ثمة عامل يدفع في اتجاه تعزيز الحياة النيابية في مصر، لاسيما في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة العربية في السنوات العشر الأخيرة. ولا يخفى على أحد حجم الجهد التي تبذله القيادة السياسية من أجل تقويم الحياة النيابية بالصورة المثلى، باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية التي يرتكن عليها الشعب في مواجهة السلطة التنفيذية. ولا يمكن الحديث عن الحياة النيابية دون التطرق إلى الحياة الحزبية في مصر، التي شهدت في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي نهضة حقيقة لا ينكرها إلا من لايريد الخير لهذا الوطن. الحياة الحزبية بجانب كونها أحد القنوات الرئيسية التي تؤهل شباب الوطن للانخراط في الشأن العام، فإنها أيضاً تحصن عقول الشباب أمام الأفكار الظلامية الهدامة. مصر دولة تمتلك رحلة حزبية ونيابية ضاربة جذورها في التاريخ، إذ ولدت الحياة البرلمانية في القرن الثامن عشر، وتعد مصر صاحبة أول مجلس نيابي منتخب يمتلك اختصاصات نيابية وتشريعية في منطقة الشرق الاوسط. الاستقرار السياسي والانفتاح الديمقراطي ومن التاريخ إلى الحاضر، شهدت الحياة الحزبية تطورًا ملحوظًا، انعكس في تعزيز التعددية السياسية وإعادة هيكلة المشهد الحزبي بما يحقق التوازن بين الاستقرار السياسي والانفتاح الديمقراطي. من أبرز الإيجابيات التي شهدتها الحياة الحزبية في عهد السيسي هو فتح المجال أمام جميع الأحزاب للمشاركة في المشهد السياسي دون إقصاء، طالما التزمت بالإطار الدستوري والقانوني. وقد انعكس ذلك في وجود أكثر من 100 حزب سياسي يعملون بشكل قانوني. كما عززت الدولة فكرة الاندماج بين الأحزاب الصغيرة والمتقاربة فكريًا، وهو ما أدى إلى ظهور كيانات سياسية أقوى، قادرة على تقديم برامج واضحة وتمثيل المواطنين بفاعلية، بدلًا من التشتت بين عشرات الأحزاب ذات التأثير المحدود. أضف إلى ذلك حرص الدولة على ضمان تمثيل واسع للأحزاب داخل المجالس المنتخبة، حيث تم تخصيص قوائم انتخابية تجمع بين الأحزاب والمستقلين، مما عزز من التنوع في التمثيل البرلماني وخلق مناخًا سياسيًا أكثر توازنًا. والشيء بالشيء يذكر، لا يمكن اغفال الخطوة التي أقدمت عليها الدولة باطلاق «الحوار الوطني» بمشاركة مختلف القوى السياسية، بما فيها الأحزاب المعارضة، وهو ما يعد مؤشرًا على إدراك القيادة السياسية لأهمية الأحزاب في صنع القرار وتقديم رؤى بديلة تسهم في تطوير السياسات العامة. ضرورة استراتيجية يتعاظم أهمية تسليط الضوء على الحياة الحزبية المصرية في ظل حالة الضبابية التي تشهدها المنطقة في الآونة الراهنة، لأن الأحزاب السياسية القوية تمثل أحد أركان الاستقرار السياسي، حيث توفر قنوات شرعية للتعبير عن الآراء المختلفة، وتمنع ظهور فراغ سياسي قد تستغله الجماعات المتطرفة أو القوى الخارجية. كما تلعب الأحزاب السياسية دورًا مهمًا في تعزيز صورة مصر على المستوى الدولي، حيث تعكس وجود ديمقراطية نشطة وتعددية سياسية تدعم موقف الدولة في المحافل الدولية. في ظل النزاعات الإقليمية، يساعد وجود برلمان متنوع يضم أحزابًا قوية على تعزيز الشرعية السياسية لمصر، ما يمنحها قوة تفاوضية أكبر في القضايا الإقليمية مثل القضية الفلسطينية وأزمات ليبيا والسودان واليمن. بالإضافة إلى أن الحياة الحزبية النشطة تعني مشاركة أوسع من المواطنين في صنع القرار، ما يعزز من الشعور بالانتماء والمسؤولية الوطنية. في ظل التحديات الإقليمية، يصبح وجود مواطنين أكثر وعيًا بدورهم السياسي أمرًا حاسمًا، حيث يساهم ذلك في تقليل فرص انتشار الشائعات والحملات المغرضة التي تستهدف الأمن القومي المصري. القصد مما سبق، في ظل التوترات التي تعصف بالمنطقة العربية، تصبح الحياة الحزبية القوية في مصر ضرورة استراتيجية، لا ترفًا سياسيًا. فهي الضمانة الحقيقية للاستقرار الداخلي، والحصن الأول في مواجهة التدخلات الخارجية، والوسيلة المثلى لتعزيز مكانة مصر إقليميًا ودوليًا. إن بناء منظومة حزبية فاعلة لا يخدم فقط الحاضر، بل يؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. كاتب وباحث سياسي [email protected]