ما واجهه، ويواجهه، النظام العالمى القائم من أزمات، كان يستوجب، ولا يزال، حوارًا جادًا، بين دول الشمال المتقدمة، أو الغنية، ودول الجنوب النامية، أو الفقيرة، لمواجهة تلك الأزمات المتزايدة، والتغلب على التحديات المشتركة والمترابطة، غير أن الدول المحسوبة على الفئة الأولى، توقف بها الزمن، ولم تدرك أن تغيُّر موازين القوى والقيم الضابطة للعلاقات الدولية، قطع الطريق أمام أى محاولة لإعادة استنساخ تجارب ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأنهى عمليًا مشروعات التوسع، أو السيطرة، التى يتم تنفيذها بإحداث الاضطرابات، أو إشعال الثورات، أو تدبير الانقلابات، أو استعمال التنظيمات الإرهابية. من هنا، وفى ظل هذه الظروف الدولية الدقيقة والمعقدة، وحالة عدم اليقين، التى تسود العالم، تأتى أهمية تجمع «بريكس»، الذى انتهت، أمس الأول، الخميس، أعمال قمته السادسة عشرة، منذ تأسيسه، والأولى بعد توسيعه، بانضمام مصر والإمارات والسعودية وإيران وإثيوبيا، إلى جانب البرازيل وروسيا والصين والهند وجنوب إفريقيا، والتى أكدت ببيانها الختامى، أو «إعلان قازان»، أن الدول النامية، أو دول الجنوب العالمى، فى طريقها إلى تشكيل نظام عالمى جديد، متعدد الأقطاب، أكثر عدلًا وتوازنًا وعقلانية. تؤمن مصر، بضرورة تكاتف الدول النامية، وتعزيز التعاون «جنوب جنوب»، كإحدى السبل المهمة لمواجهة التحديات الراهنة، وتقدّر أهمية تجمع «بريكس»، ليس فقط فيما يتعلق بآليات العمل المؤسسى، التى تقوم بتنسيق سياسات الدول الأعضاء الاقتصادية، ولكن أيضًا بسبب الرؤى السياسية المشتركة التى اعتادت قمم التجمع على تبنيها تجاه القضايا السياسية ذات الأهمية الخاصة للدول النامية. وسبق أن أعرب الرئيس السيسى، خلال مشاركته فى قمة التجمع التاسعة، التى استضافتها الصين، فى سبتمبر 2017، «قمة شيامن»، عن تطلع مصر إلى أن يتمكن التجمع، من التوصل، فى وقتٍ قريب، إلى آلية مناسبة للتواصل والحوار مع كل الدول النامية، التى يمكن أن تكون لها إسهاماتها فى تحقيق أهدافه. بالفعل، تمكّن التجمع من التوصل إلى هذه الآلية، قبل القمة السادسة عشرة، التى استضافتها مدينة قازان الروسية، والتى أكد خلالها الرئيس السيسى أن الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية المتصاعدة، تدفع إلى العمل بقوة نحو ضمان فاعلية المنظومة الدولية، التى أظهرت بوضوح عجزها عن التفاعل مع الكارثة الإنسانية التى يشهدها قطاع غزة، والعدوان الإسرائيلى على لبنان. وأوضح أن الحرب الإسرائيلية المستمرة، منذ أكثر من سنة، تُعد أكبر دليل، على ما وصل إليه النظام الدولى القائم، من تفريغ للمبادئ وازدواجية للمعايير، إلى غياب المحاسبة والعدالة، إزاء الانتهاكات، التى يتم ارتكابها فى حق المواثيق الدولية، وقواعد القانون الدولى، والإنسانى، وشدّد على الأهمية الكبيرة لتجمع ال«بريكس»، والدور الحيوى الذى يمكنه القيام به لتطوير المنظومة الدولية، مستعرضًا أولويات مصر فى هذا الإطار. الأولويات، الرؤى أو المقترحات المصرية، قُوبلت بتأييد واسع، من الدول الأعضاء، منذ الاجتماع الأول من سلسلة الاجتماعات والفعاليات، التى نظمتها الرئاسة الروسية للتجمع، وصولًا إلى قمة قازان، التى أكد الرئيس السيسى خلالها أهمية تعزيز التعاون المشترك لاستحداث آلياتٍ مبتكرة وفعالة لتمويل التنمية، على غرار مبادلة الديون من أجل مواجهة تغيّر المناخ، مع تعظيم الاستفادة من الآليات التمويلية القائمة، فى ظل ارتفاع فجوة تمويل التنمية إلى حوالى أربعة تريليونات دولار فى الدول النامية. كما دعا الرئيس، كذلك، إلى اتخاذ خطوات حقيقية وفاعلة، لإصلاح الهيكل المالى العالمى، بما فى ذلك مؤسسات التمويل الدولية، وبنوك التنمية متعددة الأطراف، لتعزيز استجابتها للاحتياجات الفعلية للدول النامية، ودفع أطر التعاون المشترك، بين دول التجمع، والدول الصديقة، فيما يتعلق بالتسوية المالية بالعملات المحلية. بسياستها الخارجية المتوازنة، استطاعت دولة 30 يونيو أن تتعامل مع كل شركاء التنمية، بشكل ثنائى أو متعدد الأطراف، لتحقيق التعاون الإنمائى الفعال، القائم على الندية والاحترام المُتبادل وتحقيق المصالح المشتركة، واحترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل فى شئون الدول الداخلية، والالتزام بالقانون الدولى، والإيمان بأهمية السلام والأمن والاستقرار فى تحقيق التنمية. وقبل انضمامها إلى تجمع «بريكس»، رسميًا، فى بداية السنة الجارية، انضمت إلى «بنك التنمية الجديد» التابع للتجمع، سنة 2021، واستضافت، فى يونيو الماضى، ملتقاه الدولى الأول. كما انضمت، كذلك، إلى «البنك الآسيوى للاستثمار فى البنية التحتية»، الذى أسسته الصين، سنة 2016، واستضافت اجتماعاته السنوية، فى سبتمبر الماضى، وإنْ أكدت، فى الوقت نفسه، أن جهود هذين البنكين، ينبغى ألا تنفصل عن جهود باقى مؤسسات تمويل التنمية متعددة الأطراف، حال إصلاحها واستجابتها لأولويات الدول النامية. ..أخيرًا، ومن زاوية مستقيمة، هى المسافة الأقصر بين نقطتين، نرى أن تجمع «بريكس» يلبى تطلعات جزء رئيسى، ولن نقول غالبية، المجتمع الدولي، وأن لديه الإمكانات، والقدرات، البشرية والاقتصادية، والأوزان السياسية للدول الأعضاء فى التجمع، التى تؤهله لإحداث تحوّل جذرى فى القواعد، التى تحكم السياسات الاقتصادية، وموازين القوى السياسية، وفرض أولوياتها على أجندة المؤسسات الدولية، و... و... وتشكيل النظام العالمى الجديد، متعدد الأقطاب، الأكثر عدلًا وتوازنًا وعقلانية، القائم على مبادئ القانون الدولى. كما أن دول التجمع، لا تزال مُصنفة ضمن الدول النامية، أو دول العالم الثالث، بعد غياب العالم الثانى بتفكك الاتحاد السوفيتى، مما يجعل كل دول الجنوب، خاصة الإفريقية والعربية، تشعر بالندية معها، وترى أنها أمام دول ناهضة، أو قدوة فى النهوض، بعكس تلك الدولة، المهيمنة على النظام العالمى القائم، التى تسّوست أسنانها، ولوثت الدماء يديها، وتفحّمت سياساتها الخارجية.