كيف يتم تفعيل مفهوم إدارة شئون المجتمع العالمى؟ منظومة قيمية وأخلاقية..وأطر مؤسسية وقانونية.. جناحان للتحليق نحو المستقبل الأفضل نظام حياة جديد أكثر عدالة.. بديل لنظام عالمى هدفه الهيمنة التكنولوجيا جعلت العالم أصغر مساحة مع اختصار المسافات والزمن لماذا الآن؟ أو بصياغة أدق، لماذا نتذكر، أو نستدعى تقرير لجنة إدارة شئون المجتمع العالمي؟ التقرير صدر قبل 30 عامًا، فهل الفاصل الزمنى يستلزم وقفة لإلقاء نظرة تقييم؟ أم أنه احتفاء متأخر بجهد استثنائى كان، وما زال، يتمتع بتفرد فى مضامينه ورؤيته وبنيته، بما يُقدم من برنامج عمل، أو خطة منهجية تؤطره فى مصاف الرؤى، التى تؤهل البشرية لصناعة مستقبل أفضل، وقتما كان ذلك خيارها؟! حينما تصدت اللجنة التى أصدرته لمهمتها الثقيلة، كان قد انقضى نصف قرن على توقيع ميثاق الأممالمتحدة، واليوم تستعد للاحتفال بعيدها الثمانين، فهل ما زال بالمشهد الراهن مشابهات مع ملامح اللحظة التى شهدت مخاض صياغته؟ وإذا كان ثمة اجتهاد لإجابة، فثمة تصور يميل إلى أن جوهر الاختلاف لا يكمن فى طبيعة ما كان حينذاك، مع ما تكابده الآن وإنما فى حدة ما يحدث اليوم. فى عالم بات أكثر خطورة!. بينما تطل الأممالمتحدة على مشارف عيدها الثمانين، شهدت أروقتها فى سبتمبر الماضى ميلاد «ميثاق المستقبل» الذى يمثل محاولة جديدة فى سياق ممتد على مدى عقود، لا هدف لها سوى أن تتجاوز البشرية التهديدات التى تحيط بها، والتحديات التى تلوح فى مستقبلها. من الصعوبة بمكان أن يغرى البعض عقد مقارنة ما بين تقرير «جوارنا العالمى»، وهو العنوان الأصلى لتقرير لجنة إدارة شئون المجتمع الدولى، وبين «ميثاق المستقبل» الذى تم اعتماده فى سبتمبر 2024، بفاصل زمنى ثلاثين عامًا، شهدت تطوراتٍ وأحداثًا، وإن استمرت فى ظلالها بعض المشاهد، إلا انها شهدت أيضاً العديد من التغيرات والتحولات، وفى المحصلة فإن ثمة خيوطاً تربط بينها جميعًا. الشاهد أنه عندما انتهت لجنة إدارة شئون المجتمع الدولى من إعداد النسخة النهائية من تقريرها فى نوفمبر 1944، والذى صدر فى كتاب ضمن سلسلة «عالم المعرفة»، بعنوان «جيران فى عالم واحد»، كان قد مضى نحو ثلاثة أعوام على تبشير الرئيس الأمريكى چورچ بوش بميلاد نظام عالمى جديد- سبتمبر 1991-غير أن ما كان يعنيه بوش أن العالم لم يعد خاضعًا إلا لنظام يتحكم فى مفاصله «قطب أوحد»، من ثم فإن التنظيم الدولي- أى الأممالمتحدة-باتت رهينة إرادة واشنطن، باعتبارها صاحبة الڤيتو الأكبر إن جاز التعبير وذلك على أنقاض القطبية الثنائية بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، وكتلته الشرقية، وتداعى أركان العالم الثالث فعليًا، وبالمقابل سيادة مفهوم العولمة، باعتبارها المعادل ل «الأمركة»، ومن ثم «نهاية التاريخ»!. اقرأ أيضًا| الكويت تدعو مجلس الأمن إلى اتخاذ قرار ملزم يضمن وقف ممارسات الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني مخاض فكرة مغايرة فى ظل المشهد الهوليودى بامتياز، كان مخاض فكرة مغايرة، أى مفهوم إدارة شئون المجتمع العالمى، من أجل بناء عالم جديد، ويتطلب الأمر- بطبيعة الأشياء- آلية لتحويل الفكرة إلى رؤية شاملة، مكتملة البناء، من منظور أن الشعوب نضجت بما يكفى لتشكيل مستقبلها، بأكثر من أى وقتٍ مضى، وهنا يحدث فارق تاريخى، إلى هذا الحد بلغ تفاؤل رجل كان يقف على الجانب الآخر من المحيط الأطلنطى. فبينما كان من يديرون الأمر فى واشنطن بقيادة بوش يقدرون أن الثمار سقطت كلها بين أيديهم، بعد سقوط سور برلين، وما أعقبه من أحداثٍ دراماتيكية، كان هناك رجل يتمتع ببصيرة ثاقبة، يُثمن الأمر من زاوية جد مختلفة. إنه ڤيلى برانت المستشار الألمانى السابق، الذى قدر-وقتها-أن العالم على أعتاب عهد جديد وأن اللحظة لا يجب أن تمضى دون اغتنامها، لتأسيس نظرة مغايرة لمستقبل العالم والبشرية جمعاء، ذات منحى أكثر تكاملاً وشمولاً، ولعلها أكثر عدالة وديمقراطية. مقابل حديث عن نظام عالمى جديد، بمواصفاتٍ أمريكية، كان برانت السياسى المخضرم، الذى عادى فى شبابه النظام النازى، يدعو لنظام حياة جديد، يحتضن بأجنحته كل البشر، فتحرك بحثاً عن فريق يشاطره رؤيته، ويمتلك إثبات القدرة الإنسانية على إبداع بدائل ملائمة للتكيف مع تطور عالمى سريع الإيقاع، غنى بتناقضات متفاقمة، تتناسل عبر أزماتٍ حادة تكاد تضع البشرية على حافة بركان شديد الفوران بحممه الملتهبة!. إرادة التغيير لعل أهم ما يلحظه من يطالع التقرير، الكتاب الذى نعرضه اليوم، سوف يرصد أن ما تضمنه، فى أغلبه، يمكن الزعم بأنه ما زال يقدم رؤية جديدة لبناء مستقبل يظل منشوداً ومشروعاً لكل البشرية، فى الحد الأدنى على مستوى الأفكار. ما يؤكد ما نذهب إليه أن العديد من بنود «ميثاق المستقبل» يمثل قواسم مشتركة-على الأقل فى إطارها العام-مع تقرير «جوارنا العالمى». وإذا كان أحد القوانين الحاكمة لتطور المجتمع الإنسانى، يشير إلى أن الجديد ينبت من قلب القديم، يقيناً ليس بالمعنى الميكانيكى، وإنما بالمفهوم الديناميكى، الناتج عن ترابط عناصر الحياة من جانب، وصراع الأضداد التى تحكم حركتها من جانب آخر، والمحصلة أن ثمة تغيرات كمية ينجم عنها إصلاحات جزئية، تدفع بعد حين طال أم قصر إلى تغير كيفى، عندما تنضج الظروف الموضوعية، وهو رهان لا يجب أن تيأس البشرية من بلوغه. يحتوى التقرير الذى يبلغ متنه نحو 350 صفحة-على سبعة فصول، يسبقها تمهيد للرئيسين المناوبين للجنة، ويُختتم بملحقين:الأول حول اللجنة وأعمالها، والثانى يقدم بيبلوجرافيا تواكب الفصول الستة الأولى، إذ الفصل السابع لم يقدم جديداً، فلم يخرج عن كونه موجزاً بمجمل مقترحات اللجنة التى ذيلت كل فصل، مما يعد تكراراً لا أكثر!. فى الفصل الأول الذى يغلب عليه الطابع الوصفى / التحليلى، والمعنون ب «عالم جديد»، تأكيد على قدرة الناس الجماعية، على تشكيل المستقبل، وأن تلك القدرة هى الآن أكبر من أى وقت مضى، ولعل مبعث ذلك أمل يحدو اللجنة بامتلاك البشر لإرادة التغيير، وليس فقط الحلم به، أو الرغبة فيه. صنع القرار.. عملية معقدة يؤكد التقرير أنه ليس هناك نموذج أو شكل وحيد لإدارة شئون المجتمع العالمى، ولا هيكل وحيد -أيضًا- وإنما هى عملية واسعة ودينامية ومعقدة لصنع القرار بطريقة تفاعلية تتطور باستمرار، وتستجيب للظروف المتغيرة، ومن منطلق إدراكها للطبيعة الشاملة، للمشكلات المتعلقة ببقاء الإنسان وازدهاره فإن عليها أن تعمل على تعزيز نهج شامل ومتكامل عند التصدى لها وتمثل التحدى الأول الذى واجهته اللجنة لإنجاز مهمتها، فى توضيح كيف أن التغييرات التى شهدها العالم- فى أواخر ثمانينيات ومشارف تسعينيات القرن العشرين-جعلت تحسين الترتيبات اللازمة لإدارة الشئون الدولية أمراً ملحاً، وبيان المفاهيم والقيم التى ينبغى أن تقوم عليها هذه الترتيبات، بحيث ينتج عنها نظام عالمى أكثر قدرة على تعزيز السلم والتقدم. ثم يرصد التحولات العسكرية عبر مسح تضاريس الساحة الاستراتيچية التى اختلفت بصورة حادة عما كانت عليه حتى خمس سنوات مضت «يقصد حتى 1989»، مشيراً إلى المفارقة التى جاءت من تصاعد النزاعات المدنية داخل الدول، مع انتشار ثقافة العنف، بينما الأممالمتحدة لم تكن مُعدة للتصدى لهذه الظاهرة، والمتأمل فى مجريات الأمور اليوم لن يجد سوى ارتفاع منحنى الظاهرة بأكثر مما كانت عليه الحال قبل 30 عاماً!. ثم يتناول التقرير الاتجاهات الاقتصادية السائدة، ومنها إلى أنماط التغير الاجتماعى والبيئى، سواء ما يتعلق بالسكان وموارد الأرض، ووسائل الإعلام فى ظل الطفرة التقنية الهائلة، وما أفضت إليه من إرهاصات الانفجار المعلوماتى، ثم عوامل التغير فى المجتمع المدنى، وما صاحبها من تغييرات مهمة، عززت دور المنظمات غير الحكومية فى الدول الحديثة. نظام أخلاقى مدنى عالمى «قيم من أجل الجوار العالمى» عنوان الفصل الثانى الذى أشار فى بدايته إلى حقائق عن «المجاورة» فى ظل ميلاد مصطلح «القرية العالمية»، إذ التكنولوچيا جعلت العالم أصغر مساحة، مع اختصار المسافات والزمن غير أن ثمة مشاهد فى هذه القرية، تباعد بين المجتمع العالمى القائم، وتلك النظرة التى تبدو مثالية إلى حد ما، فى ظل غياب المعاملة العادلة، والفرص المتكافئة ثم المعاناة من الحرمان والغربة، وهى المشاهد ذاتها التى ما زالت قائمة بعد 30 عاماً من رصدها، ولا يمكن التكهن بمواجهة حاسمة لها، فى مدى منظور!. ويحدد التقرير قيم الجوار التى يجب أن تحكم التعامل مع الآخر من احترام للحياة، الحرية، العدل والمساواة، الاحترام المُتبادل مراعاة الغير، النزاهة، وصولاً إلى بناء نظام أخلاقى مدنى عالمى، يحدد الحقوق والمسئوليات، فلن يصبح بالإمكان الحفاظ على الحقوق - فى المدى البعيد - إلا عبر ممارستها على نحو مسئول، مع إيلاء الاحترام الواجب للحقوق المُتبادلة مع الآخرين. وهنا للمرء أن يتساءل:هل جنح التقرير إلى قدر غير يسير من الرومانسية أم أن من كتب هذا الفصل كان يحدوه مشاهد يوتيوبيائية تجعل من «القرية العالمية» نسخة أقرب «للمدينة الفاضلة»؟!. لكن ثمة إشارة مهمة لم يغفلها التقرير عند تناوله لفكرة الديمقراطية، إذ أكد على أنه لا يوجد نموذج وحيد لها، وإنما هناك مجموعة كبيرة من النماذج الدستورية الديمقراطية، تتلاءم مع التقاليد والأطر الاجتماعية المختلفة، وهى رؤية تتعارض مع الطرح الأمريكى، الساعى على مدى عقود، لفرض نموذج بعينه تحت حراب «القوة الخشنة جدا»، التى أفرطت فيها واشنطن مع إعلان نظام بوش العالمى الجديد! مبادئ الأمن لعصر جديد يفرد التقرير فصله الثالث:لفكرة تعزيز الأمن، إذ المنطقى بعد نهاية الحرب الباردة اغتنام الفرصة لجعل نظام الأمن الجماعى العالمى فعالاً، ليتواءم مع الحاجات الأوسع لأمن الناس والكوكب. ويعترف التقرير بأن مهمة كفاءة السلم والأمن مثيرة للتحدى، فى كل تفاصيلها «اليوم»، والكلمة هنا صالحة لوصف الوضع عام 1945، ومنذ 30 عاماً، وفى اللحظة الراهنة على السواء!! .. ذلك أن البديل للنظام الدولى المتحضر، ولجوار عالمى يعيش فى سلام، من أجل الأمن المشترك، إنما هو بديل مروع، بشكل يصعب التفكير فيه ونظرة على ما يشهده العالم الآن من صراعاتٍ وحروب، بما فيها الأهلية، تؤكد أن رؤية التقرير ما زالت تنسحب على الحاضر، وربما المستقبل فى المديين القريب والمتوسط، ومن ثم فإن صدى الصرخة ما زال مدوياً. من هنا تأتى أهمية إشارة التقرير للطابع المتغير للأمن العالمى، حيث ينبغى توسيع النطاق التقليدى له من تركيزه الكلاسيكى على أمن الدول، ليشمل أمن البشر والكوكب، من ثم ينبغى أن تتمثل الأهداف الأولية لسياسة الأمن العالمى فى منع الصدام والحرب، والحفاظ على سلامة البيئة والنظم الداعمة للحياة، بالقضاء على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والسياسية والعسكرية التى تولد أخطاراً تتهدد أمن الشعوب والكوكب. لذا يطالب التقرير باستباق الأزمات ومنعها، واعتماد آلية الإنذار المبكر، والتسوية السلمية للمنازعات، وإسناد أدوار جديدة لقوات حفظ السلام، وتفعيل العمل بموجب الفصل السابع والأهم إنهاء التهديد بالتدمير الشامل عبر إزالة الأسلحة النووية وحظر تجاربها، والتوسع فى إنشاء المناطق الخالية منها، وعموماً تجريد المجتمع الدولى من الطابع العسكرى، وغرس ثقافة نبذ العنف ونظرة على الواقع، وعبر مسيرة ثلاثة عقود، تؤكد أن هذه المبادئ لا يتجاوز حدود الأحلام والأمنيات، من ثم فإنها بحاجة إلى استمرار تبنيها، والإصرار على المطالبة بتفعيلها، إذا كان البشر جادين فى السعى لتعزيز أمن كوكبهم!. مجلس الأمن الاقتصادى وفى الفصل الرابع المعنون ب«إدارة الاعتماد المُتبادل فى الميدان الاقتصادى»، يحدد التقرير التحديات التى تواجه إدارة الشئون الاقتصادية للمجتمع العالمى، وجلها ما زالت تحتل موقعاً مؤثراً فى المشهد الراهن، ربما بفعل أن العالم رغم كونه أصبح أكثر تكاملاً بدرجة كبيرة من الوجهة الاقتصادية، فإن آليات إدارة هذا النظام بطريقة مستقرة ومستديمة قد تعثرت، وتقهقرت للوراء!. ولعل أهم ما يقترحه التقرير فى هذا الفصل، يتمثل فى إنشاء «مجلس الأمن الاقتصادى»، من أجل توفير القيادة السياسية وتعزيز الإجماع فى الرأى بشأن القضايا الاقتصادية الدولية، والتنمية المتوازنة والمستدامة، ويكفل فى ذات الوقت التوافق فى أهداف وسياسات المؤسسات الاقتصادية المتعددة الأطراف. الأممالمتحدة هى نحن تنطلق رؤية من صاغوا التقرير فى الفصل الخامس، من منظور يستبعد أن الأممالمتحدة-كمنظمة-ينبغى حلها لإتاحة الفرصة لإطلاق بنيان جديد لإدارة الشئون العالمية، أى رفض الطرح الراديكالى، والانحياز لنهج إصلاحى، من هنا كان عنوان الفصل: إصلاح الأممالمتحدة. ويفرط أصحاب هذا النهج فى التفاؤل، مرة حين يقررون أن الأممالمتحدة هى «نحن» باعتبار ذلك الكيان الجماعى المُعقد من حكومات وشعوب وشبكات مجتمع مدنى، ومرة أخرى حين يذهبون إلى أن قدراً كبيراً من الإصلاح اللازم لمنظومة الأممالمتحدة، يمكن إجراؤه دون تعديل الميثاق، مما يساعد على خلق بيئة مواتية للعودة إلى روح الميثاق!. وينبغى أن يعكس الإصلاح حقائق التغيير، والبداية بإعادة هيكلة مجلس الأمن، من حيث العضوية الدائمة وحق الفيتو، وأن يتم ذلك على أكثر من مرحلة. ومع إلغاء حق الڤيتو تدريجياً، يتم تنشيط الجمعية العامة، وإنشاء «جمعية للشعوب»، كهيئة للتداول تكمل عمل الجمعية العامة التى تمثل الحكومات. وربما كانت نظرة التقرير للمجلس الاقتصادى الاجتماعى هى الأكثر راديكالية، خروجاً عن النص الإصلاحي- عموماً-إذ يطالب بإلغاء هذا المجلس، لاسيما إذا تم الأخذ بفكرة إطلاق «مجلس الأمن الاقتصادى»، مع نقل العديد من صلاحياته للجمعية العامة، وبكلمات قاطعة يؤكد التقرير أنه «آن الأوان لإحالة المجلس الاقتصادى الاجتماعى للتقاعد». وضمن الاقتراحات التى يمكن وصفها ب «الثورية»، أن يتم تطبيق الحكم الوارد بالميثاق، بحرمان البلاد التى لا تفى بالتزاماتها المالية من حق الاقتراع والمثير أن أمريكا صاحبة الاشتراك الأكبر، تمتنع أحياناً عن السداد، كنوع من الضغط على المنظمة!. كاتدرائية القانون هنا يمارس التقرير فى فصله السادس بعنوان «تعزيز سيادة القانون على الصعيد العالمى» نوعاً من النقد الحاد، ويعكس تناقضاً شديداً بين التأكيد على سيادة القانون، وفى الوقت نفسه تقويضها وتقويضه!. يؤكد التقرير أن احترام سيادة القانون يُعد قيمة أساسية لأى جوار، وهى بلا شك قيمة مطلوبة فى الجوار العالمى الآخذ فى البزوغ .. وعندما وضع مؤسسو الأممالمتحدة ميثاقها-نص على إنشاء محكمة العدل الدولية باعتبارها كاتدرائية القانون فى النظام العالمى، لكن الدول كانت حرة فى أن تلجأ إليها أو تتجاهلها، كليًا أو جزئيًا، من ثم هُمشت المحكمة العالمية منذ البداية!. هكذا اتسم المشهد العالمى -فى الأغلب-بتسيد القوة العسكرية والمقدرة الاقتصادية، وكان هذان يُمارسان عادة فى إنكار بل وفى تحدٍ للقواعد القانونية الدولية، وينبغى للعالم أن يغير المسار وهو يعمل لبناء الجوار. ويمضى من صاغوا التقرير فى أحلامهم الوردية ليؤكدوا أنه فى عالم مثالى، سوف يشكل قبول السلطة القضائية الإلزامية للمحكمة العالمية شرطاً مسبقاً لعضوية الأممالمتحدة، فماذا عمن تربعوا فوق مقاعدها ضاربين عرض الحائط بالقانون والشرعية الدوليين والقانون الدولى الإنسانى، ويفرضون لغة القوى، والمعايير المزدوجة ثم يظلون أصحاب الكلمة النافذة دوليًا؟!. كان ضمن الأحلام- أيضاً-إنشاء محكمة جنائية دولية، وقد تحقق الحلم، لكن ما واجهته شقيقتها الكبرى «محكمة العدل»، واجهت المحكمة الدولية الأسوأ منه، بل إن ثمة تهديدات يتم توجيهها إلى قضاتها، بل وفرض عقوباتٍ عليهم للحيلولة دون التصدى لمجرمى الحرب الذين تقطر أيديهم بدماء الأبرياء من الأطفال والنساء، نتيجة ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، هكذا يظل القانون الدولى فى خطر، مع ما يلقيه ذلك من ظلالٍ قاتمة على البشرية ومستقبلها!. .. وماذا بعد؟ إنه ذات السؤال الذى كان، وسيظل يتردد، منذ عقود، واليوم وغداً. إنه نفس العالم الآخذ فى التشكل، وتتناسل فى أحشائه الأخطار والتهديدات والتحديات والمشكلات، دون توقف!. كانت البشرية على مشارف قرن جديد، وفى وداع قرن ربما كان الأصعب فى التاريخ الإنسانى، من ثم أخذت «لجنة إدارة شئون المجتمع العالمي» على عاتقها أن تتلمس معالم طريق، ورؤية خصبة لمستقبل يضع فى بؤرة اهتمامه الإنسان، فى ظل فكرة محورية هى جوار عالمى واحد تظله قيم مشتركة، ونظام أخلاقى، وتنظيم مؤسسى يترجم هذا المثلث بين أضلاعه عصراً جديداً من تاريخ الإنسانية. من ثم عمدت اللجنة إلى وضع يدها على التحديات الأخطر التى تواجه البشرية ثم تنطلق لطرح المُقترحات، وتحديد الأولويات. هكذا كان الحلم، لكن يبدو أنه تم تأجيله، ويكاد الربع الأول من القرن الحادى والعشرين أن يرحل، والعالم أشد خطورة و«جوارنا العالمى» ما زال يفتقر إلى تفعيل قيم الجوار، بينما تزخر مشاهده بعوامل التوتر، وتلوح فى سمائه غيوم سوداء لا تبشر بقدوم خير فى مدى منظور!. وإذا مددنا الخط على استقامته، فإنه يمكن تضمين «ميثاق المستقبل»، الذى يُعد المولود الأخير، فى سياق المبادرات الدولية الساعية لإنقاذ البشرية من نفسها، لكن يظل الرابط بينها جميعًا تحويل الأحلام إلى واقع، لأن التحدى الرئيسى الذى يواجهها يتمثل فى تعبئة الإرادة السياسية، رغم أن الجميع يعلم العوامل التى تسببت فى إخفاق الجهود السابقة الرامية إلى تحسين إدارة شئون المجتمع العالمى، إلا أن الجميع-أيضا- يشاركون فى إعادة إنتاج مسببات الإخفاق، بينما تلوح فى الأفق مبادرات أخرى لمقاومة هذا التيار الذى لا ينحاز للمستقبل بصدق!. المبادر.. الملهم «نافذ البصيرة» كلمتان تلخصان شخصية ڤيلى برانت (1913- 1992) صاحب المبادرة وملهمها، الذى ساهم بجهدٍ وافر فى كل مراحل إطلاق «لجنة إدارة شئون المجتمع العالمى». كان مناوئاً للنازية، فاضطر لمغادرة ألمانيا 1933، ثم عاد إليها كمواطن نرويجى فى 1945. وما لبث أن استعاد جنسيته، ثم أصبح عمدة لبرلين 1957، وفى 1969 أصبح مستشاراً لألمانيا، ولعل أبرز ما يؤكد نفاذ بصيرته سياسته الاتجاه شرقاً التى مهدت لتسوية سلمية للحرب الباردة فاستحق جائزة نوبل للسلام عن جدارة عام 1971. كان فى صميم اهتماماته دعم الاعتماد المُتبادل عالمياً وله العديد من المبادرات لإحداث تغيير فى العلاقات بين الشمال والجنوب.. ومن مفارقات القدر أن يختتم حياته بتدشين عمل هذه اللجنة، لكن لم يمتد به الأجل ليرى ثمرة ما غرسه! «ميثاق المستقبل» شهدت الدورة 79 للجمعية العامة للأمم المتحدة يومى 22و23 سبتمبر 2024، أعمال مؤتمر قمة المستقبل التى طرحت على طاولة للمناقشة «ميثاق المستقبل».. الميثاق تضمن مقدمة إطارية عامة، وخمسة فصول شملت:التنمية المستدامة وتمويل التنمية، السلم والأمن الدوليين، العلم التكنولوچى والابتكار والتعاون الرقمى، الشباب والأجيال القادمة، إصلاح الحوكمة الدولية كما تم تضمين ملحقين للوثيقة هما : إعلان الأجيال المقبلة، والميثاق الرقمى العالمى. على مدى نحو ثمانية أشهر كانت ثمة عملية تفاوضية شاقة وعسيرة للتوصل الى الصيغة النهائية للوثيقة، تحت وطأة رؤى متباينة الى حدٍ بين، وآمال معقودة على أن يتوازى مع الميثاق إنتاج آليات محددة لتجاوز الواقع الدولى المأزوم، وغير العادل صدر الميثاق فى نسخته النهائية فى 20 صفحة، بعد أن بلغت صفحاته فى بعض مراحل التفاوض المائتين، هكذا ظهر للنور ببنود شديدة العمومية فى ظل غياب أرضية مشتركة للتفاهمات حول القضايا الخلافية كالمعتاد تحت مظلة الأممالمتحدة!. وكان أن غابت بالتالى السبل العملية والآليات الفعالة والبرنامج الزمنى، لتحويل الأمنيات والنوايا الطيبة الى واقع فعلى .. وكيف يتأتى ذلك دون ضماناتٍ للتنفيذ والمتابعة والمحاسبة؟! حكاية جديرة بالرواية| تنتمى تجربة لجنة إدارة شئون المجتمع العالمى «إلى ذلك النوع من الحكايات الملهمة» كان المخاض فى أوائل تسعينيات القرن الماضى، بمبادرة من «ڤيلى برانت» المستشار الألمانى السابق، الذى لم يكف عن بذل الجهود المتوالية من أجل مزيدٍ من السلام والعدل الدوليين .. وفى هذه الأثناء فكر فى إطلاق تلك اللجنة، فقرر أن يتواصل مع جروهارلم برونتلند رئيسة وزراء النرويج، وچوليوس نيريرى رئيس تنزانيا السابق، الأولى بوصفها رئيسة اللجنة المعنية بالبيئة والتنمية الدولية، والثانى كرئيس للجنة الجنوب، لاستشارتهما بشأن مبادرته المستقبلية، وفكرته للجمع بين انجفاركارلسون السياسى السويدى البارز، وشرايدات رامجال السياسى المرموق من جيانا، ليكونا رئيسين مناوبين للجنة إدارة شئون المجتمع العالمى. تواصل الأخيران، برعاية برانت مع الأعضاء المرشحين لعضوية اللجنة، واستقر عددهم على 26 عضواً، عملوا جميعاً بصفتهم الشخصية، وكانوا من خلفيات واتجاهات متنوعة، فضلاً عن تمثيل جغرافى واسع، بالتوازى مع هذه الخطوة التقى كارلسون ورامجال بالدكتور بطرس غالى عقب تعيينه أميناً عاماً للأمم المتحدة فى 1992 وشرحا له فكرة عملها وأهدافها، فنالا تأييداً كاملاً من غالى.. خلال أكثر من عامين توحد الجميع لتحقيق رغبة سامية واحدة، تمثلت فى وضع رؤية مشتركة للطريق الذى ينبغى للعالم أن يمضى فيه قدماً، للانتقال من مرحلة الحرب الباردة، صوب رحلة أكثر عدلاً وأماناً للبشرية فى القرن ال 21. من ثم كان إطلاق اللجنة يستهدف تطوير الجهود الإنسانية لتنظيم الحياة على الكوكب، وهى عملية، بطبيعتها، تظل دائماً مستمرة، ولم يبلغ طموح اللجنة الدعوة لإقامة حكومة عالمية، أو عالم مثالى، وإنما كان التحدى يتمثل فى تحقيق التوازن بطريقة تصبح معها إدارة شئون المجتمع العالمى مُحققة-قدر الإمكان-لمصالح كل الشعوب. وعلى مدى زمن عمل اللجنة تلقت ألواناً متعددة من الدعم المالى والمعنوى والمجتمعى، من حكومات ومؤسسات وأفراد، توزعوا على أرجاء المعمورة، معلقين آمالاً واسعة على أهمية عملها، وتجاوز الداعمون المئات ما بين رسميين وشعبيين وأكاديميين وناشطين منتمين للمجتمع المدنى بأطرافه المترامية، فضلاً عن أعداد يصعب حصرها شاركت فى ندوات ولقاءات فى العديد من العواصم بشكل تطوعى. كانت عيون الجميع تتجه صوب صياغة دعوة للعمل من أجل أساليب أفضل لإدارة شئون المجتمع العالمى، وبقاء النوع الإنسانى، وتقاسم الاختلاف والتنوع، وصولاً لآليات أفضل للعيش معاً فى جوار عالمى، هو بمنزلة الوطن لنوعنا الإنسانى. عندما اختتمت اللجنة أعمالها قبل 30 عامًا، وبالتحديد فى نوفمبر 1994 شددت على أن الزمن ليس فى صالح التردد، وأنه ليس ثمة مشكلة فيما يتعلق بتوافر القدرة على القيام بالأعمال التى تنادى بها اللجنة، وإنما المعضلة بالأساس تكمن فى عدم توافر الإرادة للقيام بإنجاز الرؤية التى تمخضت عن عمل اللجنة، وأن على البشرية أن تدرك أنه لم يعد أمامها من خيار حقيقى، إلا ان تستجيب لتحدى التغيير بطريقة مستنيرة وبناءة، وأن على من يتقاسمون الجوار العالمى، أن يتقاسموا-أيضاً-إرادة التغيير، وأن يعملوا من فورهم صوبه. تبقى إشارة أخيرة، فاللجنة كانت تبحث وتتشاور وتتفاعل بعيداً عن مفهوم التفاوض، وربما بحكم تشكيلها الفريد بحثاً عن مقترحات وتوصيات وآراء ومنظورات ورؤى، تنبع دون حجر أو وصاية أو قيود من أوسع القطاعات وأعرضها، بطول وعرض المعمورة، دون أن تكبحها حساسيات، أو تحدها حدود.