لم يعد التلوث أزمة بيئية فقط؛ إذ تشير التقارير الدولية إلى أنه أصبح تهديدا مباشرا على صحة الأجيال الجديدة، وتتزايد التحذيرات من تأثيراته والتأثيرات الأخرى المتنامية للبيئة غير الصحية على الأطفال. وبمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للصحة اليوم، نستعرض خلال هذا التقرير تأثير البيئة غير الصحية على الأطفال، وتقديم طرق بسيطة لحمايتهم، تضامنا مع شعار منظمة الصحة العالمية لهذا العام "معا من أجل الصحة.. ادعموا العلم"، من خلال تصريحات خاصة ل "الشروق" تقدمها الدكتورة يمنى شاهين، أخصائي طب الأطفال وحديثي الولادة. خطورة البيئات غير الصحية على الأطفال تقول الدكتورة يمنى إن التغيرات المناخية والعوامل البيئية المختلفة أصبح لها تأثير واضح وقوي على صحة الأطفال، حيث نلاحظ ارتباطها بانتشار عدد من الأمراض، وعلى رأسها أمراض الجهاز التنفسي والهضمي، إلى جانب بعض الاضطرابات المناعية. وتضيف أن أمراض الصدر المزمنة لدى الأطفال باتت أكثر شيوعا، فضلا عن انتشار حساسية الصدر والأنف والتهابات الجيوب الأنفية بشكل ملحوظ، ولا تتوقف هذه المشكلات عند حدود الأعراض الجسدية فقط، بل تمتد لتؤثر على نوم الأطفال وجودة حياتهم اليومية، وكذلك على تحصيلهم الدراسي ونموهم العقلي والفكري. وتوضح أن تأثير التلوث لا يقتصر على الجهاز التنفسي، بل يمتد إلى القدرات الذهنية، مشيرة إلى وجود دراسات عديدة أثبتت أن التعرض لبعض الملوثات مثل ثاني أكسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون يمكن أن يؤثر سلبا على الذاكرة والتركيز لدى الأطفال، بالإضافة إلى أن كثيرا من أولياء الأمور باتوا يترددون على العيادات بأطفال يعانون من كحة مستمرة وصعوبة في التنفس ونوبات حساسية متكررة، وهي أعراض ترتبط بشكل كبير بالتعرض المستمر لمصادر التلوث. بيانات تؤكد المخاطر وتتفق هذه التصريحات مع بيانات منظمة الصحة العالمية التي تشير إلى أن البيئات غير الصحية تتسبب سنويا في وفاة نحو 1.6 مليون طفل دون سن الخامسة، وهي وفيات يمكن الوقاية من نسبة كبيرة منها من خلال تحسين جودة البيئة. وكذلك توضح منظمة اليونيسف أن الأطفال هم الفئة الأكثر تأثرا بتلوث الهواء مقارنة بالبالغين، حيث لا تزال أدمغتهم ورئاتهم في طور النمو، كما أن جهازهم المناعي أضعف، الأمر الذي يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالعدوى والأمراض، فضلا على أن الأطفال يتنفسون بمعدل أسرع من البالغين، ويستنشقون كميات أكبر من الهواء بالنسبة إلى حجم أجسامهم، وغالبا ما يكونون أقرب إلى سطح الأرض، حيث ترتفع تركيزات بعض الملوثات، وبالتالي يزداد حجم تعرضهم للخطر. وترتبط ملوثات الهواء بعدد من الأمراض، مثل الالتهاب الرئوي، والتهاب الشعب الهوائية، والربو، كما يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الحالات المرضية الموجودة بالفعل، وتؤثر سلبا على النمو البدني والإدراكي للأطفال. ولا تتوقف التداعيات عند مرحلة الطفولة فقط؛ إذ تشير التقارير إلى أن التعرض المبكر لتلوث الهواء قد يترك آثارا ممتدة مدى الحياة، حيث يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض تنفسية في مراحل لاحقة، فضلا عن تأثيره على المسار التعليمي للأطفال نتيجة الغياب المتكرر عن الدراسة. نصائح بسيطة تساعد في الوقاية ورغم صعوبة السيطرة الكاملة على تلوث البيئة، فإن الدكتورة يمنى تشدد على إمكانية تقليل المخاطر من خلال بعض الإجراءات اليومية، حيث تنصح الأهالي بإمكانية تقليل تعرض أطفالهم للتلوث من خلال تجنب التواجد في الأماكن ذات نسب التلوث المرتفعة مثل المناطق القريبة من المصانع. كما تنصح أخصائي طب الأطفال وحديثي الولادة بالحرص على شرب السوائل الدافئة التي تساعد الجسم على التخلص من السموم، وارتداء الكمامات في الأيام التي تزداد فيها الأتربة، بالإضافة إلى اتباع نظام غذائي متوازن يدعم مناعة الطفل، لكن يظل من المهم دائما محاولة تحسين البيئة المحيطة بالأطفال، وتقليل تعرضهم لمصادر التلوث، لما لها من خطوة أساسية لحماية صحتهم، وضمان نموهم بشكل سليم، وهو ما يتطلب تضافر الجهود بين الأفراد والمؤسسات على حد سواء.