الكشف عن مدة غياب كريستيانو رونالدو بسبب الإصابة    ضبط المتهم بقتل قطة في القليوبية بعد تداول فيديو الواقعة    رئيس لبنان لنظيره الإماراتي: متضامنون معكم وندين الاعتداءات على دولتكم    الإصابة تحرم البرازيل من أليسون أمام فرنسا وكرواتيا    مصر تدين بأشد العبارات الاعتداء الإسرائيلي على سوريا    في بيان رسمي.. الاتحاد السنغالي ينهي الجدل حول قميص "النجمة الواحدة"    السفير عاطف سالم: علاقة مصر وإسرائيل تحتاج مفاوضات جديدة    مقطورة محملة بالهدايا تجوب شوارع المحلة لإدخال البهجة على الأطفال.. صور    أنغام تطرح أحدث أغانيها مش قادرة بتوقيع تاج الدين ونادر حمدى ورزام    رجال طابا    في أول أيام العيد.. ميناء الإسكندرية يستقبل أحدث عبارات الرورو    الشوربجى: الصحافة القومية الأمين على الذاكرة الوطنية بما تملكه من كنوز صحفية وثائقية أرشيفية    ترامب: لا أريد وقف إطلاق النار في إيران    أحمد باشا يكتب: الأخطبوط الفارسى    أرفض التكرار.. وأسعى للأدوار التى تحوّل المشاهد من متلقٍ إلى مفكر    الأقصر يختبر جاهزيته الأخيرة    عيد الفطر المبارك .. حلول سريعة لمعالجة مشكلة حموضة المعدة    شوط أول سلبي بين وادي دجلة والجونة في الدوري    السفير عاطف سالم ل "الجلسة سرية": 900 ألف مهاجر غادروا إسرائيل منذ عام 1948    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تعلن بدء المرحلة الثانية لتطوير منطقة العتبة    رئيس قطاع صحة القاهرة يُجري جولة مرورية على عددٍ من المنشآت الصحية    وفاة أسطورة الفنون القتالية تشاك نوريس عن 86 عاما بشكل مفاجئ    عيد الأم 2026.. من أين جاءت الفكرة وكيف انتشرت حول العالم؟    مجدي حجازي يكتب: «للصائم فرحتان»    بيراميدز يكشف آخر تطورات الحالة الصحية ل حمدي إبراهيم بعد بلع لسانه    العيد فرحة.. التحالف الوطني يوزع الكعك والبسكويت على الأهالي في المساجد والشوارع| صور    طلاب جامعة العاصمة يشاركون في احتفالية "عيد_سعيد" بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي    «الصحة»: فرق الرعاية الحرجة تتابع 37 مستشفى في 11 محافظة لتأمين احتفالات العيد    تخفيض سرعة القطارات بسبب الأتربة وانخفاض مستوى الرؤية    "اتخذت القرار منذ فترة".. فالفيردي يعلن رحيله من أتلتيك بلباو بنهاية الموسم    غرفة عمليات بالمجلس الأعلى للآثار خلال أيام عيد الفطر المبارك    الأب منذر إسحق: إساءة نتنياهو للمسيح محاولة لتبرير عدوان إسرائيل    الموت يفجع خالد مرتجي    وزير المالية: رفع حد الإعفاء للسكن الخاص الرئيسي إلى 8 ملايين جنيه    القابضه للكهرباء تكشف حقيقة استدعاء 10 آلاف مهندس وفني من الخارج    وزيرة التنمية المحلية تُطلق المرحلة الثانية لتطوير منطقة العتبة    أكثر من 20 مليون تصفح .. جهود وزارة الاتصالات في إنشاء تطبيق "إِذاعة القرآن الكريم"    محافظ الإسكندرية يزور المرضى بمستشفى الأنفوشي للأطفال لتهنئتهم بعيد الفطر    الذهب المصري يتماسك في عيد الفطر مع ثبات الأسعار العالمية    كحك العيد.. متعة لا تفسد صحة الجهاز الهضمي    "النقل العام": أتوبيسات حديثة وتكثيف التشغيل لخدمة المواطنين خلال عيد الفطر    وزيرا الخارجية المصرى والتركي يبحثان التطورات الإقليمية ويؤكدان على أهمية خفض التصعيد    منتخب مصر للناشئين يواصل استعداداته للتصفيات الأفريقية    إيتاليانو: تعرضت لالتهاب رئوي قبل مباراة روما.. وبولونيا الطرف الأضعف    بعد صلاة العيد .. مصرع شاب في مشاجرة مسلحة بقنا    وسط آلاف المصلين.. محافظ الأقصر يؤدي صلاة عيد الفطر بساحة سيدي «أبو الحجاج»    أفضل طريقة لتحضير الرنجة أول يوم العيد    طقس أول أيام العيد.. الأرصاد تحذر من نشاط رياح قوي وأتربة    بالجلباب الأبيض.. الصغار يتصدرون المشهد في صلاة العيد بكفر الشيخ    محافظ الدقهلية والقيادات التنفيذية يؤدون صلاة عيد الفطر المبارك في مسجد النصر (صور)    الآلاف يؤدون صلاة عيد الفطر المبارك داخل الساحات والمساجد بالمنيا (صور)    الرئيس السيسى يؤدى صلاة عيد الفطر المبارك فى مسجد الفتاح العليم بالعاصمة الجديدة.. رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة وعدد من المسئولين فى استقباله.. وخطيب المسجد: العفو والتسامح طريق بناء الأوطان    الرئيس السيسي يشهد خطبة عيد الفطر.. والإمام: يا شعب مصر سيروا ولا تلفتوا أبدا لصناع الشر    محافظ بورسعيد يؤدي صلاة عيد الفطر المبارك بالمسجد العباسي    فجر العيد في كفر الشيخ.. روحانية وتكبيرات تعانق السماء (فيديو)    حكم صلاة الجمعة إذا وافقت يوم العيد؟.. دار الإفتاء تجيب    صندوق النقد الدولى: مرونة سعر الصرف مكنت مصر من الحفاظ على الاحتياطيات الأجنبية    البحرين تعلن اعتراض 139 صاروخا و238 مسيّرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رحيق الحياة ورائحة الزمن (8)
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 16 - 09 - 2014

وكذلك ما قمت به من مسعي لدي عمدة فيينا للحصول علي قطعة أرض لبناء كنيسة للأقباط هناك وأتذكر أن العمدة سألني في دهشة هل أنت مسيحي! فقلت له إنني سفير »مصر»‬ أسعي لتحقيق مطالب المصريين بلا تمييز أو تفرقة
ليست تجربة »‬الهند» ثرية علي المستوي الإنساني وحده ولكنها كانت كذلك أيضاً بالنسبة لأسرتي الصغيرة، فأصبح الطعام الهندي مألوفاً لنا ولم يعد أسلوب الحياة فيها غريباً علينا، »‬فالهند» تجربة ضخمة تفتح آفاقاً هائلة في الفلسفة والفكر وأسلوب الحياة، ولقد كنت علي موعد دائم مع الأحداث الكبري في أرض الوطن، فعندما اندلعت »‬حرب أكتوبر» وتحقق العبور العظيم كنت في »‬مصر» في إجازة »‬نصف المدة» من عملي في »‬لندن»، وعندما جري اغتيال الرئيس الراحل »‬السادات» كنت في إجازة »‬نصف المدة» من عملي في »‬نيودلهي»، وبذلك أراد الله لي أن أكون قريباً من الأحداث التي تدور في بلادي، ومازلت أتذكر يوم مصرع الرئيس الراحل »‬أنور السادات» أنني كنت في »‬المطبعة» أراجع »‬بروفات» كتاب مشترك بيني وبين المستشار »‬طارق البشري» والمستشار »‬وليم سليمان قلادة» وكان عنوانه »‬الشعب الواحد والوطن الواحد» وقد كتب مقدمته لنا »‬د.بطرس بطرس غالي»، وبينما أنا أقلب في صفحات الكتاب إذ سمعت من يقول إن أمراً جللاً قد حدث في العرض العسكري وأن برامج »‬التلفزيون المصري» قد توقفت عن البث المباشر للعرض ثم ترددت أقاويل هامسة عن إصابة الرئيس »‬السادات» إلي أن أعلنت وفاته رسمياً بعد ذلك بوقت قصير وكنت شاهداً علي الشارع المصري المضطرب الذي كان يغلي في داخله بينما الحياة تبدو شبه عادية في معظم أنحاء البلاد باستثناء ما جري في »‬أسيوط» التي شهدت أكبر حدث تقوم به الجماعات الإسلامية عام 1981 والذي لم تبلغ مستواه إلا »‬مذبحة الأقصر» عام 1997 والتي نفذتها عناصر الجماعة الإسلامية أيضاً، وعند عودتي من »‬الهند» وعملي في مكتب الدكتور »‬أسامة الباز» تم تعييني »‬سكرتيراً للرئيس للمعلومات» حيث بدأ فصل جديد من حياتي الحافلة بالإنجازات والإخفاقات أيضاً، فأنا لا أنكر أن عملي في الرئاسة قد وضعني تحت دائرة الضوء ولكنه أيضاً جلب عليّ الكثير من المشكلات والمتاعب، ولو أنني كنت مثقفاً مصرياً يتعاطي جوانب الفكر المعاصر دون أن يقترب من السلطة ربما كانت مصداقيتي أكثر، فالمصريون يقبلون في حماس علي أهل السلطة ورموزها ولكنهم في أعماقهم يحملون تجاههم درجة من الغيرة التي قد تصل إلي حد الكراهية أحياناً فبقدر ما يكون النفاق في البداية يأتي العداء في النهاية، وليست هذه بالطبع قاعدة ثابتة فأنا أحمد الله أنني تركت مؤسسة الرئاسة والكل يشهد بأنني لم أكن شريكاً في ظلم أو متقاعساً عن أداء حق، لذلك لم تترك فترة عملي في »‬مؤسسة الرئاسة» التي امتدت لأكثر من ثماني سنوات شعوراً بالمرارة تجاهي لأنني حاولت أن أكون صادقاً وأميناً مع الجميع، وبعدما تركت موقعي في رئاسة الجمهورية لأسباب ذكرتها كثيراً من قبل فإنني اتجهت إلي عملي الدبلوماسي حيث كلفت بمنصب »‬مدير معهد الدراسات الدبلوماسية» حتي تم نقلي سفيراً في العاصمة النمساوية، ولعله من الجدير بالذكر أن أشير إلي أن فترة عملي في »‬مؤسسة الرئاسة» لن يأتي ذكرها بالتفصيل في هذه الصفحات لأنني قدمتها في حلقات تحت عنوان »‬سنوات الفرص الضائعة» حيث جري تفريغها في كتاب ضخم دون رتوش أو تدخلات، وإذا كان لي أن أشير الآن في عجالة إلي طبيعة الحياة في »‬فيينا» فإنني أتذكر ما حكاه لي الدكتور »‬أسامة الباز» رحمه الله من أن ابنه العزيز »‬باسل» قد سأل أباه ذات يوم هل يحب عمي »‬مصطفي» تربية الكلاب؟ فأجاب الدكتور »‬أسامة» بالنفي، فسأله »‬باسل» وهل يهوي الموسيقي الكلاسيكية؟ فقال له والده مازحًا مدي علمي أنه لم يتجاوز أغاني »‬محمد العزبي» و»أبو دراع»! فأضاف »‬باسل» وهل عمي »‬مصطفي» كبير في السن؟ فقال له لا إنه علي مشارف الخمسين فقط فضحك »‬باسل» وقال لأبيه: لن يكون سعيداً أبداً في »‬النمسا» فقد كان »‬باسل» يعرفها جيداً منذ كان مع والدته مستشارة السفارة المصرية في »‬النمسا» من قبل، والواقع أن ما قاله »‬باسل الباز» كان صحيحاً تماماً فلقد أرهقني كثيراً الجو شديد البرودة مع الرياح السريعة فضلاً عن تراكم الجليد سبعة شهور في السنة يضاف إلي ذلك أن المدينة نظيفة للغاية ولا يوجد في هوائها أثر للتلوث وتلك الأمور تجعل القادم من »‬القاهرة» يشعر بغربة حقيقية! ومع ذلك أديت عملي بشكل أرضي عنه سواء في »‬الوكالة الدولية للطاقة الذرية» أو»منظمة التنمية الصناعية »‬اليونيدو» أو المقر الاجتماعي »‬للأمم المتحدة» علي أساس أن »‬نيويورك» مختصة بالجانب السياسي في مجمله، و»جنيف» معنية بالجانب الاقتصادي في معظمه، بينما تحتضن »‬فيينا» مكاتب »‬منع الجريمة ومكافحة المخدرات» وغيرهما من القضايا ذات الطابع الاجتماعي، ولقد خضت عام 1997 معركة ناجحة حصل بها مصري هو الدكتور »‬محمد البرادعي» علي منصب المدير العام »‬للوكالة الدولية للطاقة الذرية» وهو منصبٌ كان من الممكن أن يحوزه مصري آخر هو الدكتور »‬محمد شاكر» لولا اعتراض »‬الولايات المتحدة الأمريكية» وحلفائها، ولابد أن أسجل هنا أن الأجهزة الأمنية في »‬القاهرة» والخارجية المصرية لم تكن متحمسة في معظمها لترشيح »‬البرادعي» ولكن التيار الدولي الكاسح الذي كان يدعمه كان قادراً علي تجاوز تردد دولة الأصل، وفي »‬فيينا» اقتربت من »‬د.كورت فالدهايم» أمين عام »‬الأمم المتحدة» لفترتين ورئيس جمهورية »‬النمسا» الأسبق حتي إنني كنت أقوم بتوصيله من مقهي »‬موزارت» حيث نجلس إلي منزله بسيارتي ولقد كان الرجل محباً لمصر والعرب حزيناً علي الحملة الصهيونية ضده التي زعمت أنه خدم في »‬جيش النازي» وقد أعد كتاباً ضخماً ضمنه دفوعه الموثقة التي تدحض المزاعم الإسرائيلية وسماه »‬الرد» وطلب مني أن أكتب مقدمة الطبعة العربية وقد فعلت ذلك باعتزاز وسعادة، كما تمكنت من نقل »‬السفارة المصرية» بملحاقتها من دار سكن ومكاتب وقسم قنصلي إلي مبني تاريخي فخم يعتبر أحد المعالم البارزة للحي التاسع عشر من العاصمة النمساوية ويرجع الفضل في ذلك إلي مهندس نمساوي من أصل مصري هو الدكتور »‬علاء أبو العينين» الذي كان يملك المبني وباعه للخارجية المصرية بثمن زهيد وتم تجهيزه ليصبح واحداً من أروع ممتلكات هيئة تمويل المباني في الخارجية المصرية وقد كان يجاوره مباشرة مسكن رئيس الجمهورية »‬كليستل» الذي كان يتمشي هو وزوجته ذات مساء وكنت أتمشي أيضاً مع زوجتي فالتقينا علي قارعة الطريق فقال لي : أليس لديكم النية في أن نتبادل المباني أسكن أنا في مبني السفارة وتأتي أنت إلي مقر الرئاسة؟ شهادة منه علي عظمة المبني الذي توجناه بمسلة ضخمة من جرانيت »‬أسوان» أهداها لنا صديقٌ للدكتور »‬ممدوح حمزة» الذي طلبها منه عندما زار المبني وهو في طور التشطيب، إنني راض تماماً عما فعلته لبلادي في العاصمة النمساوية فضلاً عن إسهامي في إنشاء »‬الأكاديمية الإسلامية» في »‬فيينا» تحت إشراف »‬الأزهر الشريف»، وكذلك ما قمت به من مسعي لدي عمدة العاصمة للحصول علي قطعة أرض لبناء كنيسة للأقباط هناك وأتذكر أن العمدة سألني في oدهشة هل أنت مسيحي! فقلت له إنني سفير »‬مصر» أسعي لتحقيق مطالب المصريين بلا تمييز أو تفرقة، وقد افتتحها البابا الراحل »‬شنودة الثالث» بعد ذلك، كما استقبلته ذات يوم في مطار »‬فيينا» حيث استقل السيارة إلي العاصمة المجرية »‬بودابست» التي دعته ليحضر العيد الألفي لإنشاء أول »‬دير» علي أرضها ولقد استقبله في ذلك اليوم رئيس »‬جمهورية المجر» علي الحدود البرية لبلاده مع النمسا، ولم تخل سنوات »‬فيينا» من ألم أيضاً فقد كنت في زيارة »‬للقاهرة» أنا وزوجتي لاستقبال أول حفيد لي واسمه »‬سليم» ولكن أمي رحلت عن عالمنا في أثناء الزيارة بعد مرض قصير وعدت إلي »‬فيينا» بعدها بشعور مختلف فيه حزن لا ينتهي، وبعد انتهاء خدمتي في »‬فيينا» وعودتي رحل أبي منسحبًا من الحياة في هدوء وقد كان رجلاً طيباً سمحاً لم يكره أحداً في حياته!
وكذلك ما قمت به من مسعي لدي عمدة فيينا للحصول علي قطعة أرض لبناء كنيسة للأقباط هناك وأتذكر أن العمدة سألني في دهشة هل أنت مسيحي! فقلت له إنني سفير »مصر»‬ أسعي لتحقيق مطالب المصريين بلا تمييز أو تفرقة
ليست تجربة »‬الهند» ثرية علي المستوي الإنساني وحده ولكنها كانت كذلك أيضاً بالنسبة لأسرتي الصغيرة، فأصبح الطعام الهندي مألوفاً لنا ولم يعد أسلوب الحياة فيها غريباً علينا، »‬فالهند» تجربة ضخمة تفتح آفاقاً هائلة في الفلسفة والفكر وأسلوب الحياة، ولقد كنت علي موعد دائم مع الأحداث الكبري في أرض الوطن، فعندما اندلعت »‬حرب أكتوبر» وتحقق العبور العظيم كنت في »‬مصر» في إجازة »‬نصف المدة» من عملي في »‬لندن»، وعندما جري اغتيال الرئيس الراحل »‬السادات» كنت في إجازة »‬نصف المدة» من عملي في »‬نيودلهي»، وبذلك أراد الله لي أن أكون قريباً من الأحداث التي تدور في بلادي، ومازلت أتذكر يوم مصرع الرئيس الراحل »‬أنور السادات» أنني كنت في »‬المطبعة» أراجع »‬بروفات» كتاب مشترك بيني وبين المستشار »‬طارق البشري» والمستشار »‬وليم سليمان قلادة» وكان عنوانه »‬الشعب الواحد والوطن الواحد» وقد كتب مقدمته لنا »‬د.بطرس بطرس غالي»، وبينما أنا أقلب في صفحات الكتاب إذ سمعت من يقول إن أمراً جللاً قد حدث في العرض العسكري وأن برامج »‬التلفزيون المصري» قد توقفت عن البث المباشر للعرض ثم ترددت أقاويل هامسة عن إصابة الرئيس »‬السادات» إلي أن أعلنت وفاته رسمياً بعد ذلك بوقت قصير وكنت شاهداً علي الشارع المصري المضطرب الذي كان يغلي في داخله بينما الحياة تبدو شبه عادية في معظم أنحاء البلاد باستثناء ما جري في »‬أسيوط» التي شهدت أكبر حدث تقوم به الجماعات الإسلامية عام 1981 والذي لم تبلغ مستواه إلا »‬مذبحة الأقصر» عام 1997 والتي نفذتها عناصر الجماعة الإسلامية أيضاً، وعند عودتي من »‬الهند» وعملي في مكتب الدكتور »‬أسامة الباز» تم تعييني »‬سكرتيراً للرئيس للمعلومات» حيث بدأ فصل جديد من حياتي الحافلة بالإنجازات والإخفاقات أيضاً، فأنا لا أنكر أن عملي في الرئاسة قد وضعني تحت دائرة الضوء ولكنه أيضاً جلب عليّ الكثير من المشكلات والمتاعب، ولو أنني كنت مثقفاً مصرياً يتعاطي جوانب الفكر المعاصر دون أن يقترب من السلطة ربما كانت مصداقيتي أكثر، فالمصريون يقبلون في حماس علي أهل السلطة ورموزها ولكنهم في أعماقهم يحملون تجاههم درجة من الغيرة التي قد تصل إلي حد الكراهية أحياناً فبقدر ما يكون النفاق في البداية يأتي العداء في النهاية، وليست هذه بالطبع قاعدة ثابتة فأنا أحمد الله أنني تركت مؤسسة الرئاسة والكل يشهد بأنني لم أكن شريكاً في ظلم أو متقاعساً عن أداء حق، لذلك لم تترك فترة عملي في »‬مؤسسة الرئاسة» التي امتدت لأكثر من ثماني سنوات شعوراً بالمرارة تجاهي لأنني حاولت أن أكون صادقاً وأميناً مع الجميع، وبعدما تركت موقعي في رئاسة الجمهورية لأسباب ذكرتها كثيراً من قبل فإنني اتجهت إلي عملي الدبلوماسي حيث كلفت بمنصب »‬مدير معهد الدراسات الدبلوماسية» حتي تم نقلي سفيراً في العاصمة النمساوية، ولعله من الجدير بالذكر أن أشير إلي أن فترة عملي في »‬مؤسسة الرئاسة» لن يأتي ذكرها بالتفصيل في هذه الصفحات لأنني قدمتها في حلقات تحت عنوان »‬سنوات الفرص الضائعة» حيث جري تفريغها في كتاب ضخم دون رتوش أو تدخلات، وإذا كان لي أن أشير الآن في عجالة إلي طبيعة الحياة في »‬فيينا» فإنني أتذكر ما حكاه لي الدكتور »‬أسامة الباز» رحمه الله من أن ابنه العزيز »‬باسل» قد سأل أباه ذات يوم هل يحب عمي »‬مصطفي» تربية الكلاب؟ فأجاب الدكتور »‬أسامة» بالنفي، فسأله »‬باسل» وهل يهوي الموسيقي الكلاسيكية؟ فقال له والده مازحًا مدي علمي أنه لم يتجاوز أغاني »‬محمد العزبي» و»أبو دراع»! فأضاف »‬باسل» وهل عمي »‬مصطفي» كبير في السن؟ فقال له لا إنه علي مشارف الخمسين فقط فضحك »‬باسل» وقال لأبيه: لن يكون سعيداً أبداً في »‬النمسا» فقد كان »‬باسل» يعرفها جيداً منذ كان مع والدته مستشارة السفارة المصرية في »‬النمسا» من قبل، والواقع أن ما قاله »‬باسل الباز» كان صحيحاً تماماً فلقد أرهقني كثيراً الجو شديد البرودة مع الرياح السريعة فضلاً عن تراكم الجليد سبعة شهور في السنة يضاف إلي ذلك أن المدينة نظيفة للغاية ولا يوجد في هوائها أثر للتلوث وتلك الأمور تجعل القادم من »‬القاهرة» يشعر بغربة حقيقية! ومع ذلك أديت عملي بشكل أرضي عنه سواء في »‬الوكالة الدولية للطاقة الذرية» أو»منظمة التنمية الصناعية »‬اليونيدو» أو المقر الاجتماعي »‬للأمم المتحدة» علي أساس أن »‬نيويورك» مختصة بالجانب السياسي في مجمله، و»جنيف» معنية بالجانب الاقتصادي في معظمه، بينما تحتضن »‬فيينا» مكاتب »‬منع الجريمة ومكافحة المخدرات» وغيرهما من القضايا ذات الطابع الاجتماعي، ولقد خضت عام 1997 معركة ناجحة حصل بها مصري هو الدكتور »‬محمد البرادعي» علي منصب المدير العام »‬للوكالة الدولية للطاقة الذرية» وهو منصبٌ كان من الممكن أن يحوزه مصري آخر هو الدكتور »‬محمد شاكر» لولا اعتراض »‬الولايات المتحدة الأمريكية» وحلفائها، ولابد أن أسجل هنا أن الأجهزة الأمنية في »‬القاهرة» والخارجية المصرية لم تكن متحمسة في معظمها لترشيح »‬البرادعي» ولكن التيار الدولي الكاسح الذي كان يدعمه كان قادراً علي تجاوز تردد دولة الأصل، وفي »‬فيينا» اقتربت من »‬د.كورت فالدهايم» أمين عام »‬الأمم المتحدة» لفترتين ورئيس جمهورية »‬النمسا» الأسبق حتي إنني كنت أقوم بتوصيله من مقهي »‬موزارت» حيث نجلس إلي منزله بسيارتي ولقد كان الرجل محباً لمصر والعرب حزيناً علي الحملة الصهيونية ضده التي زعمت أنه خدم في »‬جيش النازي» وقد أعد كتاباً ضخماً ضمنه دفوعه الموثقة التي تدحض المزاعم الإسرائيلية وسماه »‬الرد» وطلب مني أن أكتب مقدمة الطبعة العربية وقد فعلت ذلك باعتزاز وسعادة، كما تمكنت من نقل »‬السفارة المصرية» بملحاقتها من دار سكن ومكاتب وقسم قنصلي إلي مبني تاريخي فخم يعتبر أحد المعالم البارزة للحي التاسع عشر من العاصمة النمساوية ويرجع الفضل في ذلك إلي مهندس نمساوي من أصل مصري هو الدكتور »‬علاء أبو العينين» الذي كان يملك المبني وباعه للخارجية المصرية بثمن زهيد وتم تجهيزه ليصبح واحداً من أروع ممتلكات هيئة تمويل المباني في الخارجية المصرية وقد كان يجاوره مباشرة مسكن رئيس الجمهورية »‬كليستل» الذي كان يتمشي هو وزوجته ذات مساء وكنت أتمشي أيضاً مع زوجتي فالتقينا علي قارعة الطريق فقال لي : أليس لديكم النية في أن نتبادل المباني أسكن أنا في مبني السفارة وتأتي أنت إلي مقر الرئاسة؟ شهادة منه علي عظمة المبني الذي توجناه بمسلة ضخمة من جرانيت »‬أسوان» أهداها لنا صديقٌ للدكتور »‬ممدوح حمزة» الذي طلبها منه عندما زار المبني وهو في طور التشطيب، إنني راض تماماً عما فعلته لبلادي في العاصمة النمساوية فضلاً عن إسهامي في إنشاء »‬الأكاديمية الإسلامية» في »‬فيينا» تحت إشراف »‬الأزهر الشريف»، وكذلك ما قمت به من مسعي لدي عمدة العاصمة للحصول علي قطعة أرض لبناء كنيسة للأقباط هناك وأتذكر أن العمدة سألني في oدهشة هل أنت مسيحي! فقلت له إنني سفير »‬مصر» أسعي لتحقيق مطالب المصريين بلا تمييز أو تفرقة، وقد افتتحها البابا الراحل »‬شنودة الثالث» بعد ذلك، كما استقبلته ذات يوم في مطار »‬فيينا» حيث استقل السيارة إلي العاصمة المجرية »‬بودابست» التي دعته ليحضر العيد الألفي لإنشاء أول »‬دير» علي أرضها ولقد استقبله في ذلك اليوم رئيس »‬جمهورية المجر» علي الحدود البرية لبلاده مع النمسا، ولم تخل سنوات »‬فيينا» من ألم أيضاً فقد كنت في زيارة »‬للقاهرة» أنا وزوجتي لاستقبال أول حفيد لي واسمه »‬سليم» ولكن أمي رحلت عن عالمنا في أثناء الزيارة بعد مرض قصير وعدت إلي »‬فيينا» بعدها بشعور مختلف فيه حزن لا ينتهي، وبعد انتهاء خدمتي في »‬فيينا» وعودتي رحل أبي منسحبًا من الحياة في هدوء وقد كان رجلاً طيباً سمحاً لم يكره أحداً في حياته!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.