كل طفل يُولد بمثابة أرض صالحة للزراعة، ما تغرسه فيه من قيم ومبادئ، هو ما ستجنيه فى الغد من تربية صالحة، ومستقبل مشرق، بينما لجوء الأب والأم إلى تنفيذ جميع رغبات أطفالهم، وعدم تقييدهم بالواجبات المطلوبة منهم، أو الانتقاد الزائد للأبناء فى جميع تصرفاتهم يؤدى فى النهاية إلى تنشئة جيل منفلت، بدون أخلاق. فى هذا التحقيق يتحدث الخبراء عن سمات التربية الإيجابية، فى الوقت الذى يحذرون فيه من التربية السلبية، وعواقبها الوخيمة على مستقبل الأبناء. اقرأ أيضًا| مصرع عامل اصطدم بماكينة الري أثناء تشغيلها بسوهاج نجوى محمود إحدى السيدات اللاتى لم تكن ترفض طلباً لابنتها، وفى نهاية الأمر لم تجد منها إلا الجحود، تقول: «أجبرتنى على أن أتنازل عن بيتى لها، وطردتنى أنا وأشقاءها الصغار، وتلوم نفسها بسبب دلعها الزائد لهذه الابنة التى لم تجد منها إلا النكران». أما على فكرى -أب على المعاش- فقد وجد نفسه وحيداً لا أحد يسأل عنه من أولاده الذين منحهم كل ما يحتاجون إليه، ولم يكن يدخر وسعاً فى إسعادهم، اعتقاداً منه أنه يربيهم على الطريقة الحديثة، وأنها أفضل من الطرق القديمة التقليدية، ويقول: كان يجب أن أنتبه إلى ما أفعله من تدليل زائد، الآن أحصد ثماره بتلك الوحدة القاتلة، وأخاف أن أموت فى شقتى دون أن يشعر بى أحد. وتقول مريم - أم لطفل يبلغ من العمر 7 سنوات- إنها بدأت بتطبيق التربية الإيجابية مع ابنها أحمد منذ ولادته، وكانت تسعى دائمًا للاستماع إلى احتياجاته ومنحه حرية التعبير عن مشاعره.. فى البداية، لاحظت فوائد كبيرة، فقد أصبح ابنها أكثر ثقة بنفسه، وقادراً على التعبير عن آرائه بشكل جيد، ويشعر بالراحة فى بيته وبين أصدقائه، إلا أنها مع مرور الوقت لاحظت أنه يحاول استغلال هذه الحرية بشكل مفرط، وأصبح عنيدًا ولا يقبل التوجيه أو العقوبة، حتى خرج الأمر عن السيطرة، وأصبحت تشعر بأنها فقدت القدرة على توجيهه عندما يخطئ. فيما تقول هدى، أم لطفلة تبلغ من العمر 5 سنوات: إنها تبنت نهج التربية الإيجابية منذ البداية، فهى مقتنعة أن هذا الأسلوب سيجعل ابنتها أكثر تفهمًا وتعاونًا، وبالفعل كانت تتجاوب معها بهدوء، وتتعلم بسرعة، لكن بمرور الوقت، اكتشفت أن ابنتها أصبحت تعتمد بشكل كبير على الاستجابة الفورية لرغباتها، وأى محاولة لرفض طلبها كانت تُقابل بنوبات غضب وصراخ، حتى شعرت بأنها ساهمت فى خلق طفلة مُدللة بشكل زائد عن الحد، وهو ما جعلها تبدأ فى البحث عن طرق عبر الإنترنت لتتلافى الأخطاء التى وقعت بها. فاطمة طلعت المدربة المُعتمدة من مؤسسة التربية الإيجابية الأمريكية توضح الفرق بين التربية الإيجابية والتربية التقليدية التى تربينا عليها، وترى أن التقليدية مليئة بالنقد مثل الجملة التى نسمعها كثيراً من الأمهات «هو انت مفيش فايدة فيك على طول كدا بتبوظ حاجاتك»، أو اللوم مثل: «مانا قولتلك متعملش وبرضه عملت شوفت بقا اللى حصلك عشان تسمع كلامى بعد كدا»، ثم التوبيخ والصراخ والضرب، والحكم على الطفل مثل: «أنت غبى، أنت فاشل، أنت مش بتفهم»، وتلك هى أحد أسباب اضطرابات الشخصية، حيث ينضج الطفل معتقداً أنه فاشل، وإما أن يقرر أن يغير رأى من حوله وينجح لإثبات نفسه للآخرين وليس لشخصه أو يظل يفشل فى كل شيء بسبب الكلمة التى علقت فى ذهنه. اقرأ أيضًا| وزير الزراعة: ضرورة الاستثمار في مشروعات تخدم المرأة الريفية تربية سى السيد وترى فاطمة: أن تربية سى السيد التى عاشها الكثير منا، حيث كان الأهل هم أصحاب السلطة والرأى وغير مسموح للطفل بأن يقول لا خاطئة تماماً، وهذا لا يعنى أن التربية الإيجابية تعنى الحرية والطفل يأمر والأسرة تنفذ لأنها ستكون علاقة سى السيد من الناحية الأخرى، ويظن البعض أن التربية الإيجابية تعنى التساهل، وكل هذا خاطئ فهى تجمع بين الحب والحزم وليس الشدة والقسوة، فمن الممكن رفض طلب الطفل ولكن أثناء ضمه بحضن، وأن تكون العلاقة بين الأهل والطفل علاقة بها احترام مُتبادل، يحب فيها الطفل نفسه ويشعر بالاستحقاق ليصبح متوازناً نفسياً.. التربية الإيجابية تحث على التواصل مع الطفل واللعب معه وقضاء الوقت وتوجيهه بمحبة مثل سؤاله عن كيفية تنظيم يومه، وكيف سيُنهى واجباته المدرسية بترتيب، بدلاً من قول «قوم ذاكر واعمل واجباتك»، فالطفل يتعاون أكثر مع الأسئلة على عكس الأوامر لأن الأوامر تجعله يقاوم ويعاند. وتقول فاطمة: «من وجهة نظرى وما أقوم به، هو أن أشتغل على شخصى وأتعافى من جروح الماضي، وأساعد الطفلة الموجودة بداخلى مع متخصصين قبل أن أساعد أطفالي، فالتربية تحتاج مجهوداً وفيها تربية للنفس، فالطفل يعرف عن ذاته من معرفة الأم أو الأب عن ذاتهم، هو تحدى كبير ومحاولة لأن نكون نسخة أفضل من نفسنا، بالطبع صعبة ولكن ليست مستحيلة». عواقب الضرب والتنمر وترى د. هبة على استشارى نفسى وتربوي: أن التربية القديمة كانت جيدة ولكنها لم تكن تُشبع الاحتياجات النفسية، وهو ما سبب اضطراباً نفسياً للكثيرين، لأن أهالينا كانوا يقومون بتربيتنا على ما نشأوا عليه، ولم يكن هناك وعى بأهمية الصحة النفسية، أما حالياً فقد أصبحنا نعلم عن العواقب النفسية للضرب والتنمر والمقارنات بين الأبناء وأخواتهم أو أقاربهم أو أصدقائهم .. وكل هذا يتسبب فى مشاكل نفسية رهيبة، وإذا تحدثنا عن التربية الإيجابية سنجد أن الكثيرين اختصروها فى الدلع الزائد والحرية المطلقة .. وهذا مفهوم خاطئ تماما، فهى تعنى التوازن فى معاملة الأبناء وحماية صحتهم النفسية وتشجيعهم وتنمية قدراتهم، ولكن فى حال أنه أخطأ يجب معاقبته، فيجب أن نوازن فى التربية بحيث لا تكون شديدة فقط ولا تساهل فقط. الكثيرون يعتقدون خطأ أن التربية الإيجابية تعنى الدلع الزائد وتلبية كل طلباته، وحل كل مشاكله، وإقامة علاقة صداقة مبالغ فيها بين الأهل والأبناء، كل هذه المعتقدات تُعتبر من سلبيات التربية الإيجابية، ولكن تتلخص فكرة التربية الإيجابية الصحية فى التوازن بين الشدة والتساهل، بالإضافة إلى غرس القيم الدينية والاجتماعية والتربوية داخل أبنائنا، مع مراعاة خلق جيل سوى نفسياً.. والابتعاد عن كل الأسباب التى تسبب تشوهاتٍ نفسية للأبناء. مراحل التربية وتقول: إن تربية الأبناء تأتى على 4 مراحل، فى أول 5 سنوات نعتمد على الإشباعات النفسية والتربوية والعاطفية، وبداية من 6 سنوات وحتى 12 عاماً يجب تعديل أى سلوك خاطئ يقوم به الأبناء فى هذه الفترة، ومن بعد ذلك يأتى سن المراهقة الذى يصعب التعديل فيه، ثم يأتى سن الرشد الذى يدخلون فيه مرحلة تحديد احتياجاتهم وينظمون حياتهم بأنفسهم. وتنصح الآباء والأمهات بأن يهتموا بتربية أولادهم على القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية، وأن يكون لكل أسرة قوانين يسير عليها أبناؤهم، وأن يكون للوالدين دور فى حياة أولادهم ويعرفوا أصحابهم، وأن يعلموهم الصح والخطأ ويتركوهم يعيشون الحياة ويخطئون حتى يدركوا ويتعلموا، وأن يكون للأب دور فى حياة أولاده وليس مجرد آلة تدر مالاً فقط، فعلى أولياء الأمور أن يفرقوا بين الرعاية والتربية، فالرعاية هى إشباع الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب وتعليم وسكن، أما التربية فهى تعليمهم كيفية ممارسة حياتهم الاجتماعية بشكل صحيح وغرس القيم المهمة التى تجعلهم قادرين على العيش بشكل سوى وسليم، وألا يتركوا أولادهم للسوشيال ميديا يتعلمون منها، بل يجب أن يكونوا هم مصدر تعليمهم، لأن السوشيال ميديا فيها معلومات خاطئة ومضللة لهم، وفى النهاية أن يتقربوا من أولادهم ويتركوهم يعيشون تجاربهم بنفسهم حتى يتعلموا منها. قضية أمن قومي ومن ناحيته يقول د. حسن شحاتة أستاذ المناهج التربوية وعضو المجالس القومية المتخصصة: «التربية الإيجابية تخلق متعلماً عصرياً لمجتمع جديد، وتنقله من الثقافة التقليدية التى تقوم على التخزين والإيداع والحفظ والاستظهار، لثقافة أحدث وأكثر تطوراً، فتلك قضية أمن قومى تتطلب الاستثمار فى الإنسان ليكون إيجابياً نشطاً مشاركاً متعاوناً من أجل تحقيق الأهداف القومية بكفاءة واقتدار، ولتحقيق هذا يجب أن يحصل على تعليم حديث يقوم على امتلاكه مهارات التفكير الإيجابى ويمتلك مصادر التعلم ورؤى متعددة وليس رؤية واحدة وفكراً واحداً، ويجب أن يحترم الآخر ويتقبله، ويحترم ثقافات الشعوب، ويفكر عالمياً ويطبق محلياً، ويمتلك سمات العقل المنفتح ليصبح مجتمعاً عصرياً.. فالتفكير العلمى بوصلته المستقبل والهدف العام وأولوية القوة أن ينفتح على اللغات الأجنبية والثقافات المتنوعة ليسهم بفاعلية فى الجمهورية الجديدة. العودة للأصل وتوضح د. سهير الدمنهورى أستاذ علم الأنثروبولوجيا ورئيس قسم الاجتماع الأسبق بكلية الآداب جامعة حلوان أن بعض الدول الأجنبية بدأت تقيم التجربة الخاصة بالأبناء وتربيتهم ونشأتهم ويتراجعوا لأنهم شعروا أن الحرية التى منحوها لأبنائهم منذ الصغر بشكل مُبالغ فيه دون أى حق فى توقيع عقاب أو حتى التوبيخ تسببت فى حدوث فوضى مجتمعية. وقد تربينا وربينا أبناءنا على قيم احترام الكبير والطاعة، وحب الناس والشعور بهم والتكافل الاجتماعي، وعلينا أن نعود للأصل وما تربينا عليه، لأنه يحتوى على جانب كبير من التدين وأخلاقنا مرتبطة بالتدين الذى ابتعدنا عنه حالياً مع الأسف، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال لاعبوهم فى سبع، ومن 7 إلى 14 أوصانا بغرس وزرع القيم وهى مرتبطة بكل شيء صلاة وصوم وفعل الخير وتجهيزهم ليصبحوا أناساً صالحين، ومن 14 حتى 21 نصحنا بمصاحبتهم، وتعتقد أن الآباء والأمهات والأسر التى ابتعدت عن التقليدية والتدين والسنة واتباعها هى الأسر التى «تفرنجت» وهم من قرروا أن يقلدوا الغرب فى المزيد من الحريات ونحن شعب لا يصلح معه الحرية الزائدة، لأننا نستعملها بشكل خاطئ، وبمرور السنوات سنجد أن المؤشر الأخلاقى ينحدر بسبب هؤلاء «المتفرنجين». الثقافة الأسرية وتعتقد د. سهير أن مصادقة الأبناء والتعامل معهم بطريقة دمج الثقافة بين الآباء وأولادهم لا يمكن أن تسبب فجوة، وإذا بدأنا بالحب سنجده طوال حياتنا، فالقضية تتلخص فى الثقافة الأسرية، وعلى الأهل أن يكون لأبنائهم الأولوية فى حياتهم، ويهتموا بهم ويخصصوا وقتاً لهم فقط لإنقاذهم من الضياع وتصحيح أى أخطاء حدثت فى الماضي، لأنه لا يوجد شيء فى العالم أهم من تربية الأبناء بشكل سليم، فكلنا راعٍ ومسئولون عن رعيتنا. وفى النهاية لا يمكن لأى مجتمع أن يستمر ويستقر ويتقدم إلا بالقوانين والقواعد، والتربية بدون قواعد وقوانين تحكمها لا يمكن أن تكون سليمة، لأن الأسرة هى النواة الأولى لأى مجتمع، وإذا خلت الأسرة من القيم لن تصلح لأن تستمر فى الحياة، وليس كل ما هو جديد يُطرح على مسامعنا وثقافتنا يجب أن نقبل به فهذا لا يجوز لأن كل مجتمع مهما كانت درجة تحضره له قيمه وقواعده وقوانينه التى تحكم وتضبط السلوك، وكيف يكون لدينا أمل فى المستقبل وازدهار المجتمع ونحن نرغب فى إتباع التربية الحديثة التى تفتقر للقواعد والقوانين والضوابط التى تحكم السلوك الإنسانى.