الحديث عن " النُص المليان" عادة ما يحمل الظن السيء ويُفهم أنه نوع من " التطبيل " وليس مقياسًا يمكن من خلاله إلقاء نظرة متوازنة وعادلة لتقييم الأمور". "مشروع تطوير ميدان محطة مصر وإنشاء سوق حضاري للباعة الجائلين" تحولت عدد من الشوارع والميادين الرئيسية بمدينة الجمال المُلقبة بعروس البحر الأبيض، بعد ثورة 25 يناير، إلى بؤر دائمة للأسواق العشوائية وملاذًا للباعة الجائلين الذين استباحوا حرمات ثقافة وحضارة المدينة العريقة. للأسف ترك تلك المشكلة لفترة طويلة والاكتفاء بعلاجها بالمسكنات والحلول المؤقتة عن طريق حملات إزالة الإشغالات وما يتبعها من عمليات كر وفر للباعة الجائلين أفقد المواطن الأمل في انتهاء مظاهر وأشكال القبح من الشوارع والميادين بشكل جذري ونهائي. من هذا الواقع والجانب المظلم الذي أصبح له تداعيات وتشبيكات اجتماعية على الأرض لا يمكن لصانع القرار أن يغفلها أو يخرجها من سياق الحل أعلنت محافظة عن تفاصيل مشروع تطوير ميدان محطة مصر وإنشاء سوق حضاري للباعة الجائلين كأول نموذج يحاول القضاء على مشكلة الباعة الجائلين من الجذور وبشكل يعكس رؤية القيادة السياسية وتوجهها نحو بناء الجمهورية الجديدة. الغريب في الأمر هو حملات التشويه والتقليل والشائعات التي صاحبت الإعلان عن المشروع قبل أن يبدأ ولك أن تتخيل التحديات والصعوبات التي واجهت محافظة الإسكندرية متمثلًا في أجهزتها التنفيذية لإقناع الباعة الجائلين بالبديل الجديد للبدء في إزالة كل أشكال القبح والفوضى والعشوائية من ميدان محطة مصر والمنطقة المحيطة به والتي كانت محل نقد وهجوم كل مواطني وزوار الإسكندرية. الآن مضي عامان على الانتهاء من المشروع وافتتاحه ويمكن القول أن الحُلم أصبح حقيقة وأنه يمكن السير قُدما نحو تحقيق إنجازات آخري في ميادين وشوارع رئيسية أخري مشابهة لكننا بحاجة لمعرفة تفاصيل وجوانب النص المليان في هذا المشروع. البداية المضيئة في المشروع كانت مع قيام الأجهزة التنفيذية لمحافظة الإسكندرية بحصر جميع الباعة الجائلين بميدان محطة مصر وعقد اجتماع معهم لشرح وفهم أبعاد المشروع وصورته النهائية والاستماع لطلباتهم بشأن تصور وشكل باكيات المحلات البديلة وطبيعتها عملا بأحدث طرق التسويق وهو فهم احتياجات العميل Customer Business Need. بعدها كانت مرحلة الحوار المجتمعي لأن مشروع تطوير الميدان وإقامة السوق الحضاري الجديد به سينتج عنه شلل في الحركة في ميدان يستقبل الألاف يوميا من محطة القطار ويعج بمواقف الأتوبيسات والميكروباصات العشوائية، كل ذلك سيشكل عبئًا كبيرًا على رجال المرور والأجهزة التنفيذية بالمحافظة وهو ما يظهر ضرورة وجود ظهير مجتمعي من ممثلي نواب البرلمان ووسائل الإعلام لتقديم الدعم والمساندة المطلوبة أثناء فترة تنفيذ المشروع والتي أظهرت مشاكل كبيرة علي الأرض من بينها مشاكل البنية التحتية المتهالكة والضرورة الحتمية للتعامل معها وتطويرها. تمثلت ركائز عملية التطوير في انشاء السوق الحضاري الجديد على مساحة 4450 م2 ويضم الدور الأرضي منه 88 محلًا، وعدد من دورات المياه، وغرف المولدات، والمحولات وغرف تكسير الثلج، وثلاجات، فيما يضم الدور الأول والثاني " فروشات" للباعة بلغ عددها 406، وعدد 2 هايبر ماركت وعدد 2 كافتيريا بالإضافة إلى عدد من مكاتب الخدمات للسوق. أما منطقة المحلات العشوائية المجاورة لخط محطة الترام فتم هدمها لإنشاء مبني مكون من دور أرضي يحتوي على 57 محلاً، ودور ثان يضم 73 محلاً تم مراعاة إقامتها بشكل منظم وحضاري. بالنسبة لميدان الشهداء الذي يقبع أمام ميدان محطة مصر بالإسكندرية ويقع على مساحة 18425 م2 والذي لم يتم تطويره منذ 95 عامًا. وبه النصب التذكاري للشهداء كان من الركائز المهمة في عملية التطوير وشمل زيادة المساحات الخضراء به وأعمال الإضاءة بالإضافة إلى رصف الميدان بالكامل. العشوائية والفوضى المرورية داخل الميدان كانت أحد أهم ركائز عملية التطوير التي شملت إقامة منطقة انتظار للسيارات أمام محطة مصر على مساحة 3240 م2. بالإضافة إلى إنشاء 4 مواقف متطورة لسيارات الأجرة والأتوبيسات وتنفيذ موقف ميكروباص غرب على مساحة 3470 م2 وذلك لتحقيق السيولة المرورية من وإلي ميدان محطة مصر. بقي في هذا المشروع أمران مهمان الأول يتعلق بضمان عدم رجوع الباعة الجائلين من جديد إلى الميدان والأمر الثاني يتعلق بكيفية الحفاظ على المظهر والنسق الجمالي للمشروع وأعمال الصيانة الخاصة به وفي هذا الشأن حرصت محافظة الإسكندرية على إنشاء غرفة تحكم لمراقبة الميدان بأحدث الكاميرات البانورامية لرصد الميدان بالكامل. أما فيما يتعلق بالأمر الثاني فتم إضافة مجموعة من العناصر ذات الطابع الاستثماري مثل اللوحات الإعلانية ومجموعة من المحلات التجارية المتميزة إلى جانب مساحة مخصصة للبراندات في المنطقة المعروفة بسم التبة والتي تضم عدد من الكافيهات والمطاعم لتعظيم موارد المحافظة والحفاظ على مكتسبات المشروع. أخيرًا وليس أخرًا ما تقوم به الأجهزة التنفيذية بمحافظة الإسكندرية الآن من تنفيذ حملات إزالة للإشغالات داخل الشوارع والميادين الرئيسية يأتي بهدف تحقيق الضبط والانضباط للشارع السكندري وذلك كحل وإجراء مؤقت لحين توفير البديل الذي يراعي كل الأبعاد كنموذج مشروع تطوير ميدان محطة مصر القابل للتكرار والتطبيق في أسواق عشوائية بميادين وشوارع رئيسية أخري.