استقرار أسعار الخضروات والفاكهة بسوق العبور.. والبامية تسجل مستويات قياسية    ميناء الإسكندرية تشهد تداول 164 ألف طن بضائع خلال 24 ساعة    محافظ الغربية يتفقد صوامع القمح بمدينة طنطا لمتابعة منظومة استلام وتخزين الذهب الأصفر    محمود عصمت: 46 مليار جنيه استثمارات لتوفير التغذية الكهربائية لمشروعات التنمية بسيناء    وزير الطيران: إطلاق شركة طيران خاصة قريبًا بأسطول 4 طائرات مملوكة لأحد كبار المستثمرين في السياحة    الثلاثاء.. إنطلاق الحملة القومية الأولى للتحصين ضد مرض الحمى القلاعية بالمنوفية    الرئيس السيسي: نرفض العنف السياسي والإرهاب.. وارتياح لسلامة ترامب بعد حادث إطلاق النار    الحرب الإيرانية: مصير المفاوضات بين واشنطن وطهران وسط تصريحات "متبادلة" من الجانبين    بلديات فلسطين.. فوز 197 هيئة بالتزكية ونسبة المشاركة 54%    خاص | حسين لبيب يدرس السفر مع بعثة الزمالك للجزائر لحضور نهائي الكونفدرالية    الأجهزة الأمنية تكشف حقيقة تعدي شخصين يستقلان سيارة أجرة على عامل بالضرب ومحاولة اختطافه بالمنوفية    بسبب ماس كهربائي.. مصرع شخص في حريق شقة بكرداسة    إحالة نجل أحمد حسام ميدو لمحكمة الطفل بتهمة حيازة مواد مخدرة    نجوم ساندوا شيرين.. أبرزهم محمود الليثى وأحمد سعد وعزيز الشافعى    قصور الثقافة هذا الأسبوع.. شمال سيناء تستقبل ملتقى البادية وانطلاق احتفالات عيد العمال بقويسنا وبرج العرب    اليوم.. توزيع جوائز مهرجان جمعية الفيلم ال52    رفضت الارتباط به فقتلها، تأييد حكم الإعدام بحق المتهم بقتل فتاة الخصوص    إعلام عبري: نقل جنود إسرائيليين بحالة خطرة بعد هجوم جنوب لبنان    عاجل مدبولي يشيد بالأداء القياسي للبورصة المصرية وارتفاع التداولات لأكثر من 12 مليار جنيه يوميًا    سلة - إيهاب أمين: لم ننسجم مع المحترفين بشكل جيد.. وعلينا التعلم من الأخطاء    وزير «الصحة» يصدر توجيهات حاسمة لرفع جودة الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين    أبو ريدة يشارك بكونجرس 'فيفا' رقم 76 في كندا    استثمارات تعليمية كبيرة بسيناء، 4.5 مليارات جنيه لإنشاء وتجهيز جامعة الإسماعيلية الأهلية    مجلس الشيوخ يناقش طلب برلماني بشأن خطة الاستعداد لدورة الألعاب الأوليمبية    الداخلية تنظم الملتقى الثالث لبرنامج التعايش بين طلاب أكاديمية الشرطة والجامعات المصرية    تجدد المعارك قرب العاصمة المالية باماكو    محافظ سوهاج يوجه بتكثيف الحملات الرقابية على المطاعم والأندية    جامعة مصر للمعلوماتية تستهدف تقليل مدة الدراسة بكلية الهندسة لرفع كفاءة العملية التعليمية    البابا لاون الرابع عشر: الكاهن «قناة للحياة» لا حاجز أمام المؤمنين    ياسر جلال يطالب بتطوير مراكز الشباب.. والاستعداد لأولمبياد 2028    رئيس الوزراء يستعرض الأهداف الاستراتيجية لوزارة الثقافة ونشاط الفترة الماضية    عودة برنامج «براعم الإيمان» على إذاعة القرآن الكريم بعد توقف لأكثر من 30 عامًا    نادية مصطفى ترد بقوة على تصريحات رئيس الجالية المصرية في فرنسا    برلماني يحذر من مخاطر منصات المراهنات الإلكترونية    مدة غياب محمد خطاري عن الإسماعيلي بعد إصابته أمام مودرن    التعليم: طورنا أكثر من 80% من مناهج التعليم الفني وفقا لمنهجية الجدارات    200 سفير مياه من 25 دولة، مصر تعزز حضورها في أفريقيا عبر التدريب    بالصور: الجلسة العامة لمجلس الشيوخ بحضور وزيري الشباب والرياضة والشئون النيابية    إغلاق مضيق هرمز.. قفزة أسعار الأسمدة تدفع لموجة جديدة من تضخم الغذاء عالميا    شهادتان لطلاب التعليم الفني.. البكالوريا التكنولوجية وشهادة إيطالية بدءًا من العام المقبل    النائبة ميرال الهريدي تدعو لاستضافة محمد فراج وهاني أبو ريدة للشيوخ لمناقشة مخاطر إعلانات المراهنات بالملاعب    ضربة استباقية لمافيا إلحاق العمالة.. سقوط 15 شركة بدون ترخيص نصبت فخاخها للشباب    وزيرة الإسكان: بروتوكول التعاون مع الوطنية للتدريب خريطة طريق لتأهيل القيادات وتعزيز كفاءة إدارة المشروعات    رسالة طريفة من ريهام عبد الغفور ل «هشام ماجد» في عيد ميلاده    تطورات ملف تعديل عقد إمام عاشور فى الأهلى وحقيقة الغرامة المالية    بسبب سوء الأحوال الجوية.. إغلاق ميناء العريش البحري    الغَنِى الحَقِيقِي    في يومها العالمي، كيف تحمي الشريعة حقوق الملكية الفكرية؟    رحلة الإنسان المعاصر فى «الجسد»    الصحة: تقديم 50 مليون جرعة تطعيم خلال العام الماضي    فحص 9.5 مليون طفل.. «الصحة» تُبرز جهود مبادرة علاج ضعف وفقدان السمع    إنريكي: نعيش أفضل لحظاتنا قبل مواجهة بايرن ميونخ    إقبال واسع على قافلة جامعة القاهرة التنموية الشاملة «قافلة النصر» بحلايب وشلاتين وأبو رماد    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 26أبريل 2026 فى محافظه المنيا    سكرتيرة البيت الأبيض: ترامب سيلقي خطابًا كبيرًا الليلة    جولة تفقدية للارتقاء بالخدمات الطبية داخل مستشفيات جامعة الأزهر في دمياط    الصومال وسلطنة عمان يؤكدان أهمية التعاون على المستويين الإقليمي والدولي    مصطفى يونس: أتمنى عدم تتويج الأهلى بالدورى.. والزمالك يمتلك رجالا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما بعد ديسالين.. حدود التغيير في إثيوبيا

تعد الظاهرة السياسية في إثيوبيا إقصائية وعنيفة بطبيعتها; إذ تقوم بالأساس علي حكم الأقليات واستبداد الجماعة الحاكمة بالسلطة والثروة واستبعاد مختلف الجماعات الإثنية الأخري, كما تشهد السياسة الإثيوبية معدلات مرتفعة من استخدام العنف, فمختلف الأحزاب الإثيوبية الرئيسية حاليا سبق وأن نشأت في صورة حركات انفصالية مسلحة,
كما أن التطورات السياسية الإثيوبية عادة ما تكون مصحوبة بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا كما حدث في السنوات الأخيرة للحكم الإمبراطوري, ومن بعدها خلال الحكم العسكري, وحتي في عهد ميليس زيناوي خلال الأزمة السياسية التي أعقبت انتخابات.2005
علي هذه الخلفية يتعين قراءة التطورات الأخيرة في إثيوبيا في ضوء خصوصية التجربة الإثيوبية التي ترسم بوضوح حدود التغيير السياسي المتوقع.
منذ1991 تحكم إثيوبيا الجبهة الديموقراطية الثورية, التي تضم أربعة أحزاب, تمثل حصرا جماعات التيجراي والأمهرا والأورومو والجماعات الجنوبية, ومنذ النشأة يتمتع التيجراي بوضع متفوق داخل الائتلاف الحاكم, فقد نجح التيجراي في اختيار حليف مطيع من داخل الأورومو تمثل في المنظمة الديموقراطية لشعب أورومو الأقل شعبية مقارنة بجبهة تحرير أورومو الممثل الأبرز للجماعة والأكثر تشددا في مطالبه الانفصالية, كما حرص التيجراي علي احتواء الأمهرا في التحالف الحاكم لقوتهم السياسية وثقلهم السكاني علي الرغم من أن نضال الجماعات الإثيوبية في العهدين الإمبراطوري والعسكري كان موجها ضد الأمهرا, وخوفا من أي تحالف ثنائي محتمل للأورومو والأمهرا واستبدادهما بالقرار داخل الجبهة, سعت التيجراي لضم حليف رابع تمثل في الجماعات الجنوبية.
وعلي الرغم من التفاوت الحاد في الثقل السكاني لهذه الجماعات, فإن مناصب الجبهة قسمت علي الأحزاب الأربعة بالتساوي, الأمر الذي رفع نصيب التيجراي في التمثيل السياسي من6%( نسبتها لسكان إثيوبيا) إلي25%, وتجنبا لتناقص نصيبها من مناصب التحالف الحاكم أغلقت جبهة تحرير تيجراي الباب أمام انضمام أحزاب أخري تمثل باقي الجماعات الإثيوبية كالصوماليين والعفر علي أن يتم اعتبارهم حلفاء من الخارج, وتجلت قوة جبهة تحرير تيجراي في ترأس ممثلها ميليس زيناوي للائتلاف الحاكم ولمجلس الوزراء الإثيوبي لأكثر من عقدين.
ومنذ وفاة زيناوي المفاجئة عام2012 فضل التيجراي السيطرة غير المباشرة علي الأوضاع في إثيوبيا بتنصيب هايلي ماريام ديسالين المنتمي للجماعات الجنوبية رئيسا للوزراء, والذي رشحه زيناوي قبل وفاته لتجنيب جبهته الانشقاقات الداخلية, وكان لهذا الخيار تبعات عديدة بدأت في خريف2015 حين اشتعلت مدن إقليم أوروميا معقل جماعة أورومو كبري الجماعات الإثيوبية بالمظاهرات التي جاءت في الظاهر احتجاجا علي خطة حكومية لتوسيع العاصمة أديس أبابا علي حساب الإقليم, لكنها في الحقيقة كانت نتاج تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للجماعة, والتمثيل غير المتناسب للجماعة في المناصب الفدرالية.
وفي مواجهة الاحتجاجات المتصاعدة رفعت الحكومة من سقف إجراءات المواجهة لتشمل شن حملات واسعة للاعتقالات وحظر للتظاهر باستخدام القوة المسلحة وقطع الاتصالات, ومع مشاركة جماعة أمهرا في الاحتجاجات وجدت الحكومة الإثيوبية نفسها مضطرة لفرض حالة الطوارئ في أكتوبر من العام2016, وهو الوضع الذي استمر لعشرة أشهر.

إستراتيجية التيجراي الجديدة
في مواجهة تأزم الأوضاع السياسية والأمنية الداخلية, وسعيا من جبهة تحرير تيجراي لحل الأزمة المشتعلة في إقليمي أوروميا وأمهرا, تبنت الجبهة في أواسط عام2017 إستراتيجية جديدة تهدف لإيجاد حل نهائي للأزمة السياسية عبر اتخاذ خطوات ثلاث.
ففي خطوة أولي هامة, أعلنت الجبهة الديموقراطية الثورية الحاكمة في إثيوبيا, في يوليو من عام2017 عن تأجيل المؤتمر العام للجبهة من سبتمبر2017 إلي مارس2018, وهو المؤتمر الذي يعقد دوريا كل عامين ويشهد إجراء الانتخابات علي مختلف المناصب الرئيسية, وعلي امتداد تاريخ الجبهة الذي يمتد لقرابة العقود الثلاثة لم يسبق تأجيل المؤتمر العام إلا عام2012 في أعقاب وفاة زيناوي.
هذا التأجيل الهادف لحسم الأوضاع داخل الجبهة الحاكمة كان جزءا أساسيا من مخطط جبهة تحرير تيجراي لكسب الوقت لاتخاذ الخطوة الثانية المتعلقة بتنظيم أوضاعها الداخلية, ففي أكتوبر2017 بدأت سلسلة من الاجتماعات علي كافة المستويات داخل جبهة تحرير تيجراي بهدف إحداث إصلاحات جذرية وإنهاء حالة الانقسام التي سادت منذ2012 بين أعضاء اللجنة التنفيذية والتي تعد أعلي مستويات صنع القرار بالجبهة والتي تقتصر عضويتها علي تسعة أعضاء من بينهم رئيس الجبهة ونائبه.
وبحلول نوفمبر من العام ذاته تمكن أعضاء جبهة تحرير تيجراي من إقصاء ثلاثة من أبرز أعضاء اللجنة التنفيذية التي تقود الحزب, علي رأسهم أباي ولدو رئيس الجبهة, وأرملة زيناوي أزب مسفين, وبييني ميكيرو, من عضوية اللجنة التنفيذية لجبهة تحرير تيجراي ليحسم الصراع لصالح الجناح الذي يضم دبرتسيون جبريميكائيل وزير الاتصالات والمعلومات بالحكومة الفيدرالية المنتخب رئيسا جديدا للجبهة, وفتلوورك جبري-إجزيابهر نائب الرئيس الجديد, وجتاشيو أسيفا مدير جهاز الاستخبارات والأمن الوطني في إثيوبيا.
أما ثالث الخطوات في الإستراتيجية الجديدة فلم تكن مدرجة علي المخطط الأصلي, وإنما فرضها التغير في سلوك رئيس الوزراء هايلي ماريام ديسالين, والذي أدرك أن نجاح جبهة تحرير تيجراي في تنفيذ الخطوتين السابقتين ما هو إلا تمهيد لطرح حل جذري للأزمة السياسية عبر إقالته من رئاسة الائتلاف الحاكم ورئاسة مجلس الوزراء في المؤتمر العام للجبهة الذي اقترب موعد انعقاده, ومن ثم, شهد شهر فبراير من عام2018 تغيرا حادا في سياسات ديسالين, الذي أحل نفسه من الالتزام بالخطوط الأساسية التي حددتها له جبهة تحرير تيجراي منذ خلافته لزيناوي.
وتجلت أبرز التغيرات في تدخل ديسالين المفاجئ في الشأن العسكري, فعلي الرغم من كونه القائد الأعلي للقوات المسلحة الإثيوبية, تظل جماعة تيجراي مهيمنة علي المؤسسة العسكرية عبر رئيس الأركان الجنرال سامورا يونس ونائبه أبراهام ولدماريام جينزيبو, وفي خطوة مفاجئة قام ديسالين بإقالة نائب رئيس الأركان وتعيين ثلاثة نواب جدد يمثلون جماعات التيجراي والأمهرا والأورومو, فضلا عن ترقية40 من كبار ضباط الجيش من خلفيات إثنية متنوعة إلي رتبة جنرال.
أما ثاني مظاهر التغير في سلوك ديسالين فتمثل في إطلاق سراح آلاف المعارضين الذين سجنوا جميعا في عهده, فمنذ عام2015 تبني الجيش وأجهزة الأمن الداخلي نهج القمع الكامل لنشاط المعارضة, وهو النهج الذي سايره ديسالين لسنوات موفرا له الغطاء السياسي الشرعي بحكم منصبه, وقد جاء هذا التغير الحاد والمفاجئ في موقف ديسالين من المعارضة قبل ساعات من استقالته المفاجئة والتي أعقبها إعلان حالة الطوارئ لمدة ستة أشهر.

عوامل الثبات في السياسة الإثيوبية
في محاولة استشراف الأوضاع المستقبلية في إثيوبيا يتعين إدراك المدي الممكن للتغيير السياسي المتوقع, فبغض النظر عن الحل الذي ستتبناه الحكومة الجديدة للأزمة السياسية, وبغض النظر عن الانتماء الإثني والحزبي لرئيس الوزراء الإثيوبي القادم, لا يمكن الحديث عن إمكانية لتخلي جماعة التيجراي عن وضعها المتحكم في كافة الأوضاع الداخلية في إثيوبيا وهو ما يرجع إلي عدد من الأسباب هي:
1- احتكار التيجراي المناصب المهمة في المؤسسات العسكرية والأمنية, فمنذ1991 تعاقب أكثر من وزير للدفاع كان بعضهم من خارج الجماعة مثل الوزير الحالي سيراج فيجيسا المنتمي للجماعات الجنوبية, وسلفه كوما ديميكسا ومن قبله عبد الله جيميدا المنتمين للأورومو.
وعلي الرغم من ذلك, سيطرت التيجراي علي القوات المسلحة عبر رئيس الأركان سامورا يونس الذي يعد القائد الفعلي للقوات المسلحة في ظل كون منصب وزير الدفاع منصبا سياسيا, هذا بجانب انتماء أكثر من نصف ضباط الجيش الإثيوبي لجماعة تيجراي وهي النسبة التي تزداد بارتفاع الرتب, كما يسيطر التيجراي علي جهاز الاستخبارات والأمن القومي والذي رأسه لسنوات جتاشيو أسيفا عضو اللجنة التنفيذية لجبهة تحرير تيجراي.
2- هيمنة الجماعة علي الاقتصاد الإثيوبي من خلال ذراعها الاقتصادي المتمثل في الصندوق الوقفي لإعادة تأهيل إقليم تيجرايEFFORT وهو تحالف بين12 شركة كبري تعمل في مجالات متعددة كالصناعة والاتصالات والإنشاءات, ويعتبر الصندوق أحد أبرز شركاء الحكومة الإثيوبية في مشروعاتها الإنشائية الكبيرة خاصة في قطاع السدود, إذ شارك الصندوق في بناء سدود جيبا وزاريما وتيكيزي, بالإضافة لاحتكار شركة ميسيبو التابعة للصندوق توريد الإسمنت لمشروع سد النهضة, كما حرصت جماعة تيجراي علي السيطرة علي الشركات الكبيرة المملوكة للدولة, وعلي رأسها شركة الصلب والهندسةMETEC عبر رئيسها كينفي داجنيو وهي شركة الإنشاءات الوطنية الوحيدة المشاركة في بناء سد النهضة, كما يتحكم جبريميكائيل الرئيس الجديد للجبهة في قطاعي الاتصالات والكهرباء.
3- قدرة جماعة تيجراي علي الاستغناء عن المناصب السياسية في الحكومة الفيدرالية وهو ما يرجع إلي تبني الدستور الإثيوبي صيغة متطرفة من الفيدرالية تغل يد الحكومة المركزية وتنتزع منها الكثير من الصلاحيات لصالح حكومات الولايات التسع والتي منحت كل منها حقوقا موسعة تصل لدرجة الحق في تقرير المصير والانفصال.
4- خوف غالبية الجماعات الإثيوبية الصغيرة ومن بينها التيجراي من وصول إحدي الجماعتين الكبيرتين( الأورومو والأمهرا) إلي السلطة ليغلب الطابع الصراعي علي علاقة الجماعتين بمختلف الجماعات الإثيوبية علي النحو الذي تجلي في الصراع الحدودي المتفجر مؤخرا بين ولايتي أوروميا والصومالية والذي أسفر عن سقوط عشرات القتلي وتهجير ما يزيد عن المليون من الأورومو.
5- استمرار الدعم الدولي والأمريكي خصوصا لجبهة تحرير تيجراي باعتبارها الحليف الأول محليا وإقليميا, فالتدخل المباشر لهيرمان ج. كوهن مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشئون الأفريقية مكن قوات الجبهة من دخول العاصمة أديس أبابا دون قتال عام1991, وطوال حكم ميليس زيناوي كانت الحكومة الإثيوبية هي الوكيل الأول للمصالح الأمريكية في القرن الأفريقي حتي خلال الأزمة السياسية الإثيوبية عام2005 وما تلاها من خلاف مع الولايات المتحدة بشأن الحظر المتكرر لنشاط منظمات المجتمع المدني الممولة أمريكيا, وفي الوقت الراهن تعزز التحديات الأمنية في القرن الأفريقي والشرق الأوسط من قوة التحالف بين الولايات المتحدة والحكومة الإثيوبية في الملف الأمني والعسكري الذي يعد مجالا محجوزا للتيجراي.

مستقبل رئاسة الوزراء في إثيوبيا
يعد اختيار رئيس الوزراء الجديد القضية الأبرز علي الساحة الإثيوبية الآن, لا لأن هذا الاختيار قد ينشئ وضعا جديدا للتوازن بين الجماعات الإثيوبية, وإنما لأنه سيكشف عن طبيعة الموقع الذي ستختاره جماعة تيجراي لنفسها للتتحكم من خلاله في مجريات السياسة الإثيوبية, ومن المتوقع أن تشهد الأيام الثلاثة الأولي من شهر مارس2018 عقد اجتماعات المجلس التنفيذي للجبهة الديموقراطية الثورية والذي يضم180 عضوا بواقع45 عضوا لكل حزب من أحزاب الجبهة الأربعة, ويتضمن جدول أعمال المجلس بندا أساسيا هو قبول استقالة هايلي ماريام ديسالين رسميا والذي يعد شرطا متمما لقبول اللجنة التنفيذية للجبهة( تضم46 عضو بواقع تسعة لكل حزب) والذي حصل عليه ديسالين فور الاستقالة, ولأن المؤشرات ترجح قبول المجلس التنفيذي الاستقالة, سيتمثل البند الثاني في اختيار رئيس جديد للجبهة ومن ثم لمجلس الوزراء.
ولأن إثيوبيا لا تعد استثناء أفريقيا, لا من حيث تعقيد تركيبها السكاني, ولا من حيث ارتباط العملية السياسية بالانقسامات الإثنية, ولا حتي من حيث التجربة الممتدة لحكم الأقليات, يمكن اختبار الحلول المختلفة التي قد تتبناها جبهة تحرير تيجراي في اختيار رئيس جديد للوزراء بالاسترشاد بالحلول التي تبنتها عدد من الدول الأفريقية, وذلك كالتالي:
الحل الجنوب أفريقي: فقد أنهت جنوب أفريقيا سياسات الفصل العنصري عبر الفصل الرأسي لمجالات عمل كل من الجماعتين البيضاء والسوداء, لتهيمن الجماعة السوداء وحدها علي مؤسسات الحكم, مقابل استمرار احتكار الجماعة البيضاء للثروة, وبالقياس علي إثيوبيا يمكن أن يطبق هذا الحل من خلال خروج التيجراي طوعا من مؤسسات الحكم الفيدرالية وتعيين رئيس وزراء جديد من الأورومو, علي أن تستمر سيطرة التيجراي علي الاقتصاد, وتظهر إمكانية للأخذ بهذا الحل بعد أن أقصت منظمة شعب أورومو رئيسها الإصلاحي ليما ميجيرسا ليخلفه أبي أحمد الأكثر توافقا مع جبهة تحرير تيجراي.
الحل الغاني: فالمنافسة السياسية في غانا تنحصر بين حزبين يمثل أحدهما الشمال المسلم ويمثل الآخر الجنوب المسيحي, وقد تمكن الأول من الوصول للسلطة عبر الخلط بين معياري التمثيل الإثني والديني بترشيح جون دراماني ماهاما وهو شمالي مسيحي كنائب للرئيس عام2008 ثم كرئيس عام2012 ليتمكن من حصد أصوات الشماليين وبعض الجنوبيين, وفي إثيوبيا قد يطبق هذا الحل بإدخال العنصر الديني كمعيار إضافي للتمثيل عبر اختيار رئيس وزراء مسلم من غير الأورومو بما قد يرضي الأورومو الذين يدين أغلبهم بالإسلام ولا يهدد التيجراي والجماعات الصغيرة, وفي هذا الصدد يبرز وزير الدفاع الحالي سيراج فيجيسا مرشحا أساسيا وهو مسلم من الجماعات الجنوبية.
الحل الكيني: ففي كينيا يتطابق الانقسام الحزبي مع التقسيم الإثني الذي يأخذ شكل منافسة ثلاثية بين جماعات جبل كينيا وجماعات الوادي المتصدع وجماعات الغرب, ويتحدد الطرف الحاكم بتحالف جماعتين ضد الثالثة, وفي إثيوبيا حيث تدور المنافسة الفعلية علي السلطة بين التيجراي والأمهرا والأورومو يمكن للتيجراي التضحية بالائتلاف الحاكم وتأسيس تحالف ثنائي مع الأورومو أو الأمهرا, ويعد هذا الحل الوحيد الذي قد يأتي برئيس وزراء من الأمهرا يخضع لهيمنة التيجراي سيكون غالبا ديميك مكونين رئيس حركة أمهرا الديموقراطية ونائب رئيس الوزراء الحالي.
الحل الأوغندي: فمنذ عام1986 يرأس أوغندا يوري موسيفيني المنتمي لأقلية بانيانكولي محتكرا السلطة والثروة بين أبناء جماعته, ويتشابه هذا الوضع مع وضع التيجراي في إثيوبيا الذين سبق لهم أن احتكروا منصب رئيس الوزراء لأكثر من عقدين, ويحقق هذا الخيار أكبر قدر ممكن من الفاعلية والتوافق بين رئيس الوزراء وبين الطرف الأقوي عسكريا واقتصاديا, إلا أنه قد يزيد من تعقيد الأوضاع السياسية المضطربة بالأساس في البلاد, كذلك قد لا يفضل ساسة التيجراي أنفسهم تركيز السلطة السياسية في يد أحد بعينه من بينهم والإبقاء علي الصيغة الجماعية لتوزيع المناصب بينهم, ويبقي الرئيس الجديد للجبهة جبريميكائيل من بين المرشحين البارزين في ظل كونه محسوبا علي التكنوقراط, وعلي عكس المتوقع, يتمتع هذا الحل بقدرة كبيرة علي تهدئة الاضطرابات السياسية في ظل قدرة رئيس الوزراء الجديد علي تقديم تنازلات حقيقية للأورومو والأمهرا قد تنحصر غالبا في النهوض بالوضع الاقتصادي والاجتماعي للجماعتين وهو المسبب الأصلي للأزمة.
ترتيبا علي كل ما سبق, تظل حدود التغيير السياسي في إثيوبيا ضيقة للغاية في ظل استمرار احتفاظ التيجراي بمصادر القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية, فبغض النظر عن الخلفية الإثنية والحزبية لرئيس الوزراء الإثيوبي القادم فإنه سيكون ملتزما بتأمين مصالح التيجراي الاقتصادية, كما أنه سيكون قادرا علي ضبط الأوضاع في إقليمي أوروميا وأمهرا سواء بالاحتواء السياسي عبر الاستجابة النسبية لمطالب الجماعتين, أو الاحتواء الأمني بالمواجهة الحاسمة المباشرة, أو حتي معاقبة الإقليمين بتركهما لفوضي لاضطرابات السياسية والاكتفاء بمنع امتدادها خارجهما.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.