حلم خاطف... لحظات طوال, أفق دائري, هوس مقدس بالزيف, تشدق بالوهم, إيمان بالتناقضات, اعتقاد باللاشيء, حقائق زائلة, فتنة بالوعي, استمساك بالأمل, قناعة بالمنطق, سخرية من اليقين, طوفان من العبث, هالات من الشكوك, منظومة من اللهو, حرب مستمرئة من أطرافها. تلك هي الحياة... أفكار وأشخاص وأحداث وأشياء لا يحكمها إلا قانون النفي, محورها الزمان والمكان لكن المحرك الأصيل فيها هو التصارع المنبثق من إشكالية التاريخ الكوني المهيب والمعادلة الوجودية المتسامية علي الإدراك والتي أودت بعقول حاولت الاقتراب والتماس مع كنه تلك المعادلة المسحورة التي تتأبي علي مغامرة الانهماك معها أو حتي محاولة الاستغراق فيها... تفصح عن معان لكنها تترفع عن فضح الأسرار العميقة التي لا نظفر من غموضها إلا بالحيرة والغرابة المثيرة لتساؤلات ملحة غير قابلة للرد الناجز أو حتي للخواطر المعتدلة... شتات شعوري مفزع, هواجس خطرة, مصادفات صادمة, اعتياديات جوفاء... إنها فكرة شديدة الوطأة تستغرق ترجمتها ألف حياة, لأنها الحياة المتجاوزة للمعقولية البشرية. تأرجح بين ممكنات ساذجة ومستحيلات فائقة, معايشة حميمة مع مفردات القلق وتنويعات الألم, تحديات متعاظمة تطرحها مهزلة البقاء, خطوط متوازية تعلوها إرادة ويعقبها إحباط, التقاءات نادرة مع الأهواء, خصومة حادة مع الذات المتوثبة نحو التصالح, جفوة مع المعني, غيبة للألفة, تواطؤ علي العقل من الفرار إلي الحقيقة, للكائنات فيها أطوار متباينة تتصاعد فيها الرؤي وتتضارب لكن ختامها صاعقة في المأمول. أشواط أسطورية بين قول وفعل تتمحور بينهما جغرافيا الفوضي الإنسانية, أعمار فانية تتكرر فيها الأسماء والمسميات, حكاية لا متناهية تتكرر معها كذلك معان الجهل والخوف والغفلة والطيش والكره والأنانية والجحود والعداوة... مراوغة كبري تنهك البشر وتعجزه وتحيله إلي قبضة العدم بعد شموخ الوجود. سرداب معتم نتخبط بين جنباته نجهل نهايته, نعتصم فيه بالعقل ليتبدي لنا بعد أمد أنه عقوبة العاقل أو هو عقوبة إنسانية تؤكد العجز المطلق عن بلوغ أغوار المعني المستتر لتظل معركة التحدي أبدية تعلن ضرورة اعتزال القضية المرعبة ومجانبة أبعادها ومهاويها والاحتماء منها بمخاطر القناعة المتوارثة التي تحيلها إلي طاقة استسلامية يائسة تعتبر القضية من البداهة التي لا تستوقف أحد, بينما هي كينونة جبارة تتبدل فيها أطياف زمنية هادرة يلتقي أولها بآخرها وينتهي آخرها عند أولها ويبتدأ أولها بآخرها!! تحيلنا إلي أشلاء معان بالية لأننا أبناء الماضي المتهدم وسجناء الحاضر المغترب وأحفاد المستقبل الغائب. إنها رحلة الذات في تحوراتها وتبدلاتها وتغايرها إذ تنكر ما تثبت وتنفي ما تؤكد من علاقاتها اللحظية بكل تصور أو خاطر أو هاجس أو رؤية لم تستطع أن تقيم بينها وشائج متينة رغم أنها قابعة بين أضلاعها سابحة في أعماقها, وذلك هو الأثر الهين لوعثاء تلك الرحلة جراء حرب الذاكرة ومخاضتها التي تنتصر دائما للنسيان!! تلك العلة التاريخية للعقل الذي لم يبرأ منها لأنه قد اعتبرها المعادل المنطقي للتذكر. وكذلك هي رحلة الذات مع السلطة الزمنية الطاغية التي لم تستطع أن تقضي علي مدي التناسخ الفكري والنفسي والروحي بين البشر محققة تكرارا ورتابة أبدية ليظل التفرد يمثل امتيازا خاصا لا قاعدة عامة ويظل إدراك معني الحياة في جوهره حبيس سياقات متشابهة قلما نظفر معها بجديد يتماشي أو يتوافق مع الانسيابية الزمنية التي لم يقو العقل في دوراته الجدلية علي الخروج من أسر فضاءات: كيف, لماذا, ما, أين, ومتي؟, تلك التي تتبدل خلالها طبيعتنا وتتغاير كاشفة عن وجود شخصيات عديدة تكمن دواخلنا ليقودنا المعلوم إلي مجهول جديد!! ولعل لمحات من ذلك إنما تشير إلي أن الحياة في استمراريتها ليست إلا خلود الألم والوجع ووقتية البهجة ولحظية السعادة ولهوة الأمل وسكرة الغفلة ونشوة الوهم والعبور لأحلام اليقظة واستقرار أطياف الخيال.. وهي فوق ذلك تظل صفعة للآدمية إلا إذا اعتصمت منها بما تعتقد وتؤمن وتوقن, وعندئذ تختلف الرؤية بقدر طاقة هذا الاعتقاد الذي تخطي به القلة بل قلة القلة من أصحاب مبدأ الانتصار للذات والغرام بالحياة!!