محافظ الفيوم يستقبل وفد مجلس إدارة نادي القضاة للتهنئة بتجديد ثقة القيادة السياسية    طلاب الجامعة الأمريكية بالقاهرة يجهزون 6000 كرتونة مواد غذائية خلال رمضان (صور)    رئيس جامعة مدينة السادات: نعمل على تنفيذ خطط التطوير وفق جداول زمنية محددة    رئيس الوزراء: تكليفات بمتابعة الأسواق ميدانيا للتأكد من توافر السلع بأسعار مناسبة    فرامل طوارئ.. بريطانيا توقف إصدار تأشيرات الدراسة لمواطنى 4 دول    أكثر من 9000 مواطن أمريكي عادوا خلال الأيام القليلة الماضية من الشرق الأوسط    أرتيتا يرد على سلوت بعد تقليله من أهمية الكرات الثابتة بالبريميرليج    برشلونة يكشف عن إصابة كوندي وبالدي    الرياضية: مدافع أهلي جدة يغيب عن الدربي    كاف يعلن توقيت وموعد مباراتي بيراميدز الجيش الملكي في دوري أبطال أفريقيا    أدوية منتهية الصلاحية ب "الملايين".. الداخلية تضرب مافيا السموم الدوائية    الصحفيين تفتح باب التقدم لمسابقة يحيى زهران للإخراج الصحفي    عروض بالعرائس والأراجوز للأطفال داخل محطة مترو جامعة القاهرة    محافظ الوادي الجديد تتابع التجهيزات النهائية بمستشفى الداخلة الجديد    محافظ الدقهلية: 1341 مواطنا استفادوا من القافلة الطبية المجانية بقرية أبو جلال    «هاشم» يعلن آلية جديدة لربط مخرجات البحث العلمي باحتياجات الصناعة    ذا أثليتك: رودريجو لعب وهو مصاب بقطع جزئي في الرباط الصليبي منذ 2023    الرئيس السيسي يؤكد الأهمية القصوى للحفاظ على أرصدة استراتيجية آمنة من المنتجات البترولية    الحبس عامين لعامل بالإسكندرية تعدى على والده بالضرب    رحيل فارس البلاغة.. أحمد درويش من الكتّاب إلى مدرجات الجامعة    قناة عبرية: اغتيال رحمن مقدم قائد العمليات الخاصة بالحرس الثورى الإيرانى    حجز طالب قتل زميله بعدة طعنات فى مصر الجديدة 24 ساعة لإجراء التحريات    الصحة: إغلاق 34 منشأة نفسية مخالفة وتكثيف حملات الرقابة لحماية حقوق المرضى    الجيش السوري يعزز انتشاره على طول الحدود مع لبنان والعراق    إيران تحذر الدول الأوروبية من دعم الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي على طهران    باستخدام أوناش المرور.. رفع 37 سيارة ودراجة نارية متهالكة    قبول استنئاف عاطل وتخفيف الحكم إلي المشدد 3 سنوات في حيازة المخدرات بالازبكية    النائب العام يحيل 6 متهمين للمحاكمة لتلقيهم أموالًا من الجمهور بزعم توظيفها    وزير الخارجية يستقبل رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة    الري: التوجيه باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال الآبار الجوفية المخالفة    طلب إحاطة ل مدبولي ووزير الرياضة بسبب نقص مراكز الشباب بالإسكندرية    الأحد.. قصور الثقافة تطلق ثالث فعاليات مشروع "مقتطفات حرفية" بالإسكندرية    بيان عاجل بشأن نقص السلع التموينية بعد صرف منحة التموين    شريف فتحي: لا توجد إلغاءات في الحجوزات السياحية ومصر تنعم بالأمن والاستقرار    أيمن زهري: خبرة السكان والهجرة تعزز رؤية القومي لحقوق الإنسان    نائب وزير الصحة تعقد اجتماعًا لمتابعة مؤشرات تنمية الأسرة ومستهدفات القضية السكانية    فتح باب تلقي أعمال مسابقة يحيى زهران للإخراج الصحفي    الحلقة الأخيرة من كان ياما كان.. هل يعود الكدوانى لطليقته يسرا اللوزى؟    انعقاد الملتقى الثاني للطلاب الوافدين عن «دور المرأة في تنمية الوعي المجتمعي»    تحالف مؤسسي لدعم الطفولة المبكرة وبناء جيل المستقبل    مرموش يقترب من الرحيل عن مانشستر سيتي.. صراع إسباني محتمل لضمه في الصيف    «مصر السيادي» يدعو بنوك الاستثمار للتقدم بعروض لإدارة طرح 20% من «تأمينات الحياة»    جيل جديد في المجلس القومي لحقوق الإنسان.. محمد جمال عثمان نموذجًا    محافظ الإسكندرية ووزير النقل يتابعان الموقف التنفيذي لمشروع تطوير ترام الرمل    وزيرا الصحة والتعليم العالي يبحثان إدراج المستشفيات الجامعية في منظومة التأمين الصحي الشامل    الطيران الإسرائيلى يبدأ موجة غارات على طهران    مصر تكثف اتصالاتها مع وزراء خارجية السعودية والإمارات وعمان وسوريا لمتابعة التطورات الإقليمية    موعد أذان المغرب فى اليوم الرابع عشر من شهر رمضان بالمنوفية    عمرو سعد: "أنا الأعلى قيمة تسويقية في العالم العربي ومش شايف صراع ولا منافسة"    رمضان.. زاد المسيرة    تسمم أسرة بالغاز داخل منزلهم بعزبة المصاص في المنيا    «مفتاح العودة».. «صحاب الأرض» يغلق حكايته بوثائقي عن رحلة نجاة أطفال غزة للعلاج في مصر    رئيس قطاع المعاهد الأزهرية يهنئ الإمام الأكبر بعد فوز طلاب الأزهر بجائزة دبي للقرآن    بين الانقسام والهروب.. الدولة تقترب من «رأس الأفعى»    نجوم «دولة التلاوة» يواصلون إحياء الليلة الرابعة عشرة في المساجد الكبرى    "الإهمال الطبي " سياسة ممنهجة لقتل الأحرار .. استشهاد المعتقل إبراهيم هاشم بعد اعتقالٍ امتد 11 عامًا    الزمالك يفوز على البنك الأهلي في دوري المحترفين لكرة اليد    إيفرتون يحقق فوزا ثمينا أمام بيرنلي في الدوري الإنجليزي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمود الورداني يكتب عن‏(‏ أبو عمر المصري‏)‏
الرجل الذي خسر كل شيء‏!‏

يعود عز الدين شكري في روايته الاخيرة أبو عمر المصري الصادرة عن دار الشروق إلي عالمه الأثير‏,‏ والذي استغرق أربعة أعمال روائية هي مقتل فخر الدين عام‏1995,‏ و‏:‏ أسفارالفراعين‏1999,‏ و غرفة العناية المركزة عام‏.2008‏ في الروايات الأربع تتكرر الشخوص وبعض الأحداث والوقائع‏,‏ فعلي سبيل المثال‏,‏ سبق لشكري في روايته قبل الأخيرة غرفة العناية المركزة أن اتخذ من حادث تفجير جماعات الاسلام السياسي للقنصلية المصرية في الخرطوم‏
‏ وهو حادث متخيل بطبيعة الحال مفصلا أساسيا انطلق منه‏,‏ وفي أبو عمر المصري يستعيد الحادث نفسه‏,‏ وكثير من الشخوص مثل المسئول الأمني أحمد كمال والمحامية داليا الشناوي والصحفي أشرف فهمي وغيرهم‏.‏
ومع ذلك لا يكتب شكري نصا واحدا طويلا‏,‏ وقد أتيح لي أن أقرأ العملين الأخيرين علي التوالي‏,‏ وأستطيع أن أقرر باطمئنان أنه من بين مآثر الكاتب قدرته علي كتابة عملين بينهما كل تلك الوشائج‏,‏ ومع ذلك فإن كلا منهما يحتفظ باستقلاله‏.‏
من جانب أخر‏,‏ فإن مشروع شكري وطموحه الفني ودأيه علي الكتابة واخلاصه لها بلا حدود‏.‏ أبو عمر المصري مثلا يمتد المسرح الذي تدور عليها احداثها من مصر الي السودان الي كينيا الي باريس الي افغانستان وباكستان‏,‏ علي مدي ما يقرب من‏400‏ صفحة من السرد المتدفق العابر للحدود والقارات‏,‏ ومن البشر المختلفين المتنوعين بنوازعهم ومآزقهم وهزائمهم المتوالية‏.‏
والحقيقة أن شكري ينفرد بين الروائيين المصريين بدرايته العميقة بعالم تنظيمات الاسلام السياسي‏,‏ لكن صدقه الفني لا يوقعه في الحبائل السهلة السطحية والمطروحة علي نحو مجاني‏,‏ لإدانة الارهاب‏,‏ بل يقوده هذا الصدق وهو أثمن ما يملكه أي كاتب نحو فهم هؤلاء الارهابيين بوصفهم بشرا‏,‏ ويغوص بعمق في دواخلهم‏.‏ بعبارة أخري ليس هناك عالم نمطي وسابق التجهيز ينطلق منه الكاتب‏,‏ بل يمنح شخوصه حرية الحركة وفق المعطيات الموجودة بالفعل‏.‏
استخدام الكاتب البناء الدائري‏,‏ أي أنه بدأ من مشهد الهروب الكبير لفخر الدين وابنه عمر من السودان عبر الصحراء‏,‏ وانتهي إليه في آخر صفحات الرواية‏,‏ وبين مشهد البداية‏,‏ وهو نفسه مشهد النهاية‏,‏ تتلاطم المصائر وتتصادم منذ اللحظة التي يتصيد فيها قناصو الأمن عيسي النجار باعتباره فخر الدين‏,‏ ويهرب الأخير ويظل طوال عمره هاربا‏.‏
وفي عمل بهذا الحجم‏,‏ ليس فقط عدد صفحاته‏,‏ بل المساحة الهائلة التي تحرك الكاتب عليها‏,‏ استخدم الكاتب كل الحيل والأساليب الروائية‏,‏ مثل الخطابات المتبادلة بين ناصر وفخر الدين‏,‏ وومضات الفلاش باك‏,‏ والمشاهد القصيرة المتتالية‏,‏ والمعلومات والوقائع والأحداث المعروفة والموثقة‏(‏ مثل حادث غرق العبارة في بحيرة فيكتوريا وكان علي متنها بعض عناصر الاسلام السياسي‏).‏ كل هذا منح عمله حيوية وتدفقا ومتعة يستشعرها القاريء‏,‏ فضلا عن استخدام الضمائر المختلفة‏.‏
أبو عمر المصري رواية الأحداث الكبري والشخوص القادرين علي النهوض بهذه الأحداث بكل تناقضاتهم وهواجسهم واختياراتهم وما أجبروا عليه أيضا ففخر الدين أجبر علي الهرب منتحلا اسم عيسي النجار الي باريس‏,‏ بل والتحق بدراسة الحقوق مثلما كان مقررا لعيسي‏,‏ وفي باريس لا يلتقي فقط بأفراد من جماعات الاسلام السياسي‏,‏ حيث يرتبط مصيره بمصير تلك الجماعات الي الأبد‏,‏ بل التقي أيضا بحبيته شيرين التي سبق لها أن هجرته لتتزوج من دبلوماسي يعمل في السفارة المصرية بباريس‏.‏
وهنا اتسعت الرواية وسوف تظل تتسع‏,‏ بل وربما أفلتت من الكاتب بعض الخيوط‏,‏ كما سوف أحاول أن أوضح بعد قليل‏,‏ وخصوصا ظهور شخصية هند القدسي الفلسطينية عندما يرحل فخر الدين الي افغانستان‏,‏ وما تلاها من أحداث ووقائع انتقام فخر الدين ممن قاموا بقتل كل من يعرفه‏,‏ إما مباشرة أو بطريق غير مباشر‏.‏ قتلوا يحيي ابراهيم في سجن أمن الدولة وهو في الجامعة‏,‏ وقتلوا الكثير من رفاقه في حرب الخليج هكذا دون تمييز أرسلوا إلي ميدان معركة لم يختاروها فمات من مات وعاد من عاد‏.‏ ثم حاولوا قتله هو عدة مرات وقتلوا عيسي‏.‏ ثم قتلوا علي‏.‏ وعمر فارس‏.‏ وأفلت منهم حسين بثمن باهظ هؤلاء هم ضحايا القتل المباشر‏,‏ لكنهم أيضا قتلوا شيرين وناصر والبحيري‏,‏ وغيرهم كثيرين‏.‏ سدوا عليهم النوافذ والأبواب والسبل فذبلوا‏,‏ وظلت أعوادهم تجف حتي سقطت من تلقاء نفسها‏.‏
وهكذا حمل فخر الدين علي كتفيه عبئا لا يمكن للبشر احتماله‏,‏ فقد ماتت حبيبته شيرين بين يديه بعد أن أنجبت له عمر‏,‏ لكنه لم يستطع احتمال عمر وألقي به نحو ستة عشر عاما عند الأخوة‏,‏ حيث اعتدي عليه صديقه ورفيقه في الكفاح أبو حمزة‏,‏ والولد تم تشويهه تماما وكره أباه وكره الأخوة‏,‏ بل وأبلغ عنهم الأمن في السودان‏.‏ كل هذه القسوة لا يمكن احتمالها‏,‏ وكل هذا التوحش المجاني والخراب الذي طال الجميع صنع من فخر الدين شخصية تراجيدية بامتياز‏.‏
وفي أعقاب الحادث المتخيل لتفجير القنصلية المصرية‏,‏ ألزمت سلطات الأمن في السودان الأخوة بالرحيل فقد تجاوزوا الخط الأحمر‏,‏ وهكذا رحل فخر الدين ورفيق كفاحه حسين‏(‏ وسيعتدي هذا الأخ فيما بعد علي عمر ابن فخر الدين والوديعة التي ائتمن فخر الدين صديقه ورفيقه عليها‏)‏ رحل كلاهما الي افغانستان وإذا كان حسين الذي سيتحول الي‏(‏ أبو حمزة المصري‏)‏ قد انخرط في تنظيمات الارهاب بكليته‏,‏ فإن فخر الدين ظل لديه اليقين أن تصفية حسابه مع من قتلوا أحباءه لن تكون إلا بعودته الي مصر‏.‏ وبالفعل عاد‏,‏ وبالاتفاق مع الأمن اشتري السيارة الريجاتا التي صحبته في كل العمليات التي قام بها بمساعدة هند القدسي لتصفية قاتليه من رجال القضاء والنيابة والأمن بل وكل من تصور أنهم مسئولون عما حاق به‏,‏ ويرصد شكري علي نحو بالغ الرهافة والحساسية تحولات فخر الدين من باحث عن العدالة الي قاتل‏.‏
أظن أن الجزء الذي يتناول فيه الكاتب وقائع انتقام فخر الدين أفلت من يده‏,‏ مثلما بدت في ظني شخصية هند القدسي مفتعلة وجاءت كسنيد لفخر الدين دون أن تكون قادرة علي الاستقلال عن الاثنين معا‏,‏ أي فخر الدين والمؤلف وفي هذا السياق أيضا بدت لي وقائع الانتقام أشبه بفيلم أكشن غير مقنع فنيا‏,‏ وحتي أوضح ما أقصده هنا‏,‏ أشير الي أن اللحظات التي عاشها فخر الدين مع شيرين بعد موتها‏,‏ أي تخيله أنها تأتي اليه وتعيش معه ويراها ويتحدث معها واقتناعه التام بوجودها كان مقنعا فنيا وكذلك عندما فوجئ بهند القدسي تدخل اليه في الكهف وتتحدث معه دون ان يراها ابنه‏,‏ بدا لي ذلك مقنعا فنيا‏,‏ أي أنني لا أناقش هنا إمكانية وقوع الأحداث الخارقة أو عدم وقوعها‏,‏ ففي ألف ليلة علي سبيل المثال هناك عشرات الأحداث الخارقة مثل البشر الذين يطيرون في السماء‏,‏ هل يطير أحد في السماء؟ في الواقع لا‏,‏ ولكن في ألف ليلة يمكنك أن تصدق كل شئ لأنها عمل مقنع فنيا‏.‏
غير أن الرحلة في الصحراء بين مصر وسوريا والسودان بعد أن حمل فخر الدين ابنه عمر تكاد تشكل وحدها عملا روائيا مستقلا بالغ العذوبة والقسوة التي تصل الي حد التوحش والصراع الضاري الذي دار بين الاب وابنه كان أحد الذري التي حققتها الرواية‏,‏ واكتشاف فخر الدين لضياعه وخسارته لكل شئ‏,‏ بعد أن خسر ابنه الذي اعتدي عليه جنسيا صديقه ورفيق كفاحه أبو حمزة المصري‏,‏ يعد هذا أيضا احدي الذري التي حققتها الرواية‏.‏
وفي النهاية منحنا عز الدين شكري رواية مكتنزة ومكثفة‏,‏ طموحها لا حدود له‏,‏ واستغراقها في الهموم العامة لم يمنعها من الاخلاص للصدق الفني‏,‏ وحققت أثمن ما يمكن أن تحققه الرواية‏,‏ أن تستقل بنفسها وشخوصها‏,‏ وأن يكون الكاتب قادرا علي التنازل طواعية عن تدخله لصالح استقلال عمله‏.‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.