيقاته فى الرعاية الصحية والبحث العلمى، ويقيد التعاون الدولى. وحاول البعض إزاء هذه المخاوف، الحديث عن بعض الحلول التى قد تخرج الذكاء الاصطناعى من هذا المأزق الأخلاقى الذى تسببت فيه المهندسة المغربية، فتحدثوا عن حتمية الفصل الواضح بين الأبحاث المدنية والعسكرية فى مجال الذكاء الاصطناعى، وأن تكون هناك شفافية أكبر فى أنظمة الذكاء الاصطناعى المستخدمة فى الحروب، ومحاسبة الجهات التى توظفها دون ضوابط، وتوعية المجتمعات بأن الذكاء الاصطناعى، كأى تقنية، ليس شريراً بطبيعته، بل يعتمد على كيفية استخدامه. ◄ اقرأ أيضًا | عبادة سرحان: الذكاء الاصطناعي أبرز مظاهر التطور العلمى ◄ حلول غير عملية وفى أغسطس الماضى، وقبل أن تنفجر القنبلة التى أطلقتها المهندسة المغربية، تعاملت د. كاناكا راجان، الأستاذة المساعدة فى علم الأعصاب بمعهد بلافاتنيك بجامعة هارفارد، مع التقارير التى تتحدث عن توظيف أنظمة الذكاء الاصطناعى فى حرب غزة بجدية، وتوقعت فى حوار مع موقع جامعة هارفارد، نشر فى أغسطس الماضى، أن تطرح فى المستقبل حلولاً من عينة ما طرحه الخبراء، مستبعدة إمكانية تحقيقها.. وتحدثت راجان عن المسئولية الأخلاقية للعلماء، مشيرة إلى أن معظم الخوارزميات التى قد تستخدمها الجيوش موجودة بالفعل، وغالباً ما تأتى من تطبيقات مدنية، مثل السيارات ذاتية القيادة، لذا يجب على العلماء التفكير فى مسئوليتهم الأخلاقية عند توجيه استخدام التكنولوجيا للأغراض العسكرية غير السلمية. ◄ معركة السمعة واتفق د.مكى حبيب، عالم الروبوتات والميكاترونكس بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، مع ما ذهبت إليه راجان، قائلاً فى تصريحات للأخبار أن «قطار الذكاء الاصطناعى انطلق، ولن يستطيع أحد توقيفه». وأوضح أن أى تكنولوجيا، بما فيها الكمبيوتر نفسه، يمكن استخدامها لأغراض إيجابية وأخرى سلبية، ولا يوجد قانون يستطيع تنظيم هذا الاستخدام، والمسئولية هى فى الأساس أخلاقية، وتقع على عاتق المستخدم. وأضاف أنه حتى لو أعلنت الشركات الالتزام بضوابط ومعايير، كالتى كانت تسعى عريضة معهد «فيوتشر أوف لايف» إلى وضعها، فمن يضمن التزامها بهذه الضوابط والمعايير، فهى لن تخرج وتعلن بشكل واضح مشاركتها فى أنشطة عسكرية، ولولا المهندسة المغربية، ما كان أحد تحدث عن دور خوارزميات مايكروسوفت العسكرية.. ولفت إلى أنه حتى فى التكنولوجيات التى يوجد توافق دولى على تنظيمها وضبطها مثل التكنولوجيات النووية، يوجد من يخرق هذا التوافق، ولا أحد يستطيع منعه. وعلى ذلك، فإن ما فعلته المهندسة المغربية جاء فى إطار التزام أخلاقى، ولم يجبرها عليه أحد، وبينما يواصل العالم تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعى، ستكون المعركة الجديدة التى تحتاج إلى العشرات من أمثال تلك المهندسة، هى معركة الحفاظ على صورة الذكاء الاصطناعى كأداة تقدم وسلام، لا كسلاح دمار ذكى.