قرار جمهوري بفض دور الانعقاد السادس للفصل التشريعي الثاني لمجلس النواب    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    محافظ الدقهلية يستقبل ويكرم فريق عمل ملف انضمام المنصورة لشبكة اليونسكو | صور    وزير الزراعة بعد اجتماعه بالمنتجين: أزمة الدواجن انتهت.. والأسعار ستتراجع تدريجيا    دمشق تستضيف الملتقى الاقتصادي السوري- المصري المشترك الأحد المقبل    مستشار الأمن القومي الصومالي السابق: التغلغل الإسرائيلي يخرق القوانين الدولية.. وهذا إنذار حقيقي    غضب عارم في فرنسا.. دعوات لعزل ماكرون بعد حديثه عن إرسال قوات إلى أوكرانيا    الهلال في الصدارة.. ترتيب الدوري السعودي    دراما ركلات الترجيح.. باريس يتوج بكأس السوبر الفرنسي على حساب مارسيليا    محامي الطفلتين ضحيتي زوجة والدهما بالشرقية: المتهمة أنكرت أمام النيابة العامة ما نُسب إليها    مصرع شخص وإصابة آخر إثر تصادم موتوسيكلات على طريق العزازنة بالدقهلية    إصابة 5 أشخاص بكدمات وسحجات فى حادثين منفصلين بسوهاج    صحة الإسكندرية تغلق 10 مراكز غير مرخصة لعلاج الإدمان | صور    مناقشات حول الهوية في ندوة تكريم نقاد وأساتذة المسرح بمهرجان المسرح العربي    ريهام حجاج تواصل تصوير مسلسلها «توابع» تمهيدا لعرضه في رمضان    شاهدها الآن ⚽ ⛹️ (0-0) بث مباشر الآن مباراة أرسنال ضد ليفربول في الدوري الإنجليزي2026    نجم وادى دجلة علي ابو العنين يتأهل إلى نصف نهائي بطولة ريتش فينوس كراتشي المفتوحة 2026    حريق 3 مخازن للخشب بالمنوفية    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    ضمن مبادرة «صحح مفاهيمك».. «أوقاف كفر الشيخ» تطلق البرنامج التثقيفي للطفل لبناء جيل واعٍ | صور    الحلقة 24 من «ميد تيرم».. دنيا وائل تقدم جانب إنساني عميق صدقًا وتأثيرًا    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    بين الشائعات والواقع.. كواليس اجتماع مجلس إدارة الزمالك    الذكاء الاصطناعى الدستورى- عندما يسبق الأمان التطوير.. نموذج أنثروبيك    مياه الجيزة: قطع المياه عن بعض المناطق لمدة 8 ساعات    المبعوث الأممي باليمن: الحوار الجنوبي المرتقب فرصة مهمة لخفض التوترات    آخر تطورات سعر الدينار البحريني أمام الجنيه في البنوك    خالد سليم وهانى عادل وانتصار وسهر الصايغ فى رمضان على قنوات المتحدة    يحيي خالد أفضل لاعب في صفوف منتخب اليد أمام البرتغال بدورة إسبانيا    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    الصحة تتابع الاستعدادات الطبية لمهرجان سباق الهجن بشمال سيناء    مسؤول سابق بوكالة الاستخبارات الأمريكية: الأزمة الإنسانية في السودان بلغت مرحلة مؤسفة للغاية    الأكاديمية العسكرية تفتح باب التسجيل فى برامج الدراسات العليا للتخصصات الطبية    الأغذية العالمي: 45% من سكان السودان يواجهون الجوع الحاد    غدًا.. إعلان نتائج 49 مقعدًا ب27 دائرة    فيلم السادة الأفضل يحقق 78 مليون جنيه منذ عرضه    انطلاق حفل توزيع جوائز ساويرس الثقافية بالجامعة الأمريكية    محمد منير يواصل البروفات التحضيرية لحفلته مع ويجز في دبي    بث مباشر.. قمة نارية بين أرسنال وليفربول في الدوري الإنجليزي.. الموعد والقناة الناقلة وموقف الفريقين    محافظ الجيزة يبحث آليات تنفيذ المرحلة الأولى من تطوير طريق «المنيب - العياط»    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    سانتفيت مدرب مالي: تنتظرنا معركة شرسة أمام أقوى فرق ربع نهائي أمم أفريقيا    استشاري يحسم الجدل حول تقديم الإندومي للأطفال    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    العراق يعرب عن قلقه من التطورات الأخيرة في حلب    تخصيص قطعتي أرض لتوفيق أوضاع عمارات إسكان اجتماعي بمحافظة جنوب سيناء    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    خبر في الجول - المصري يتمم اتفاقه بتجديد عقد محمود حمدي    "تغيّر المناخ" يحذر من شتاء أشد برودة وتقلبات حادة تؤثر على المحاصيل والمواطنين    ضبط شخص بحوزته بندقية آلية لإطلاقه النار احتفالا بفوز مرشح انتخابى فى الدلنجات    «التنمية المحلية» تعلن تشغيل 4 مجازر جديدة لسكان 3 محافظات    اسعار المكرونه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى محال المنيا    أكثر من مليون أسرة في أوكرانيا أصبحت بلا تدفئة ولا مياه    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    رئيس كولومبيا: أطلعت ترامب على جهود مصادرة المخدرات في البلاد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مهاجرون إلي الموت

تنتشر الهجرة السرية علي طول السواحل المصرية منذ أكثر من عشر سنوات, ورغم ذلك لم يلتفت لها الرأي العام إلا بعد أن غرقت مركب رشيد وراح ضحيتها260 شخصا ما بين غريق ومفقود,
وبين ليلة وضحاها اكتشفنا أن تجارة البشر في مصر من أكثر المهن رواجا وأكثرها ربحية, وقد يكون هذا أمرا مقبولا وله أسبابه.. إلا أن ما دفعني لإجراء هذا التحقيق ثلاث حالات تلت غرق مركب الموت وعجز العقل عن تفسيرها:
(1)
أب سرق البحر منه ولديه, وكاد يلحق بهما الثالث, لولا أن أدركته رحمة ربه ونجا من غرق محقق في كارثة مركب الموت بكفر مغيزل التي حصدت أرواح260 شابا... وبأسي يضيف الأب: واليوم يذهب ابني الوحيد للموت.. ويبحث من جديد عن سمسار يحمله لإيطاليا, أو ينقله للعالم الآخر.. وتذرف دموع الأب وهو يقول: ماذا أفعل؟
(2)
مع دموع هذا الأب, جاء شاب يقول: حاولت السفر مرارا, في أول مرة أوقفت قوات حرس الحدود اللنش الذي كان يقلنا للمركب الذي سنسافر عليه,فألقيت بنفسي في الماء, وبقيت لساعات في البحر حتي وصلت إلي الشاطئ, وفي المحاولة الثانية غرق المركب وأنقذوني بعد ساعات طويلة وأنا أرتدي طوق النجاة, ودفع لي أبي عشرين ألف جنيه.. وربما أنجح في المرة الثالثة أو أفشل, لكن ما أعرفه أنني سأحاول, ولن أعود مرة أخري..
(3)
شاب ثالث علي سرير المستشفي, أنقذوه من بين أنياب مركب يقول: لو أتيحت لي الفرصة سأسافر مرة أخري, ولو ابتلعتني أمواج البحر.
والسؤال الذي يقفز إلي العقل في تلك اللحظة.. ما الذي يدفع بهؤلاء الشباب لأن يلقوا بأنفسهم في البحر في رحلة لا نجاة منها ولا عودة, إلا في كيس بلاستيك لجثة مشوهة الملامح بعد أن نهشتها الأسماك ومسختها الأمواج؟
وما السبب الذي يأخذ بهؤلاء الشباب في هجرة إلي الموت المحتمل؟ هل هو الفقر؟ أم هي البطالة؟ أم هي ثقافة يعيشها شعبنا لعقود في ظل مناخ الكآبة, وخطاب التكفير, والحض علي عشق الموت وكراهية الحياة؟..
وفي محاولة للإجابة علي كل هذه الأسئلة بدأت الأهرام المسائي رحلة علي الواقع.. خالطت الشباب وعاشت معهم أحلام الفرصة الضائعة وخفايا الهجرة إلي الموت..
في البداية أردت أن أعرف الإجابة بعيدا عن المكاتب المغلقة, وانطلقت لأتعرف علي المتهمين الذين تسببوا في هذه الكارثة وراح ضحيتها260 شابا مابين غريق ومفقود, وذهبت لمحكمة رشيد بالبحيرة, يوم النطق بالحكم علي56 متهما في قضية مركب الموت.. وللوهلة الأولي شاهدت أن90% من الجناة كما وصفتهم المحكمة من الشباب وأغلبهم دون الثلاثين عاما وبعضهم في العشرين أو دونها بقليل... فهؤلاء هم المهربون إذن.
في قاعة المحكمة, كانت رقاب المتهمين تشرئب وتتعلق بكلمات المستشار عمرو عبد الملك, فقد تكون في هذه الكلمات نجاتهم من الغرق في ظلمات السجن لسنوات قد تطول, في الجنحة رقم17463 لسنة2016 جنح رشيد, والصادرة بجلسة2017/3/26,
تحدثت مع أولهم وهو كبيرهم: السيد أحمد نعمة الله الشاهد الأول في القضية, يقف علي أبواب العقد السادس من العمر, يبدو حزينا, وتغلبه دموعه وهو يتحدث معنا, وعندما سمع الحكم بحبسه عشر سنوات هطلت عيناه بالدموع الغزيرة, وجسده يرتعش كمرجل تلهبه نيران الإحساس بالظلم, أو بالندم علي ما اقترفته يداه.
ويقول نعمة الله وهو يشير للمتهمين: كل هؤلاء أبرياء ولا دخل لهم بالحادث, ولا دخل لهم بالتهريب, والمتهم الحقيقي حر طليق.
محام في الجلسة يقول: لم يجدوا أمامهم سوي هؤلاء الشباب ليكونوا كبش فداء.
والمحامي جمعة حميد يقول: هناك جان وراء كل هذه الجرائم, وهو معلوم للجميع, فابحثوا عنه.
أحد المتهمين الشباب سألته: كم عمرك أجابني:27 عاما.. وقلت مثل هذا الشاب لابد وأن يترك من ورائه زوجة أو حبيبة أو أطفالا صغارا ولما سألته: هل أنت متزوج؟
قال: أخذوني قبل زواجي بأسبوع, جهزت كل شيء, وعندما أردت الفرح, خطفوا مني كل شيء, وأنتظر إما البراءة, وإما سنوات خلف القضبان..
قلت له: هل أنت مهرب بالفعل؟ أجاب وصوته مشروخ بالدموع.. ياريت كنت مهربا, علي الأقل كنت زماني مرتاح لما جري لي,
قلت له: ما هي وظيفتك إذن؟ قال: والله صياد وارزقي كمان, ولكن يظهر إن لعنة البحر أصابتنا.. ويشير للشباب ويقول: كلهم ليس لهم في الأمر شيء, ولا صلة لهم بالحادث, والجناة الحقيقيون هربوا قبل أن يتم القبض عليهم, ولم يجدوا إلا الصيادين ليلفقوا لهم هذه التهمة.
وعن جذور المشكلة يتحدث مصطفي فهمي المحامي ويقول: مشكلة الهجرة غير الشرعية قديمة وترجع بداية ظهورها لعام2004, وكلها تتم من أمام السواحل من رشيد وحتي مرسي مطروح, ولكن استفحلت الظاهرة بعد ثورة25 يناير, وكانت الرحلات تخرج بطول الساحل ولم يهتم أحد بالموضوع, إلا بعد أن غرقت سفينة برج مغيزل التي كانت حمولتها مبالغا فيها للغاية, فكانت المركب حمولتها أقل من مائتي شخص, ولكن للجشع تم تحميلها بأكثر من أربعمائة مهاجر وغرقت المركب, وراح ضحيتها260 شخصا مابين مفقود وغريق, وتم القبض علي33 متهما من إجمالي57, وأحيلوا للنيابة, وصدر ضدهم الحكم الذي تراوحت مدته ما بين سنتين وأربع عشرة سنة.
ما سبب الهجرة للموت, هل هو الفقر والبطالة, أم أن هناك أسبابا أخري؟
في الحقيقة, لا تأتي البطالة والفقر في قائمة أسباب الهجرة غير الشرعية, ولكن أصبحت الهجرة ثقافة ومهنة يهواها ويمتهنها أهالي هذه القري, فالقري الكثيرة علي الشاطئ النيلي مثل قرية برج مغيزل والجزيرة الخضراء,والبرج وغيرهما من القري, بات شبابها خاصة الشباب دون18 سنة هم من يحترفون الهجرة والسفر بالتهريب, ومعظمهم يسافرون إلي إيطاليا, وهناك يتم إلحاقهم بالمدارس, ويعملون ويأتون بالأموال لذويهم, وفي نفس الوقت, يرسلون بصورهم من هناك لأقرانهم علي الفيس بوك, ويبدون وكأنهم في عالم آخر مختلف من حيث النظافة والملبس الجيد والمناظر الخلابة, ما يدفع بهؤلاء الشباب لتقليدهم,
هل الاتفاقية القانونية بين مصر والغرب تساعد علي تدفق موجات الهجرة وتسهل عمل المهربين؟
لا يوجد لدينا قانون في مصر يحكم الهجرة غير الشرعية, وما يتم أن النيابة العامة توصف الفعل وتطبق عليه قانون العقوبات, والقانون الأخير الذي أصدره مجلس الشعب مؤخرا لا يطبق علي واقعة غرق السفينة الأخيرة, لأنه يطبق القانون الأصلح للمتهم, والحملات التي نشطت كثيرا في المرحلة الأخيرة وخاصة بعد الثورة كانت لرحلات السوريين, ولكن نتيجة العدد الكبير لضحايا المركب الأخيرة والتي بلغ عدد ضحاياها أكثر من260 مهاجرا منهم عدد كبير من المفقودين هو الذي لفت الانتباه لهذه الظاهرة
يعاود المحامي جمعة حميد الكلام ويقول: كل جريمة فيها مجني عليه ومتهم, إلا هذه الجريمة, فالمجني عليه والمتهم شريكان في الجريمة, لأن المجني عليه لو عاد للحياة مرة أخري لحاول السفر مرات ومرات حتي تنجح محاولاته في الإفلات من هذا الواقع المخيب للآمال في مصر, لسوء الحالة المعيشية, والدليل علي مسئولية المجني عليهم أنهم يأتون للمركب وهم بلباس البحر, استعدادا منهم للسباحة وقت الغرق,عندما تفاجئهم قوات حرس السواحل, وللناس الحق في السفر والبحث عن أمل أفضل في الحياة, مئات المراكب تمر في كل يوم, والمركب الغريق كانت تزاملها مركب أخري وصلت بسلام, والقضية المتهم الأول فيها هو من تسبب في ضيق الحياة علي هؤلاء, والهجرة مسألة قديمة قدم الإنسان, واليونانيون والأوروبيون جاءوا لنا مهاجرين وعاشوا بيننا ولم نمنعهم, ولم نتخذ ضدهم الإجراءات التي تدفعهم للغرق في البحر.. والمركب عندما تساعد الشباب علي الوصول للشاطئ الآخر فهي تستحق وساما لأنها تساعد الشباب علي تحسين ظروف حياتهم, وهنا قري بالكامل كل بيت فيها, مسافر منه علي الأقل واحد أو اثنان وربما أكثر, مثل الجزيرة الخضراء وبرج مغيزل.
ويضيف جمعة حميد قائلا: لا أعفي الضحايا من المسئولية, والضحايا الذين وصل عددهم لحوالي260 مهاجرا غير شرعي هم شركاء في الجريمة سواء بسواء مع المهربين, لكن أنا علي يقين بأن كل من تم الحكم عليهم لم يكن لهم أي صلة بالموضوع, وللحكم القضائي احترامه, ولكن نحن في انتظار الاستئناف, والجميع هنا يعرفون من الجاني الحقيقي, ومن المهرب الذي علي عاتقه تقع كل هذه الجرائم وهو شخص معروف لنا جميعا, كما هو معروف للشرطة أيضا, وهو حر طليق, وضحاياه كثيرون غرقوا في البحر, أو مظلومون خلف القضبان..
وعلي الدولة عبء كبير لتحسين واقع الحياة لهؤلاء الشباب الذين يعيشون علي هامش الحياة, فالإهمال هو الذي يدفع بهؤلاء للانتحار في البحر, فلا خدمات ولا تعليم ولا صحة,والحياة صعبة,... والمتهم الحقيقي, الجميع يعرفه, والشرطة تعرفه, والشباب مغلوب علي أمره, وفي النهاية يجدون أنفسهم في دائرة الاتهام؟
إبراهيم- صياد علي أعتاب الأربعين من العمر التقيناه للحديث حول قضية تهريب البشر عبر البحر لأوروبا فقال: مثلي مثل كل الصيادين, كلنا علي باب الله ولا نستطيع أن نركب علي المركب إلا بكارنيه وموافقة من خفر السواحل, وكل مركب موجود لابد وأن يكون مستوفيا لكل شروط الترخيص, ولا يخرج من بوغاز رشيد إلا ويتم التأكد من أعداد البحارة الموجودين علي متنه وأسمائهم وأوراقهم الثبوتية ويتم تحرير كل ذلك من خلال دفتر موجود علي المركب, وآخر لدي خفر السواحل, وتخرج المركب إلي عرض البحر, وقد تبقي في البحر يومين أو ثلاثة أو أسبوعا وخفر السواحل لا يعرفون بنية من علي المركب إذا ما كانوا صيادين أو مهربين للبشر, فكل ما علي السواحل أن تتأكد من الأوراق, وأما جريمة التهريب فيتم ارتكابها في المياه الدولية..
وفي الفترة الأخيرة ارتفعت وتيرة الهجرة غير الشرعية للشباب فيما هم تحت ال18 سنة لأن غالبا من يزيد عمره علي ال18 يتم ترحيله إلي مصر مرة أخري, والناس تهاجر من الجزيرة الخضراء,البرج, خال الجني, الخشبة, السكري, لأن ظروفهم صعبة, والعمل في البحر شاق وصعب, والعائد محدود, ولا وظائف للشباب, وفي النهاية الأولاد تهواهم المغامرة والتقليد وكل شاب يحب يكون مثل الآخرين الذين سافروا وأرسلوا أموالا لأسرهم, ولهذا فالشباب عيونهم علي السفر, وقتما يكون عمره15 سنة, والكل يحاول قبل أن يبلغ ال18 سنة وكل أب يكون سعيدا بسفر أولاده, وأسر بالكامل سافرت واستقرت في إيطاليا, وأسر سافر أبناؤها ورجعوا وبنوا العمارات وظهرت عليهم آثار النعمة بعد أن كانوا لا يملكون وجبة العشاء...
وهناك الأولاد الذين هم دون السن تلحقهم السلطات الإيطالية بالمدارس حتي يجدوا العمل المناسب ويبدأوا في إرسال الفلوس لأهاليهم, وأقسم بالله لولا موضوع السفر علي أهالي المنطقة, لأصبحوا كلهم إما بلطجية أو متسولين أو لصوصا..
منذ متي أصبحت عمليات الهجرة غير الشرعية بتلك الكثافة؟
من حوالي عشر سنوات لم تكن هناك ما يعرف بالهجرة الشرعية كما هي الآن, كنت أنا ورفاقي الصيادون عندما لا نجد عملا, فالخروج في البحر لم يعد مغريا, كنا نركب المركب لسواحل ليبيا للعمل هناك منذ عام2004, وكان بعض الشباب يخرجون من هناك علي إيطاليا, ولكن من حوالي عشر سنوات, وعندما اشترطت السلطات الليبية تأشيرة للدخول لليبيا, كنا نركب المركب لمدينة زوارة بالتحديد حيث لا تبعد عن الحدود الإيطالية بأكثر من سفر يوم وليلة, وبدأ السفر من الشواطئ الليبية, ثم تطور الأمر وبدأ يكون فيه سماسرة تهريب مصريين من الإسكندرية ورشيد وبرج مغيزل, والمركب قد تكون سعتها200 أو300 راكب, فيتم تجميعهم من جهات مختلفة عن طريق السماسرة, وعندما يتم تحديد يوم السفر, يتم التواصل معهم وتجميعهم في مناطق تسمي بمنطقة ا التخزين ب علي شاطئ البحر المتوسط بالقرب من الإسكندرية, في مزارع ومبان معروفة, وعندما تحدد ليلة السفر يتم تحميل المهاجرين في لنشات جماعات جماعات, والوصول بهم لمكان المركب الذي غالبا ما يكون في المياه الدولية بعيدا عن عيون خفر السواحل, وللبحر نظام و معالم و جي بي إس, لتحديد الأماكن والاتجاهات, ويكون المركب علي بعد ما بين خمسين ومائة ميل, وعندما يكتمل العدد تتحرك المركب وعندما تكون في موازاة مدينة مصراته أو بني غازي الليبية بالمياه الدولية, تتصل بالصليب الأحمر الإيطالي عن طريق الثريا قبل الوصول للمياه الإيطالية, فيرسلون إليهم الوابور أو اللنش ليأخذ الحمولة من المركب, ويأخذون المهاجرين الذين غالبا ما يكونون شبابا صغيرا, في حين يقومون بترحيل الشباب فوق سن أل.18
ولكن ما قيمة المبلغ الذي يتقاضاه المهربون من المسافرين نتيجة قيامهم بالتهريب؟
أولا أشير إلي أن الزيادة الكبيرة في عمليات التهريب خلال المرحلة الماضية, أعطت للمهربين الثقة في أنفسهم, فكل من يريد السفر يدفع مبلغا يتراوح مابين15 إلي20 ألف جنيه, وأبناء القري المعروفون لأصحاب المراكب لا يدفعون شيئا قبل وصولهم لإيطاليا, وإن سافروا ورجعوا مرة أخري فهم غير ملزمين بدفع جنيه واحد, ولهم الأولوية في السفر مرة أخري, بل وصل بهم الحال إلي أن الشاب الذي لا يملك المبلغ وهم يعرفون عدم مقدرته علي الدفع يتولون تسفيره مجانا دون أن يتقاضوا منه شيئا, وكان لضخامة الأعداد أن نزلوا بالمبلغ الذي وصل في فترة من الفترات إلي خمسين ألفا ليصبح أقل من عشرين ألفا, يدفعه والد الشاب بعد تأكده من وصوله لإيطاليا, ونتيجة رغبة الأعداد الكبيرة في الهجرة أن انضم للعمل في التهريب عدد كبير من أصحاب المراكب الذين رأوا فيه ثراء كبيرا لم يعرفوه خلال سنين طويلة للعمل في الصيد, وتعرضهم للمطاردة من قبل خفر السواحل في اليمن وغيرها من الدول, ونتج علي ذلك بالطبع أن الكثيرين منهم تحولوا لأصحاب ملايين بعد الفقر الشديد.
والرزق للناس في البحر صباحي, وأغلبية الصيادين لو أصابهم المرض ولم يخرجوا للعمل سيموت أولادهم من الجوع, ولكن ليس كل من يعمل في الصيد يهربون بشرا, فهم عدد لا يتعدي المائة مهرب علي مستوي المنطقة, وهناك الآلاف لا يعملون في التهريب, والعدد الذي تم القبض عليهم أكثر من خمسين, ولكن المتهمين الحقيقيين دون العشرة مهربين, ولسوء الحظ غرقا المركب في مسافة لا تزيد علي ساعة من الشاطئ, ووقت غرق المركب اتصل الأولاد بالأهالي, وكان من الممكن إنقاذهم لولا تأخر التصريح للمراكب لإنقاذهم, والصيادون المشهورون بالتهريب موجودون في قري الخشبة, الجزيرة الخضراء, برج رشيد ب.
لكن يتردد أن المهربين يتخلصون من الركاب قبل كيلو أو اثنين كيلو من الشواطئ الإيطالية.. هل هذا صحيح؟
هذا لا يحدث, ومن الذي سيقوم بالتخلص من عدد مائة أو مائتي شخص في عرض البحر, لكن ما يحدث أن الإيطاليين هم الذين يأخذونهم من المركب, والشباب الذين تم إنقاذهم من المركب سافروا ومن لم يسافر منهم يستعد للسفر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.