شاهدها بالصدفة في إحدي إشارات المرور.. كانت تقود سيارة أحدث موديل والى جوارها رجل في حوالي الأربعين من عمره.. عقدت الدهشة لسان حمدي وتسمرت عيناه على المشهد الذي يجري داخل السيارة.. فاتن والرجل الذي لا يعرفه يضحكان في نشوة ويتبادلان الهزار وكأنهما في مكان خاص وليس داخل سيارة في الطريق العام.. وما أن أشارت إشارة المرور بالضوء الأخضر وتحركت سيارة فاتن حتى انطلق حمدي بسيارته خلفها وهو في غاية الحرص على ألا تلحظ فاتن متابعته لها.. كانت الدماء تغلي في عروقه والشرر يتطاير من عينيه.. ها هي المرأة التي أعادته للوراء مائة خطوة تعيش في سعادة غامرة مع صيد جديد.. ربما يتجرع مثله من نفس الكأس.. وربما يكون هو الأذكى.. المهم أنه رقم جديد في حياة المرأة التي لعبت به مثلما تلعب القطة بفأر مسكين شلت حركته بنظرة واحدة؟ توقفت سيارة فاتن أمام أحد الفنادق الكبرى بالإسكندرية.. نزلت ومعها الرجل الأنيق.. تأبطت ذراعه ودخلا معا من باب الفندق بينما حمدي يتابع المشهد عن بعد وبمنتهى الحذر.. أسئلة كثيرة كانت ترتسم أمام عينيه.. ما الذي أتى بفاتن الى الإسكندرية؟!.. لقد بحث عنها في كل بقاع مصر فلم يجدها!.. أين اختفت خمس سنوات ولماذا ظهرت فجأة مثلما اختفت فجأة؟!.. ومن يكون صيدها الجديد.. حبيب مثلما أوهمت رجالا كثيرين قبله؟!.. أم هو الزوج الذي أرادت أن تعتزل به اللعب مع الرجال والأثرياء؟! ظل حمدي مرابطا في مكان بعيدا عن سيارة فاتن دون أن تغفل عيناه عن السيارة لحظة واحدة.. قرر أن يمضي في الشوط الى آخره وألا يترك هذه الفرصة الذهبية تضيع من يده أبدا.. ومضت ساعة تلو ساعة حتى كانت الواحدة فجرا حينما عادت فاتن الى سيارتها.. لقد تغير المشهد.. الرجل الأنيق يبدو وكأن الخمر قد لعبت برأسه بينما فاتن تحاول أن تحفظ به توازنه، بل سارعت بالوقوف الى جانبه عندما كان أحد موظفي الأمن يفتح له باب السيارة.!.. إنها فاتن التي لا تفقد شخصيتها القوية أبدا ولو شربت المحيط.؟.. هي كما هي جميلة.. أنيقة.. ولا يترك عليها الزمن أية بصمات.. تبدو دائما كفتاة في العشرينات رغم أن عمرها يقترب بشدة من العام الخمسين!! انطلقت سيارتها وعن بعد كانت سيارة حمدي تلاحقها.. أمام أحد الأبراج السكنية توقفت سيارتها.. ونزل الرجل الأنيق متجها الى باب البرج بينما فاتن تتابعه بنظراتها من باب الاطمئنان.. كان واضحا أن الرجل يسكن هذا البرج.. أما فاتن فقد انطلقت مرة أخرى بسيارتها الى حي المنتزه دون أن تنتبه طوال هذه الرحلة أن هناك من يراقبها بحذر وحرص شديدين!.. توقفت أمام عمارتها الرائعة.. فتح لها البواب وصعدت نحو الأسانسير!.. اطمأن حمدي.. توصل أخيرا الى مكانها واتخذ قرارا فوريا بألا يعود للقاهرة مساء الليلة التالية.. بل وربما لا يعود خلال الأيام القليلة القادمة قبل أن يعرف كيف سيصفي حسابه القديم مع فاتن، ويسترد ولو جزء من حقوقه الضائعة وثروته المنهوبة! لم يمض اليوم التالي حتى كان حمدي قد ضحى بألف جنيه دفعة واحدة وجند بواب عمارة فاتن للحصول على ما يشاء من معلومات.. وبعد أن أكد للبواب أن الألف جنيه مجرد عربون محبة تليه دفعات أخرى حتى أفاض البواب في حديثه عن مالكة الدور السابع وبخلها الشديد رغم ثروتها الكبيرة.. وتوقف حمدي طويلا أمام ما تمتلكه فاتن من عدة شاليهات بالساحل الشمالي بالإضافة الى شقتها الخاصة بالإسماعيلية.. أما حديث البواب عن غلظتها مع الناس وتكبرها على الفقراء وبذاءة لسانها حينما تختلف مع أحد فكان حديثا لم يهتم به حمدي وإن كان البواب قد أكد في نهايته أنه سيترك خدمة هذه العمارة مع أول الشهر الجديد هربا من هذه السيدة بالذات! مساء نفس اليوم صعد إليها حمدي.. طرق بابها.. فتحت له فاتن بعد تردد.. دخل بكل ثقة قبل أن تدعوه للدخول.. سألها في لهجة حاسمة: لماذا هربت كل هذه السنوات؟! لم أهرب.. تركت العمل وتركت القاهرة كلها وكانت في نيتي أن أهاجر خارج مصر.. لم يعد لحياتي معنى بعد أن فوجئت بخبر دخولك السجن ثلاث سنوات..! ألم تعرفين أن دخولي السجن وإفلاسي كان بسببك؟! ارتبكت فاتن وارتعدت وحاولت أن تستخدم أسلحتها القديمة مع حمدي، لكنها فوجئت أنه قد تحصن منها،، بل وصارت بالنسبة لها أسلحة فاسدة إذا أطلقتها عادت لتصيبها هي.. امتلأت خوفا من نار الغضب التي اشتعلت في نظرات حمدي إليها.. كان قاب قوسين أو أدنى من أن يمد يده عليها.. قررت أن تجرب أسلوبا آخر: إذا كان قد وقع خطأ مني.. أنا مستعدة الآن لإصلاحه! كيف؟! نتزوج مثلا..! لم تعد عندي رغبة في أن أصبح طرطورا وأمنحك اسمي! ألم يكن هذا هو اتفاقنا القديم! نعم.. وكلما اقترب موعد زواجنا اخترعت حكاية جديدة لتأجيله.. كان الهدف هو حصولك على أقصى ما تستطيعين من ثروتي وأنت سيدة البار التي كانت تلعب برؤوس كل زبائنه أكثر مما تلعب بها الخمر!! لا تظلمني يا حمدي.. أنا كنت أحبك.. لا تكذبي.. لقد عرفت بالصدفة البحتة أنك لعبت نفس اللعبة مع اثنين من أصدقائي.. كنا نحن الثلاثة من رواد البار.. وكان كل منا يظن أنه حبيبك الأوحد وزوج المستقبل.. أحدهما ضاع مثلي والثاني لحق نفسه قبل أن تغرق كل سفنه.. ومنذ شهور قليلة التقينا نحن الثلاثة وحينما صارحتهم لأول مرة أنك أنت سبب الحالة التي وصلت إليها كانت مفاجأة للاثنين.. لقد صاحا في نفس واحد بأنهما أكلا من نفس طعامك المسموم.. كانت جلسة مصارحة غريبة.. حكى كل منهما مناقصته معك فكانت القصص الثلاث نسخة واحدة بطلتها امرأة واحدة وثلاثة من المغفلين.. أنا وجلال وحافظ.. طبعا تتذكرين جلال مستورد الحرائر من سوريا.. وحافظ المقاول الكبير الذي ساعده شقيقه على ألا يفلس في الوقت المناسب.. تكلمي.. لماذا صمت يا سيدة البار الجبارة؟! أنا يا حمدي كرهت هذا اللقب.. وهذه الشغلانة.. وابتعدت عن كل الشبهات.. ومستعدة لإصلاح أية أخطاء تغضبك مني... هناك حل واحد.. قاطعته فاتن في لهفة وقد عادت الدماء تجري في عروقها: قل لي ما هو وسوف أنفذه لك! مليون جنيه.. لا تتعجبي.. المصنع الصغير الذي كان مصدر دخل لأخوتي اليتامى ضاع.. سيارتي الفارهة بعتها.. رصيدي في البنوك صار صفرا.. الآن أركب سيارة قديمة تحت عمارتك في هذه اللحظة.. وأسكن شقة متواضعة.. وأعمل قومسيونجي في سوق الحديد بعد أن كنت من أبرز تجاره.! وما ذنبي في كل ما ضاع منك.. هداياك سوف أردها لك.. لكن هذا المبلغ الكبير ليس تحت يدي! تحذير أخير.. لا تكذبي.. قبل هذه المقابلة عرفت كل ممتلكاتك التي لهفتيها من المغفلين أمثالي.. يمكنك بيع شاليه أو حتى شقة الإسماعيلية؟ تكهربت فاتن.. شعرت بأن المواجهة احتدمت وليس أمامها سوى أن تستخدم مكر الأنثى كخط دفاع أخير يبدأ بعده الهجوم.. قالت له: إذن أعطني فرصة لبيع الشقة.. أسبوع على الأقل.. اترك لي تليفونك وسوف أتصل بك! لا مكالمات تليفونية بيني وبينك.. سأحضر في نفس هذا الموعد بعد سبعة أيام.. وإلا سيكون الحل الآخر الذي أحتفظ به لنفسي! موافقة يا حمدي! دون تعليق أو وداع انتفض حمدي واقفا وانطلق كالسهم نحو باب الشقة.. فتحته ثم أغلقه خلفه دون أن ينظر الى فاتن! لم ينس حمدي أن يعد البواب بألف جنيه أخرى في الزيارة القادمة على أن يضع تصرفات فاتن تحت عينيه.. لكن المفاجآت تتلاحق في اليوم السابع وبدأت بمكالمة تليفونية من عم خضر البواب تلقاها حمدي بمنتهى الدهشة: يا بيه هو انت جاي الليلة؟! أيوه يا خضر.. الساعة حداشر!.. استناني.. الأمانة جاهزة؟ بس يا بيه أنا ملاحظ حاجة غريبة.. ثلاثة من ضباط الشرطة صعدوا شقة الست فاتن ولسه ما منزلوش.. قلت أقولك يمكن تأخر الميعاد شوية! تنهد حمدي بحرقة.. أدرك الكمين المعد له.. تصرف بسرعة.. أخبر البواب أنه لن يمكنه الحضور متأخرا وسوف يؤجل الميعاد عدة أيام.. ورد البواب بمفاجأة ثانية: الست فاتن لن تكون موجودة.. لأنها باعت سيارتها قبل يومين.. وباعت شقتها في العمارة على أن يتسلمها المالك الجديد أول الشهر.. وسمعتها تقول أنها مسافرة للخارج ومنحتني مرتب الشهر قبل نهايته!! ما سمعتش ميعاد السفر؟! بكرة الساعة أربعة العصر.. هي طلبت مني أجهز لها تاكسي الساعة أربعة علشان يوصلها مطار الإسكندرية؟ عموما.. ستصلك الألف جنيه الليلة.. اذهب الساعة حداشر للكافيه الذي جلسنا فيه من قبل وسيقابلك هناك شخص ليسلمك الأمانة! كانت الدماء تغلي وتفور في عروق حمدي.. تخيل البوليس يقبض عليه في شقة فاتن ثم مغادرتها للبلاد في الغد.. لم يذهب إليها في الموعد المحدد.. وانصرف الضباط في الفجر واتهموا فاتن بالبلاغ الكاذب وإزعاج السلطات وأنها لا تعرف تليفون أو عنوان الشخص الذي اتهمته بأنه يفرض عليها إتاوة وإلا قتلها فاختبأوا في شقتها قبل الموعد بثلاث ساعات وحتى ست ساعات أخرى بعد الموعد لم يظهر فيها هذا الشخص؟ الساعة الرابعة عصر اليوم التالي انطلق التاكسي بفاتن وحقيبة سفرها الكبيرة.. وفي طريق الكورنيش كان حمدي متنكرا داخل سيارته يقترب رويدا رويدا من السيارة الأجرة.. وحينما تجاورت السيارتان نادى حمدي على فاتن من النافذة.. وما أن التفتت إليه حتى أطلق عليها ثلاث رصاصات هشمت رأسها!.. ورغم أن حمدي كان قد نزع اللوحات المعدنية من سيارته إلا أن ضابطا بالقوات البحرية تمكن من إطلاق النار على إطارات سيارته فتوقفت ليهرع نحوه الناس ويمسكون به أثناء محاولته الهرب؟.. أما فاتن فكانت قد فارقت الحياة في التو واللحظة؟ اعترف حمدي تفصيليا في التحقيقات واضطر أن يذكر دور البواب الذي ناله من البهدلة قدرا هائلا وإن كانت النيابة قد أدركت أنه ساعد المتهم حمدي بحسن نيه ولم يتوفر له قصد جنائي في جريمة القتل وبالتالي لم تحله الى المحاكمة.. أما حمدي فقد وقف أمامنا يروي قصته بالتفصيل مؤكدا على أنه لا يدافع عن نفسه فهو قاتل مع سبق الإصرار ويستحق الإعدام.. لكن هدفه من التفصيلات التي أصر عليها أن تصل الى كل إنسان يقع أسيرا لكأس خمر أو يرتاد البارات أو تستغفله امرأة تحت وهم الحب أو العشق.. ثم قال حمدي كلمات لازالت محفورة في ذاكرتي حتى الآن: أنا يا حضرات المستشارين.. لا أخاف حبل المشنقة!!.. هل تعلمون لماذا؟!.. لأنني سوف أتذكر حينما يلتف حبل المشنقة حول عنقي قصتي مع سيدة البار التي أضاعتني.. وشردت أخوتي اليتامى.. الموت كان جزاء لها.. والموت سيكون رحمة بي من عذاب الضمير! وأصدرنا الحكم بإعدام حمدي.. وتقبله في هدوء.. وفتح مصحفا كان يحمله وراح يقرأ فيه والحراس يقودونه الى عربة الترحيلات؟!