حين يصبح الفيلم وثيقة إدانة، وتتحول الكاميرا إلى حقيقة عصية على الاغتيال، يكون الفن فى أسمى تجلياته، وفيلم «لا أرض أخرى» ليس مجرد عمل سينمائى، بل صرخة مقاومة ضد وحشية الاحتلال الإسرائيلى، تضعنا فى قلب الجحيم الذى يعيشه الفلسطينيون، بمنطقة «مسافر يطا» جنوب الضفة الغربية، حيث يمارس الاحتلال الإسرائيلى عملية تهجير ممنهجة، مدعومة بآليات عسكرية، ومستوطنين متعطشين لإبادة الوجود الفلسطينى، فيلم صغير فى ميزانيته، لكنه عظيم فى رسالته، اخترق أسوار الصمت العالمى وانتزع «الأوسكار» أرفع الجوائز السينمائية، ليؤكد أن الصورة قادرة على محاكمة الطغاة حيث تعجز السياسة. العمل الذى جمع بين مخرجين فلسطينيين وإسرائيليين، لا يطرح سردية إنسانية مؤلمة فحسب، بل يفضح بجرأة نظامًا استيطانيًا قائمًا على الطرد والاقتلاع، يجوب «باسل عدرا» بكاميرته شوارع قريته المحتلة، محاولًا توثيق لحظة انمحاء وطنه عن الخريطة، لا ليحفره فى الذاكرة، بل ليضع العالم أمام مسئوليته، يعايش لحظات الخوف والغضب والعجز، بينما الجرافات الإسرائيلية تسوّى البيوت بالأرض، وتطرد سكانها تحت وابل من عنف المستوطنين، المشهد يتكرر ليس فى سياق درامى متخيل، بل فى واقع يستمر منذ عقود، حيث يصبح الفلسطينى مجرد رقم فى خطط تطهير عرقى، تمارسها إسرائيل بغطاء دولى وصمت مدوٍّ، لم يكتفِ المخرج بعرض المأساة، بل كشف صمود شعب لا يرفع الراية البيضاء رغم كل ما يُرتكب بحقه من محاولات لطمس وجوده. ليس غريبًا أن يثير الفيلم موجة غضب عارمة فى إسرائيل، وينعيه وزير الثقافة الإسرائيلى بوصفه لحظة حزينة فى تاريخ السينما، وتنتقده قناة إسرائيلية بعنف، متهمة هوليوود بالانحياز للرواية الفلسطينية المعادية لإسرائيل، أى معاداة يتحدثون عنها؟ هل توثيق جرائم الاحتلال أضحى جريمة؟! وهل رصد مشاهد الهدم والاعتداءات عمل عدائى ضد إسرائيل؟ أم أن الفيلم نجح فى هدم الجدار السميك من التزييف الذى بُنى لعقود لتبرير الاستيطان والقتل؟! ما صنعه باسل عدرا ويوفال أبراهام ورفاقهما، توثيق للحظة منسية فى تاريخ المقاومة الفلسطينية، وفيلم يقول بصوت عالٍ: لا توجد أرض أخرى، الفلسطينيون باقون، وكل محاولات محوهم ستبوء بالفشل، هكذا بلغة الصورة التى لا تحتاج إلى ترجمة، استطاع الفيلم أن ينقل معاناة شعب يرفض أن يكون ضحية صامتة، ويكشف زيف سردية الاحتلال التى تحاول عبثًا أن تخفى حقيقتها.