"تحتاج تركيا إلي مصر بقدر ما تحتاج مصر إلي تركيا؛ ومن ثَمَّ يصعب الحديث عن دور تنافسي علي الزعامة في المنطقة؛ فكلتاهما دولتان قويتان ولهما عناصر قوة مختلفة ومتفقة علي مستويات عدة يمكن أن تحقق توازنًا في القوي يحول دون أن يطغي أي منهما علي دور الآخر ومكانته". هذا ملخص ما كتبه الدكتور"برهان كورأوغلو" الأستاذ بجامعة اسطنبول، عقب زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان للقاهرة العام الماضي، وكان أيضا محور الزيارة الخاطفة التي دعا إليها اتحاد مصدري الصلب التركي»CIB« عددا من الصحفيين في الصحف المصرية لزيارة أكبر مصانع الحديد والصلب في تركيا ومشاهدة التجربة التركية عن قرب، والتي سبقها زيارة أخري لأهم مستوردي الحديد التركي من المصريين . خلال زيارة مقر الاتحاد الذي يقع بقلب اسطنبول، التقينا بالصدفة مع احمد الوكيل رئيس اتحاد الغرف التجارية الذي كان مرافقا لوزير النقل المصري خلال توقيع اتفاقية "ميرسين" لتسيير خط ملاحي بين مصر وتركيا، ويبدو أن تركيا أصبحت وجهة رجال الأعمال والتجارة في مصر،وهو ما أكده أيضا رئيس اتحاد مصدري الصلب التركي "ناميك إيكنسي" بقوله ان مصر وتركيا يجمعهما تاريخ مشترك وقيم تراثية ومدنية واحدة مما يزيد من قوة العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، وهو ما أدي إلي توقيع 52 اتفاقية للتعاون في شتي المجالات، وقال ان ما تحقق للبلدين منذ عام 2005 عقب ابرام اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين تطور حتي بلغت قيمته 14.4مليار دولار في عام 2011. مشيرا إلي ارتفاع الطلب علي الحديد التركي في مصر بنسبة 30٪ خلال الربع الأول من العام الحالي مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، ويعتبر أن هذا دليل علي بدء تعافي الاقتصاد المصري من أزمات مابعد الثورة، كما أن مصر هي أهم مصدري الفولاذ المسطح إلي تركيا، وهي تحتل المرتبة الخامسة في اكبر الدول التي تجمعها شراكة قوية مع تركيا في قطاع الحديد،كما يتم استيراد الأرز والقطن والكربون والنفط ومشتقاته ورمل الزجاج والفوسفات وألياف الحياكة ومواد الأقمشة والمواد الكيميائية والآلات غير الكهربائية من مصر، بينما تصدر تركيا إلي مصر السيارات وقطع الغيار والحديد والفولاذ والألياف الصناعية والمنتجات البلاستيكية والمعدنية والفاكهة والخضراوات! التجربة التركية وقال" إيكنسي" أن استهلاك الصلب التركي خلال عام 2011 بلغ 27 مليون طن بينما بلغت الصادرات 20 مليون طن، وهذا القطاع لا يقدم فقط 23 مليار دولار من بدائل المستورد، لكنه يساهم أيضا بنحو 40 مليار دولار في ميزان المدفوعات في تركيا.، فهو يصدر الفولاذ ومنتجاته إلي 180 دولة بالعالم، وأصبحت تركيا تحتل المرتبة العاشرة في العالم في انتاج الفولاذ والمرتبة السابعة عالميا في تصدير حديد التسليح، وهذه النتائج التي تحققت عبر اصلاحات اقتصادية بدأت بذورها عام 1980 مع اهتمام الرئيس "تورجوت أوزال "بالتركيز علي التصدير باعتباره أفضل سبيل لتطور الاقتصاد وتقوية القطاع الخاص وتطوير امكاناته وقدراته ليصبح قادرا علي تحديات التصدير، وبعد أن كانت أغلب الصادرات التركية من المنتجات الزراعية ولا تتجاوز 2 مليار دولار، أصبحت الآن في جميع المجالات وتتجاوز 30 مليار دولار، وبعد معاناة طاحنة وأزمات اقتصادية خانقة خلال أعوام 4991، 6991،1002 وصلت بنسبة التضخم إلي 70٪ وأبقت معدل نمو لا يتعدي 2.6 ٪، بدأ انخفاض معدل التضخم تدريجيا ليصل الآن إلي اقل من 10٪ وارتفع معدل النمو إلي 7.3٪ وبعد أن كانت تركيا تقترض باستمرار من المؤسسات الدولية وتعجز عن سداد ديونها فتعاود الاقتراض بنسب فائدة مرتفعة، وتقبل مايتبع هذه القروض من تدخلات في نظامها الإداري والاقتصادي، قررت التوقف عن الاقتراض نهائيا، وتخلصت من أعباء القروض وتحولت ديونها إلي نسبة سالبة في ميزانيتها تقل حتي عن دول الاتحاد الأوروبي الذي تسعي بجدية للانضمام اليه! كل هذا تحقق خلال 10 سنوات بدأت مع تولي "أردوغان" مسئولية الحكومة وتبنيه سياسة الانفتاح علي العالم خاصة علي الشرق، والتخلص من أعباء المؤسسات الاقتصادية الفاشلة وتحويلها إلي القطاع الخاص بشرط تحقيق نجاح ملموس واستيعاب العمالة الزائدة في مؤسسات الدولة ، ونجح في تحويل أعباء 30٪ من موظفي الدولة إلي القطاع الخاص، ووصل حجم الفائض في ميزانية الدولة حاليا إلي 90 مليار دولار! مدن الحديد! بين 30 شركة تصنع منتجات الفولاذ التركي تمكنا من زيارة 3 مصانع في مدن مختلفة تصدر إنتاجها إلي مصر،كان أكبرها مصنعIsdemir الذي يقع في مدينة "اسكندرون "بأنطاكيا واستغرق الوصول اليه ساعتين بالطائرة وساعتين بالسيارة من المطار! وهو مدينة صناعية كاملة لمنتجات الفولاذ تأسست عام 1975 يصل إنتاجها إلي 5.250 مليون طن سنويا، وتتميز بغاباتها الكثيفة واهتمامها بالبيئة وزراعة الزهور وكأنها مدينة سياحية خالية تماما من التلوث! وعلي مقربة منها تقع مدينه أخري لتصنيع الحديد والفولاذ هي "ايكينجيلار" التي تخصصت في إنتاج حديد التسليح وأنتجت نوعا مقاوما للزلازل، وهي تتبني أيضا استخدام التكنولوجيا الصديقة للبيئة وتضم معمل درفلة ومصنع إنتاج الأوكسجين ومنشآت تجميع وتنقية الغبار وميناء لتحميل وتفريغ السفن ومعامل لضبط الجودة، وتنتج 1.2 مليون طن سنويا ، بينما كانت مدينة الحديد الثالثة هيIcdas التي تقع بمنطقة "بيجا" في انطاليا علي بحر مرمرة، وكان الوصول إليها برحلة خاصة بالطائرة الهليكوبتر، وهي محاطة بسلاسل الجبال والمرتفعات وتضم مجتمعا متكاملا يضم قري لسكن العاملين بها ومناطق زراعية ومناطق لتربية الحيوانات ومحطة لتحلية مياه البحر ومحطة إنتاج كهرباء، وميناء للتصدير ومحطة لتصنيع السفن، ومصنعا لإنتاج الأوكسجين، وتنتج 5.5 مليون طن سنويا من الحديد، وهي مدينة تعتمد علي ذاتها في كل شيء ولا تحتاج أي شيء من خارجها! وترتبط هذه المدن الصناعية ارتباطا وثيقا بالبحر وتمتلك موانيها الخاصة التي تسهل تصدير منتجاتها إلي دول العالم، وكلها تعاني من ارتفاع تكلفة الطاقة اللازمة للإنتاج، والتي تصل إلي ضعف تكلفة الطاقة في مصر! تصدير الخبرة تحاول السياسة الخارجية التركية الاستفادة من الجاذبية التي يحظي بها "النموذج التركي" في العالم العربي، باعتباره نموذجا استطاع إحداث توازن بين الإسلام ومدنية الدولة، واستطاع الخروج من المأزق الاقتصادي بسلام أيضا، ورغم إعلان رئيس الوزراء" أردوغان "أن تركيا لا تستهدف تصدير "النموذج التركي" إيمانًا منها بأن كل دولة وحدها هي القادرة علي إنتاج نموذجها الخاص، وأن تركيا يمكنها فقط تقديم يد العون إلي أصحاب المشروعات الوطنية بما تملكه من خبرات في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن نظرة رجال الصناعة في تركيا - خاصة منتجي الحديد- تركز علي التجارة والاستثمار أولا، وتري أن مصر هي بوابة الدخول إلي أفريقيا لتحقيق مزيد من النمو في الصادرات التركية، وأن مامرت به تركيا في أزماتها السياسية والاقتصادية مشابه لما تمر به مصر الآن، وبالتالي فإن الخبرة التي يمكن استيرادها أيضا من تركيا قد تجعل الخروج من الحالة الراهنة أكثر سهولة، وتحقيق الاستقرار السياسي بفعل الديمقراطية لابد أن ينعكس ايجابيا علي الاقتصاد ويسهم في الوصول إلي الأهداف الرئيسية للثورة المصرية . ويبلغ حجم الاستثمارات التركية في مصر نحو 1.5 مليار دولار في قطاعات المنسوجات والصناعات الغذائية والصناعات الدوائية والتعدين والسياحة، وهي مرشحة للزيادة مع استقرار الأوضاع السياسية. ويبقي الأهم هو التعلم من الخبرة التركية مهارة استغلال كل الامكانات الممكنة لصالح الوطن قبل الأشخاص.