بطريرك الكاثوليك يهنئ مار بولس الثالث نونا بطريركًا على الكنيسة الكلدانية    إيران تحتجز سفينتين بمضيق هرمز بعد تمديد ترامب الهدنة    مصرع شخص وإصابة 14 في انقلاب ميكروباص على طريق سفاجا – قنا    صلاح لبن الصحفي في اندبندنت عربية يفوز بجائزة «فيتيسوف» العالمية    ارتفاع كبير في درجات الحرارة ورياح وشبورة، الأرصاد تعلن حالة الطقس اليوم الخميس    "تجارة عين شمس" تتزين باللون الأخضر احتفاء بيوم الأرض العالمي    عودة التوقيت الصيفي .. الحكومة تبرره بتوفير الطاقة.. ومراقبون: يُربك حياة المواطنين ويختصر اليوم    فشل تمرير مشروع قرار لتقييد صلاحيات ترامب في الحرب على إيران    آمال خليل.. صوت الميدان الذي لم يغادر الجنوب    «تاريخ الدولة العلية».. رحلة من مصر إلى إسطنبول في سيرة سياسية نادرة ل«كامل باشا»    الأمين العام للأمم المتحدة: يجب وقف الهجمات على قوات اليونيفيل في جنوب لبنان    نقابة الصحفيين تدين استهداف صحفيتين بجنوب لبنان: جريمة مكتملة الأركان    حملات مكبرة لإزالة الاشغالات في شوارع المنوفية    انطلاق الملتقى التكنولوجي لكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي بجامعة دمياط    مصرع وإصابة 4 أفراد من أسرة واحدة في حادث تصادم بأسوان    «السكة الحديد» تبدأ العمل بالتوقيت الصيفي الجمعة.. هل تتغير مواعيد القطارات؟    متحدث الوزراء: نكثف جهودنا لتوفير السلع الأساسية واحتواء تداعيات الحرب الإقليمية    رئيس الوزراء اللبناني: استهداف الصحفيين وعرقلة وصول الفرق الإغاثية إليهم يمثلان جرائم حرب    عضو صحة النواب: المرحلة الثانية من التأمين الصحي الشامل تبدأ بالمنيا ضمن خطة التوسع بالمحافظات    ترتيب الدوري الإسباني بعد فوز برشلونة على سيلتا فيجو في الجولة ال32    أول شلتر متخصص.. خطة متكاملة لجهاز العبور للتعامل الحضاري مع الكلاب الحرة    اليوم.. قطع مياه الشرب عن منطقة جنوب العاشر من رمضان 24 ساعة    محافظ القليوبية ورئيس جامعة بنها يفتتحان مركز الشبان للذكاء الاصطناعي    محافظ الجيزة يتابع خطط العمل ونسب إنجاز المشروعات بمنشأة القناطر    سبورتنج لشبونة يتخطى بورتو ويتأهل لنهائي كأس البرتغال    حلمي طولان: المال حول وائل جمعة من الزمالك إلى الأهلي    إيران تخوض 4 مباريات ودية في تركيا قبل مواجهة مصر في كأس العالم    قبل صدام الأهلي وماتشيدا.. تاريخ المواجهات السعودية اليابانية في النهائيات الآسيوية    كشف حساب "ليام روسينيور" مع تشيلسي.. سلسلة نتائج مخيبة ورقم سلبي عمره 114 عامًا    إبراهيم عادل: لم أتوقع صفقة زيزو.. وجماهير الأهلي تضعك تحت ضغط أكبر من الزمالك    شريف منير عن مسلسل رأس الأفعى: يضمن بقاء الحقائق في ذاكرة المصريين    نقابة المهن الموسيقية تنفي وفاة هاني شاكر: الحالة تتحسن وبدأت تستجيب للعلاج    كبير الأثريين عن تمثال الشرقية: لم يُكتَشف بالصدفة.. وأي حاجة فيها تل لها علاقة بالآثار    استقرار الدولار أمام الجنيه في البنوك المصرية الخميس 23 أبريل 2026    السيطرة على حريق نشب في محل لبيع الادوات الكهربائيه بمنطقة المنشية بالإسكندرية    القبض على صانعة محتوى بعد نشر فيديوهات مثيرة للجدل    هيئة البث الإسرائيلية: جنديان بسلاح الجو سيتهمان بالتجسس لصالح إيران    متحدث مجلس الوزراء: قانون الأسرة للمصريين المسيحيين جاء بعد حوار مجتمعي    البابا تواضروس الثاني يستقبل وفدًا من كنيسة رومانيا    هيئة البث الإسرائيلية: استياء من القرار الأمريكي بتمديد وقف إطلاق النار مع إيران    20 لاعبا بقائمة غزل المحلة لمواجهة بتروجيت في الدورى    أخبار × 24 ساعة.. الحكومة: الخميس 7 مايو إجازة رسمية بمناسبة عيد العمال    إعلام القاهرة تطلق منصة بحثية متخصصة وتوسع شراكاتها الدولية    عويضة عثمان: الصدقة على الفقير قد تُقدَّم على حج التطوع وفقًا للحاجة    محمد الكحلاوي: سعيد بتكريمي وأتمنى للثقافة الوصول بمكانة مصر وقوتها الناعمة لآفاق عالمية    «الأخبار»تحاور محافظى سيناء فى ذكرى تحرير «أرض الفيروز»    هل إكرامية عامل الدليفري تعتبر صدقة؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    جهود وزارة الداخلية وقضية النقاب ومصلحة المجتمع    هل الدعاء يُغير القدر؟!    الاعتماد والرقابة الصحية: اعتماد 13 منشأة صحية وفق معايير جهار المعترف بها دوليا    سلاف فواخرجي توجه رسالة مؤثرة للمصريين.. ماذا قالت؟    نائب وزير الصحة يترأس اجتماع لجنة الأجهزة التعويضية.. تبسيط الإجراءات وتسريع الصرف في صدارة الأولويات    خالد الجندي: زوال الأمم مرتبط بالفساد والظلم.. والقرآن الكريم يربط بشكل واضح بين الظلم والهلاك    بالصور.. قافلة طبية لعلاج المرضى الأولى بالرعاية بمركز ملوى    جامعة العريش تُتوِّج «الأم المثالية على مستوى الكليات لعام2026»    وزنه 5 أطنان وارتفاعه 240 سم.. تفاصيل العثور على تمثال أثرى ضخم بالشرقية.. فيديو    شيخ الأزهر يحذر من خطورة تسليع التعليم ويؤكد: لا لعزل الأبناء عن ماضي أمتهم    وزيرا «الصحة» و«النقل» يبحثان تطوير سلاسل الإمداد الدوائي ودعم الجهود الإنسانية لغزة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإخوان‏..‏ والصعود نحو الهاوية‏24‏

مع ما شهدته فترة نهايات الثمانينيات والتسعينيات من تطورات ومتغيرات متلاحقة علي مستوي العالم‏,‏ وما أحدثته من تغير في خرائطه السياسية والجغرافية والفكرية‏,‏
كان من أبرز تجلياتها انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي الشرقي وما صاحبه من تصدع للأفكار الأممية هذا من ناحية‏,‏ ومن ناحية ثانية كانت هذه الفترة ايضا وصلة نمو وزخم للحركات الدينية بمجمل تنوعاتها الراديكالية الجهادية والوسطية الدعوية والخيرية‏..‏ وفي القلب منها تنظيمات الإخوان المسلمين‏..‏ إلا أن محصلة هذه العوامل أثرت بشكل مباشر أو غير مباشر علي الطموحات والشعارات الكبري التي سعي إليها التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وأصبحت هذه الشعارات أقل دافعية مع الانغماس الكبير والمتسارع من الإخوان في العملية السياسية داخل أقطارهم وما يستدعيه ذلك من واقعية تتطلب خفض السقف والاقتصاد في الأحلام والأماني الكبار‏.‏
‏(‏حسام تمام‏,‏ المنار الجديد‏,‏ العدد‏27,‏ سبتمبر‏2004:‏ التنظيم الدولي للإخوان‏...‏ الوعد والمسيرة والمال‏,‏ ص‏4).‏ وتركت تأثيرات كبيرة علي جسم وهيكل التنظيم الدولي أدت إلي إضعافه‏,‏ كان من أهم هذه الاسباب غزو العراق للكويت واندلاع حرب الخليج الثانية‏,‏ حيث شهد التنظيم الدولي خلافا فقهيا وسياسيا بين اعضائه حول الموقف من التعامل مع تلك القضية‏,‏ بالإضافة إلي فقدان قيادته المؤسسة قوة ومبرر قبضتها الحديدية علي التنظيم الدولي حيث أخذ في الضعف والتآكل مع شيخوخة قائده المؤسس‏(‏ مصطفي مشهور‏)‏ وتعزز هذا الضعف بوفاة مصطفي مشهور وتولي مأمون الهضيبي‏(‏ المرشد العام السادس‏)‏ مسئولية قيادة جماعة الإخوان في مصر‏,‏ والذي كان أقل حماسا في التعامل مع هذا الملف بسبب علاقاته غير الطيبة مع أقطاب التنظيم الدولي الذين سجلوا علي ممارساته ملاحظات سلبية خاصة في تعمده تهميش أي دور للقيادات الإخوانية من خارج مصر‏,‏ وإصراره وقت كان نائبا للمرشد العام علي إلغاء منصب المتحدث الرسمي للإخوان في الغرب‏,‏ وتوحيد جهة الحديث باسم الإخوان وجعلها من اختصاصه‏.‏
وجاءت احداث‏11‏ سبتمبر‏2001‏ بكل ما صاحبها ولا حقها من تداعيات وتطورات علي مستوي العالم كله‏,‏ والتي تركت بصمات واضحة علي مجمل الحركات الإسلامية بشكل خاص‏,‏ لتضع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في وضع صعب وحرج ولتزيد وبدرجة عالية من مشاكله وتصدعاته‏.‏
وهكذا تضافرت الأوضاع الإقليمية والعالمية لتؤكد تراجع التنظيم الدولي‏,‏ بل واحتمالات تصفيته‏...‏ وفي مصر بشكل خاص أصبح الكثير من قيادات وكوادر الاخوان ينظرون إلي التنظيم الدولي علي اعتبار أنه صار عبئا علي الجماعة من الناحية السياسية والأمنية ينظر للتنظيم الدولي كعبء أمني علي التنظيمات الفرعية‏,‏ باعتباره كان سببا لعدد من الضربات الأمنية التي تعرضت لها بعض تنظيمات الإخوان القطرية والتطورات المتسارعة في الجماعة والمنطقة والعالم عموما تؤكد أن تصفية التنظيم الدولي للإخوان لن تجد معارضة معتبرة من الداخل أو الخارج‏,‏ حتي من أشد المؤمنين به فالقيادات المصرية ستجد في ذلك دعما لاستراتيجيتها غير المعلنة في التركيز علي دور سياسي داخلي أكبر‏(‏ نفس‏,‏ ص‏13).‏
‏..‏ وظهرت القدرات المالية للإخوان المسلمين كتنظيم بشكل جلي في المعارك الجماهيرية التي خاضوها سعيا لتمديد نفوذهم السياسي والاجتماعي‏..‏ مثل الانتخابات البرلمانية وانتخابات النقابات المهنية‏,‏ بل وامتدت لتظهر بوضوح في الجامعات المصرية من خلال انتخابات الاتحادات الطلابية أو الأسر الطلابية التي شكلها طلاب الإخوان في الجامعات والتي تميزت بقدراتها علي تقديم خدمات حقيقية للطلاب لتصبح من أهم عوامل الجذب والنفوذ في القطاع الطلابي‏.‏
كذا الحال في الجانب الخدمي الاجتماعي‏,‏ بانت القدرات المالية الجيدة للإخوان والتي كفلت لهم ضمن عوامل أخري ذاتية وموضوعية نفوذا اجتماعيا وسياسيا في الكثير من الأوساط الاجتماعية خاصة بين الفئات الاجتماعية المحرومة من الخدمات والرعاية الأساسية في مجالات الصحة والتعليم والتوظيف‏...‏ إلخ‏.‏
وفي هذا السياق من المهم الإشارة إلي بعض المناسبات التي أظهرت القدرات المالية للإخوان المسلمين‏,‏ كمناسبة الانتخابات البرلمانية المصرية مجلس الشعب‏2005‏ والتي كشفت ما توفر لمرشحي الجماعة من أموال لتغطية نفقات المعركة الانتخابية‏,‏ خاصة أن الكثير منهم أي المرشحين الإخوان لا ينتمون لأصول اجتماعية ثرية‏..‏ ولم يكن سرا ما ردده بعض هؤلاء المرشحين‏,‏ أو قيادات أساسية في الجماعة وقت الانتخابات أنهم حددوا لكل كرسي في البرلمان ميزانية مصروفات في حدود خمسة ملايين جنيه أي ما يقرب من المليون دولار‏..‏ وكشف المرشد العام الحالي السابع السيد مهدي عاكف عقب توليه منصبه في منتصف يناير‏2004,‏ وفي حديث لمجلة المصور المصرية عن قدرته علي جمع‏15‏ مليون جنيه بالتليفون خلال ساعات‏.‏
ومن الأمور الجديرة بالذكر أيضا فيما يخص اقتصاديات الإخوان المسلمين ومواردهم المالية أن تنظيمات الإخوان في الخليج كانت المورد الرئيسي لدعم الجماعة ماليا في مصر حتي بداية حقبة التسعينيات وحدوث الاجتياح العراقي للكويت‏1990,‏ وما كان من مواقف للإخوان المصريين من هذا الاجتياح‏,‏ خاصة موقف الهضيبي والذي قابله فريق كبير من إخوان الخليج والكويت علي الأخص بالعداوة وانعكس ذلك بالسلب علي الدعم المالي للإخوان‏,‏ وجاءت أحداث‏11‏ سبتمبر‏2001‏ لتمثل ضربة شديدة لمصادر تمويل الإخوان‏,‏ والتي علي أثرها تمت تصفية مؤسسات التمويل الإخوانية في الخليج وفي الكثير من بلدان العالم‏,‏ حتي الاستثمارات الإخوانية الضخمة التي كانت تدار بمعرفة أشخاص‏,‏ كتلك التي كان يديرها الملياردير الإخواني يوسف ندا رئيس مجلس إدارة بنك التقوي تعرضت لضغوط وقيود وصلت إلي حد الاتهامات‏,‏ بل وعرفت المصادرة الطريق لبعض منها‏.‏
والمتابعة الراصدة لملف اقتصاديات الإخوان والتمويل والإدارة المالية لموارد الجماعة تكشف عن أن هذا الملف من الملفات الشائكة والغامضة علي مدار مسيرة الإخوان منذ التأسيس وحتي الآن‏,‏ ربما يعود هذا الغموض لمبررات منطقية وموضوعية بسبب القيود القانونية والأمنية قيود السرية وعدم الشرعية‏..‏ وربما أيضا للسبب ذاته ترجع بعض الاتهامات بغياب المؤسساتية والشفافية‏..‏ عن هذا الملف‏.‏
هذه الاتهامات والتي تبدأ من غياب المعلومات الدقيقة والوضوح وتمر بالتفرد المطلق للتصرف في أموال الجماعة وتنتهي بتهم الإفساد والفساد المالي‏..‏ لم يكن بمنأي عنها حتي المرشد الأول المؤسس الشيخ حسن البنا‏..‏ وظهرت في حياته بعض من تلك الأسئلة والاتهامات‏,‏ خاصة في انشقاق أحمد السكري الرجل الثاني في التنظيم بعد البنا مباشرة‏,‏ كذلك انشقاق مجموعة من الإخوان شباب محمد‏.‏
للمزيد انظر السيد يوسف الإخوان المسلمون الجزء الثاني ص‏165,‏ وما بعدها‏.‏
ومن الكوادر الإخوانية الرئيسية التي شككت في الملف المالي للإخوان في حياة البنا‏..‏ إلي مثال معاصر‏..‏ عصام سلطان المحامي‏..‏ رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة‏1986..‏ وهي الفترة التي شهدت سيطرة شباب الإخوان علي الجامعات‏,‏ أمضي ستة عشر عاما عضوا بارزا في جماعة الإخوان وهو عضو مؤسس في حزب الوسط وقريب من الرموز التاريخية للجماعة‏,‏ يتحدث باحترام وتقدير عن دور المرشد الأسبق عمر التلمساني‏...‏ ويتحدث بمرارة عن سلبيات داخل الإخوان المسلمين منها تجاوزات مالية تصل إلي حد الفساد والإفساد‏..‏ ومما جاء في محضر نقاش أجريناه معه بخصوص الأوضاع المالية للإخوان المسلمين قوله‏:‏
‏*‏ ألمحت في الحوارات احتمالية وجود فساد مالي‏..‏ هل لديك معلومات واضحة حول هذا الموضوع؟
‏-‏ طبعا هناك فساد مالي ضخم‏..‏ لأنه لا توجد رقابة علي مصادر الصرف‏,‏ ولا توجد ميزانية ثابتة ولا وجود لأرقام حصرية حول حجم الاشتراكات أو التبرعات أو التحويلات التي تأتي من الخارج‏;‏ لذلك فهناك أشخاص في الجماعة تتعدي مرتباتهم عشرة آلاف جنيه شهريا‏..‏ يصرفونها من ميزانية الجماعة‏.‏
‏*‏ هل هذه الأموال التي يتم تحويلها من الخارج تأتي بأسماء أشخاص أم مؤسسات؟
‏-‏ بالطبع لا أستطيع أن أذكر أسماء‏,‏ ولكن الأموال تحول لأشخاص خارج الصورة تماما‏.‏ وهناك توكيلات من هؤلاء الأشخاص لآخرين تحسبا لأي ظرف طارئ‏.‏ عبد الرحيم علي‏..‏ الإخوان المسلمون أزمة تيار التجديد ص‏195‏ مركز المحروسة للنشر القاهرة الطبعة الأولي‏2004.‏
ثالثا‏:‏ الإخوان بين الديني والسياسي‏:‏
تاريخ جماعة الإخوان يكشف عن حصر الجماعة لأهدافها الأساسية في الديني والأخلاقي طوال مرحلتها الأولي والتي استمرت لما يقرب من عشر سنوات حتي إن المؤتمرات الثلاثة الأولي‏1935,34,33‏ لم تتعرض لا للقضية الوطنية ولا لتحديد موقف من الاستعمار‏..‏ ولا موقف من المشكلات الاجتماعية الاقتصادية التي كانت تهم قطاعات واسعة من الجماهير‏..‏ ولا يكفي في سد هذا النقص‏,‏ ما يحاوله بعض الباحثين من التماس المبررات بالقول بشمول العقيدة الإسلامية لكل هذه القضايا‏..‏ ولقد اعترف الإخوان أنفسهم بقصر نشاطهم علي الأهداف الدينية والأخلاقية في الفترة الممتدة من بداية نشأتهم إلي ما قبل قيام الحرب العالمية الثانية‏.‏
السيد يوسف‏,‏ مرجع سابق‏,‏ ج‏2,‏ ص‏70.‏
ويذهب الدكتور عبد العظيم رمضان في كتابه تاريخ الحركة الوطنية المصرية‏.‏
د‏.‏ عبد العظيم رمضان‏:‏ تطور الحركة الوطنية‏,‏ مرجع سابق‏,‏ ص‏124.‏ إلي أن الفحص التاريخي لحركة حسن البنا أظهر أنه لم يقم بها تأسيس الجماعة لعوامل سياسية تتعلق بالدستور أو الاستقلال أو رفض النظام القائم‏,‏ إنما قام بها لأسباب سلفية تعارض التغريب‏.‏
الإسلام دين ودولة‏:‏
أما قبل تلك المرحلة فقد حرص البنا علي إبراز جماعته كجمعية دعوية تعمل بأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة‏...‏ ولا يعني ذلك عدم اهتمام الجماعة في تلك المرحلة بالشأن السياسي الذي يفرض نفسه علي الجميع‏,‏ بقدر ما كان يعني حرص الجماعة علي عدم إبراز نفسها بمظهر الجماعة السياسية‏,‏ وتأكيد حيادها الرسمي من كل الأحزاب والحكومات وإعلانها المستمر بأنها ليست خصما لأي منها‏..‏ لم يضع البنا الجماعة في مواجهة أي حزب أو حكومة‏.‏ الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية‏,‏ مرجع سابق‏,‏ ص‏59.‏
ويؤكد ذلك ما أشار إليه ريتشارد ميتشل أنه حتي عام‏1939‏ لم يكن من التناقض أن يكون عضو جماعة الإخوان المسلمين عضوا في حزب الوفد‏..‏ أو أي حزب آخر‏.‏ ريتشارد ميتشل‏:‏ الإخوان المسلمون‏,‏ مرجع سابق‏,‏ ص‏49.‏
ومع تنامي قوة الإخوان التنظيمية واتساع نفوذها الجماهيري خرج البنا في مايو‏1938‏ عن طمأنته المعهودة للأحزاب والحكومات بأن الجماعة ليست طرفا سياسيا بل مجرد طرف ناصح أو واعظ‏,‏ وأعلن التحول من دعوة الكلام وحده إلي دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال‏,‏ وأن الجماعة ستخاصم جميع الزعماء والأحزاب سواء كانوا في الحكم أم خارجه خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها‏,‏ إن لم يعملوا علي نصرة الإسلام واستعادة حكمه ومجده‏,‏ وطرح البنا هنا لأول مرة الترسيمة الإخوانية الشهيرة الإسلام دين ودولة‏...‏ ومصحف وسيف‏..‏ لا ينفك واحد من هذين عن الآخر‏.‏الأحزاب والحركات‏,‏ مرجع سابق‏,‏ ص‏61.‏
بذلك اشهر البنا الجماعة كمنظمة ضغط سياسي وأيدلوجي علي الأحزاب والحكومات المصرية‏..‏ أكثر مما اشهرها كمنظمة حزبية سياسية تهدف بنفسها إلي إدارة الحكم‏..‏ وكان ذلك بمثابة التمهيد لدخول الجماعة المعترك السياسي كهيئة سياسية‏..‏ حيث جاء المؤتمر العام الخامس للجماعة‏1939‏ ليكرس لبداية دخول الإخوان المسلمين الحياة السياسية المصرية الصاخبة في تلك المرحلة من تاريخ مصر الحديث‏.‏
وعقب دخول جماعة الإخوان المعترك السياسي بشكل مباشر‏1939‏ تعرضوا لهجوم عنيف من قبل الأحزاب والهيئات الوطنية بسبب مساندة الإخوان لحكومات الأقلية المقيدة للحريات والديمقراطية‏,‏ واتهم الإخوان بالخروج عن برنامجهم الديني والأخلاقي والدخول فيما لا يعنيهم والخلط بين الدين والسياسة‏..‏ واستشعر حسن البنا حيرة الناس من مواقف الإخوان وتساؤلاتهم‏..‏ هل أنتم طريقة صوفية؟ أم جمعية خيرية؟ أم مؤسسة اجتماعية؟ أم حزب سياسي؟‏..‏ وأجاب‏:‏ نحن دعوة القرآن الحق الشاملة الجامعة طريقة صوفية نقية‏..‏ وجمعية خيرية نافعة‏..‏ ومؤسسة اجتماعية قائمة‏..‏ وحزب سياسي نظيف‏..‏ وقد يقولون بعد هذا كله مازلتم غامضين‏..‏ فأجيبوهم لأنه ليس في يدكم مفتاح النور الذي تبصروننا علي ضوئه‏..‏ نحن الإسلام أيها الناس فمن فهمه علي وجهه الصحيح فقد عرفنا‏.‏ السيد يوسف‏:‏ مرجع سابق‏,‏ ج‏2,‏ ص‏57.‏
الإخوان المسلمون‏..‏ حزب سياسي نظيف‏!‏
رغم التغير النوعي في خطاب ورؤية جماعة الإخوان المسلمين الذي جسده المؤتمر العام الخامس في إعلان الجماعة لنفسها كهيئة سياسية‏,‏ حيث تبني المؤتمر لأول مرة في تاريخ الجماعة مواقف نظرية وفكرية وسياسية تجاه الحكم والدستور والقانون والخلافة والوحدة العربية والوحدة الإسلامية والأحزاب المصرية والدول الأوربية‏..‏ إلا أن حسن البنا وانسجاما مع موقفه السلبي من الحزبية‏..‏ وتعاليه علي أفكار العمل الحزبي‏..‏ وغموض مواقفه في هذا الشأن ظل يردد إن الإخوان المسلمين ليسوا حزبا سياسيا‏,‏ وإن كانت السياسة علي قواعد الإسلام من صميم فكرتهم‏..‏ وفي محاولة من البنا للخروج من الموقف الرافض للأحزاب والعمل الحزبي ولإخفاء التناقض بين ذلك الموقف التقليدي الذي ظل يكرره علي مدار ما يقرب من العشرين عاما وبين دخول الإخوان صراحة معترك السياسة كهيئة سياسية كان تصريحه‏,‏ الذي يكشف عن أسلوب متكرر في المراوغة اعتاده الرجل الإخوان المسلمون حزب سياسي نظيف‏.‏ رسائل البنا‏,‏ مرجع سابق‏,‏ ص‏197.‏
ومع تنامي طموحات حسن البنا وجماعته علي ضوء نمو الجماعة واتساع شعبيتها‏,‏ كذا تشجيع القصر وأحزاب الأقلية للإخوان بغية استغلالها واستثمار قوتها الشعبية في صراعهم ضد حزب الوفد‏,‏ وفي مقابل محاولات الإخوان الاستفادة من هذه الظروف‏..‏ دخل الإخوان أتون الصراع السياسي‏..‏ تحالف وتفاهم ثم انقلاب وصراع وكانت المحن المتتالية التي سبقت الإشارة إليها والتي وصلت إلي حد العصف بالجماعة ومرشدها في أواخر النصف الأول من القرن الماضي‏..‏ وفي المسار التالي النصف الثاني من القرن العشرين ظل العامل السياسي والطموح السلطوي بارزين في حركة جماعة الإخوان وأفكارها‏..‏ وتوالت المواجهات والمحن فمن‏11‏ محاولة اغتيال تعرض لها الرئيس جمال عبد الناصر‏..8‏ قام بها الإخوان‏;‏ لأنهم جعلوا أحلامهم في الوصول إلي السلطة كمن يريد الصعود إلي القمر بدابة‏..‏ فخططوا لاغتياله والتخلص منه‏.‏ فؤاد علام‏,‏ الإخوان وأنا‏,‏ ص‏331.‏ ونواصل‏.‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.