لكن العلاقات بين مصر والسعودية لا تقاس بذلك، أي بما يروج من أخبار ممنهجة أو بمواقف بعض الشخصيات، سواء كانت هذه الشخصيات كتابا وصحفيين، أو سياسيين منذ أن رحل الملك عبدالله وصار شقيقه الملك سلمان هو خادم الحرمين الجديد والتوقعات والتنبؤات التي تصدر الينا لا تتوقف عن تغير سوف يحدث في العلاقات المصرية السعودية، خاصة فيما يتعلق بموقف السعودية من الأخوان.. غير أن هذه التوقعات والتنبؤات زادت أكثر مؤخرا استنادا الي مارددته مواقع الكترونية بمناسبة الزيارة الثانية لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل الي الرياض خلال فترة قصيرة، واعتزام راشد الغنوشي عضو مكتب ارشاد التنظيم الدولي للإخوان زيارة العاصمة السعودية لمطالبة الملك سلمان بالتدخل لانقاذ حياة قادة الاخوان في مصر، ومنع تنفيذ الاحكام القضائية التي تقضي بإعدامهم، وهي بالمناسبة ليست احكاما باتة، أي ليست قابلة للتنفيذ الآن.. وتزامن ذلك مع الترويج لاخبار لم تتأكد من قبيل دعاء امام المسجد النبوي علي القادة المصريين ودفاع وزير الاوقاف السعودي عن رفع شارة رابعة، بل عن فكر جماعة الإخوان. وهكذا يبغي مروجو كل هذه الاخبار الايحاء بأن ثمة انقلابا يحدث الآن في العلاقات المصرية السعودية، ينقل السعودية من موقف الداعم لمصر كما كان الحال عشية عزل مرسي والاطاحة بحكم الاخوان الي موقف وصفه كاتب سعودي شهير يتجاوز الاخوان، أو لا يجعل منهم حائلا امام التحرك السعودي في المنطقة سعيا وراء اقامة حلف واسع من دول وقوي وجماعات يواجه التمدد الايراني فيها بما يهدد المصالح العربية والأمن القومي العربي. لكن العلاقات بين مصر والسعودية لا تقاس بذلك، أي بما يروج من أخبار ممنهجة أو بمواقف بعض الشخصيات، سواء كانت هذه الشخصيات كتابا وصحفيين، أو سياسيين ومسئولين، او دعاه ورجال دين.. وانما يجب ان نعي في البداية مجموعة من الحقائق المهمة التي تسهم في صياغة علاقة مصر والسعودية وعلي رأس هذه الحقائق او ما يجمعهما استراتيجيا معا، خاصة الآن، اكبر مما قد يفرقهما.. فان البلدين يواجهان ذات الاخطار، وتحديدا اخطار الإرهاب الذي لم تسلم منه البلدان، والذي ايضا هو ابن شرعي للتطرف الديني التي كانت جماعة الاخوان المصدر الاساسي له في منطقتنا، خاصة وانها تأسست قبل ثمانية عقود مضت وهي بمثابة تنظيم دولي له تنظيماته المنتشرة في كل بلاد المنطقة.. وهذا ما أدركته السعودية مبكرا عندما ادركت خلال غزو صدام للكويت ان جماعة الاخوان خانت اليد التي امتدت اليها كما أعلن ذلك والد ولي العهد السعودي الحالي.. ولذلك لم يكن مفاجئا ان تعلن السعودية في عهد الملك عبدالله الاخوان جماعة إرهابية، أو ان تحيل في عهد الملك سلمان مذيعا في احدي القنوات الفضائية وضيفا للتحقيق بسبب الهجوم علي سياسة الملك الراحل عبدالله تجاه الاخوان. غير ان هذا الذي يجمعنا استراتيجيا لا يعني ان ثمة تطابقا في رؤانا وخطانا التكتيكية.. التطابق التكتيكي مستحيل وجوده بين الدول الا في حالات نادرة وأوقات محدودة، بل إنه من الامور التي يتعذر وجودها حتي داخل الدولة الواحدة.. ولعل الخلاف الحاد الدائر الآن بين الرئيس الامريكي أوباما والجمهوريين في الكونجرس حول الاتفاق النووي الايراني خير شاهد علي ذلك.. ومن هنا علينا ان نتقبل اية خلافات تكتيكية في الرؤي والخطي السياسية بيننا وبين السعوديين مادامت لا تؤثر علي مواقفنا الاستراتيجية ولا تهز بمصالحنا المشتركة.. فاذا كانت مواقفنا لا تتطابق تجاه سوريا مثلا او اليمن وربما قطر ومعها حماس، فأننا يجب ان نحرص علي الا يؤثر ذلك علي خطانا تجاه الارهاب وتجاه الاختراقات التي تحدث من قبل قوي اقليمية لامننا القومي.. أي يجب التمسك بما يجمعنا حتي ولو كان ثمة خلافا في الرؤي والخطوات التكتيكية.. ان العلاقات بين الدول تحتاج دوما للعناية والرعاية للحفاظ عليها.. واذا كنا نستعد الآن لحوار استراتيجي مع امريكا ونحن نعلم تواطؤ ادارتها في المؤامرة الاخوانية ضدنا، فما بال علاقتنا مع شقيق مهم مثل السعودية. وعلينا ان نتفهم بدون انزعاج وجود اصوات مختلفة داخل البلدين عن السياسة العامة الرسمية والمعلنة لكل من البلدين.. فهذا أمر لا يمكن تجنبه، ولا يجب اعتباره مؤشرا علي حدوث انقلاب علي علاقات البلدين، خاصة وان كليهما يدرك ما تعنيه الامور الاساسية الخاصة بهما.. فان مصر تدرك ما يمثله التمدد الايراني من خطر علي السعودية.. والسعودية تدرك بدورها ما يمثله الخطر الاخواني علي مصر.. وهذا أمر لا لبس فيه ولا مجال لمراجعته.