رئيس جامعة المنوفية يشارك في الاجتماع الطارئ ل«الأعلى للجامعات»    "الأمن القومي الإسرائيلي" يصدر توجيهات أمنية للإسرائيليين في الإمارات    الإعلان عن حزمة تحسين مرتبات الموظفين قريباً .. خبراء: رسالة طمأنة للمواطنين    سقوط صاروخ إيرانى عنقودى على مبنى جنوب تل أبيب واندلاع حريق.. صور    بعد مكالمة الرئيس السيسي وبزشكيان.. حزب المصريين: تعكس ثقل الدولة المصرية    انطلاق مباراة سيراميكا وطلائع الجيش في كأس مصر    إصابة شخصين في حادث انقلاب دراجة نارية بالدقهلية    نقابة الفنانين التشكيليين تنعى الدكتور أحمد إبراهيم    مائدة إفطار أسطورية فى بحر البلد بالوراق.. ألعاب نارية وتنورة واحتفالات.. فيديو    ستاندرد آند بورز: تصاعد صراع الشرق الأوسط قد يبطئ نمو الاقتصاد الأميركي ويرفع التضخم    السفير عاطف سالم يكشف ل«سمير عمر» دور مصر كوسيط في إسرائيل خلال أحداث «عمود السحاب»    الإمارات تعلن عودة حركة الطيران تدريجيا    عقوبات مؤجلات الجولة ال15 للدوري | لفت نظر وغرامة للزمالك    لاكاي يقود هجوم سيراميكا أمام طلائع الجيش في كأس مصر    محافظ الإسكندرية يشهد احتفالية تجهيز 120 عريسا وعروسة من المجتمع المدنى    استغاثة عاجلة من أهالي قرية أبيوها بالمنيا بسبب كارثة مخلفات بنجر السكر    العراق.. إسقاط مسيرة حاولت استهداف مركز الدعم الدبلوماسي قرب مطار بغداد    السفير عاطف سالم: نجاح المقاومة الفلسطينية يحتاج لتوافق وطنى جماعى    «إفراج» الحلقة 24 | حاتم صلاح يأمر بقتل عمر السعيد.. ومداهمة المباحث للحكر    صناع الخير تكرم حفظة القرآن الكريم بمراكز تنمية الأسرة والطفل بالبحيرة وأسوان    قرّاء الجامع الأزهر يحيون صلاة التراويح في الليلة الرابعة والعشرين من رمضان    هل زكاة الفطر على الجنين فى بطن أمه واجبة؟ دار الإفتاء تجيب    أحد إنجازات المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» لصناعة الأمل بالغربية ...«العزيمة»..حصن لمواجهة الإدمان    لليوم ال 13 التموين تواصل صرف مقررات مارس حتى 12 مساء    الخارجية الروسية تستدعي سفيري بريطانيا وفرنسا على خلفية هجوم أوكراني    النيابة تطلب تحريات إصابة 7 أشخاص بحادث تصادم سيارتين بالعامرية في الإسكندرية    موائد الإفطار الجماعي.. من نقادة إلى دشنا آلاف الصائمين على مائدة واحدة    لبنان: استشهاد 100 طفل في غارات إسرائيلية    محافظ الغربية: رفع درجة الجاهزية لمواجهة التقلبات الجوية    شاهد ردود فعل عمرو الدردير على الأسئلة المستفزة والمقالب في «رامز ليفل الوحش»    قوافل طبية وتوزيع كراتين غذائية على الأسر الأولى بالرعاية في 4 محافظات    عيد الفطر 2026.. دليل التغذية الصحي لتجنب مشاكل الجهاز الهضمي    «صحة القاهرة» تكثّف القوافل الطبية وتقدّم 1589 خدمة مجانية بالمقطم خلال يومين    تحذير من "كارثة تاريخية" إذا تدخلت واشنطن في أسواق النفط    مقترح برلماني لتعديل قانون الأحوال الشخصية لحماية لحقوق الأبناء    تجديد حبس دجال أطفيح بتهمة النصب علي سيدة    ليفاندوفسكي: انتقالي لبرشلونة أصعب قرار في مسيرتي    رصيد القمح بميناء دمياط يتجاوز 96 ألف طن    رسمياً: وزير العمل يعلن موعد وعدد أيام إجازة عيد الفطر للقطاع الخاص    المنبر النبوي موضع خطب الرسول.. كل ما تريد معرفته عنه    سقوط ضحيتين في حادث تصادم مروع بين شاحنة وسيارة نقل بالمعمورة    تشغيل عدد من القطارات الإضافية خلال أيام عيد الفطر.. اعرف المواعيد    محافظ كفرالشيخ يعلن رفع درجة الاستعداد لمجابهة التقلبات الجوية    وزير التعليم العالي يبحث تعزيز التعاون مع اليونسكو في العلوم والتكنولوجيا    الصحة تستعرض تجربة مصر فى خدمات علاج الإدمان باجتماعات لجنة المخدرات بفيينا    مجموعة مصر.. إيران تقترح استضافة المكسيك لمباريات منتخبها في كأس العالم    جامعة قناة السويس تطلق الدورة الرياضية لمهرجان «من أجل مصر» الرمضاني    في أجواء رياضية.. انطلاق مهرجان ختام الأنشطة الرمضانية بمركز شباب الساحل بطور سيناء    إجراء جراحة تثبيت كسر بالساق بتقنية المسمار النخاعي بمستشفى السباعية المركزي بأسوان    يارب بلغني رمضان كاملا.. ماذا كتب طالب أزهري من الفيوم قبل وفاته بحادث بعد صلاة التهجد؟    السيسي يؤدي صلاة الجمعة بمسجد المشير طنطاوي بمناسبة ذكري يوم الشهيد    بمناسبة يوم الشهيد، قيادة قوات الصاعقة تنظم احتفالية لعدد من أسر الشهداء    المنتخب المصري يضم المهدى سليمان لمعسكر مارس استعدادًا لكأس العالم    تجهيزات خاصة في ساقية الصاوي لحفلات عيد الفطر    العمل: فتح الحوار لمناقشة طلبات تعديل بعض أحكام قانون المنظمات النقابية العمالية    «هدف وأسيست».. عبد القادر يقود الكرمة للفوز على الغراف في الدوري العراقي    بيراميدز يختتم تدريباته لمواجهة الجيش الملكي بدوري الأبطال    ميار الببلاوي تعترف: استغل برنامجي للرد على خصومي وتصفية حساباتي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإخوان والانتهازية السياسية
بقلم عبد الرحيم علي

حسن البنا زرع بذور الانتهازية داخل الجماعة منذ النشأة وتلاميذه ساروا علي النهج من بعده القذة بالقذة
تحدثنا بالأمس عن نهاية فصل كامل من الانتهازية السياسية للإخوان‏,‏ ورأينا كيف عاني الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مع طلاب السلطة المناورين ولو علي حساب الوطن‏,‏ استعنا بالزعيم الراحل ونشرنا واحدة من أهم الوثائق التاريخية المتعلقة بالجماعة‏,‏ حتي لا يزايد علينا أحد‏,‏ خاصة ونحن نعلق علي لقاء بهذا الاتساع والتنوع‏,‏ حاولت الجماعة استغلاله كعادتها في الضغط علي النظام للرضوخ لمطالبها‏.‏ ولكن هل يمكن فهم حقيقة تلك الانتهازية التي لازمت الجماعة منذ نشأتها إلا بالعودة الي الجذور‏,‏ فالمؤسس ومنهجه لا بد أن يكونا هما البداية‏.‏ أسس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمون في الإسماعيلية عام‏1928,‏ وسرعان ما انتقل الي القاهرة أواخر عام‏1932,‏ منقولا بناء علي رغبته‏,‏ مدرسا بمدرسة عباس الأول الإبتدائية‏,‏ والسؤال‏:‏ ما الذي كان يحدث في مصر في تلك الفترة ؟‏!‏ بعد وفاة الزعيم سعد زغلول في أغسطس سنه‏1927,‏ تم انتخاب مصطفي النحاس رئيسا للوفد‏.‏ في مارس‏1928,‏ تولي النحاس رئاسة وزارة ائتلافية‏,‏ لكن تحالف الملك فؤاد مع الأحرار الدستوريين أفشل الائتلاف وأسقط الوزارة‏,‏ لتبدأ مرحلة حكم محمد محمود‏.‏
كان قراره الأول هو تأجيل انعقاد البرلمان‏,‏ ذي الأغلبية الوفدية‏,‏ لمدة شهر‏.‏ وقبل نهاية فترة التأجيل‏,‏ استصدر مرسوما بحل البرلمان بمجلسيه وتعطيل المواد التي تكفل استمرار الحياة الدستورية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد‏.‏
حكم محمد محمود باليد الحديدية‏,‏ فقد أعاد قانون المطبوعات الذي يجيز تعطيل وإلغاء الصحف‏,‏ وأهدر الحريات الفردية‏,‏ ومنع اجتماعات المعارضة‏,‏ وحرم الموظفين والطلاب من العمل السياسي‏.‏
كانت حجة محمد محمود‏,‏ لتبرير سياسته التعسفية‏,‏ أن النظام البرلماني في ظل حكم الأغلبية الوفدية لم يحقق مصالح الشعب‏,‏ لكن سياسته لم تستطع الصمود طويلا‏,‏ واضطر إلي تقديم استقالته في أكتوبر‏1929,‏ وجاء عدلي يكن ليجري انتخابات جديدة‏,‏ ولم تستمر الحياة النيابية إلا سبعة أشهر‏,‏ وبعد فشل محادثات النحاس هندرسون‏,‏ استقالت الوزارة الوفدية‏,‏ وجاء إسماعيل صدقي‏,‏ لتبدأ مرحلة الحكم الديكتاتوري من يونيو‏1930‏ إلي ديسمبر‏1935.‏
بعد تولي صدقي باشا الوزارة‏,‏ أصدر قرارا بتأجيل انعقاد البرلمان‏,‏ ثم فض الدورة البرلمانية‏,‏ وصولا إلي إلغاء دستور‏1923,‏ وتشكيل حزب جديد يحمل اسم‏'‏ الشعب‏',‏ أصدر جريدة باسمه‏,‏ وسعي إلي اكتساب الأنصار والمؤيدين بالتهديد والإغواء‏.‏
أجري انتخابات مزورة‏,‏ بعد أن أصدر دستورا جديدا يتسم بالأحكام الرجعية التي تمثل ردة عن الدستور القديم‏,‏ فقد كان غير قابل للتعديل لمدة عشر سنوات‏,‏ ويقيد حق مجلس النواب في سحب الثقة من الحكومة‏,‏ ويعطي سلطات واسعة للحكومة في غيبة البرلمان‏,‏ ونص علي حق تعطيل الصحف‏,‏ كما منح الملك سلطات واسعة‏.‏
تحالف حزبا الوفد والأحرار الدستوريين لمقاومة صدقي‏,‏ الذي استقال في سبتمبر‏1933.‏
ليخلفه في الحكم عبد الفتاح يحيي ثم توفيق نسيم‏,‏ واصطدمت الوزارة الأخيرة بالطلاب في نوفمبر‏1935.‏
عقب تصريح وزير الخارجية البريطانية هور‏,‏ الذي عارض فيه عودة دستور‏1923.‏
قرب نهاية‏1935,‏ وبعد معارك طويلة امتدت لسنوات‏,‏ كانت ملامح الخريطة تتغير‏,‏ ومصر تتهيأ لمرحلة جديدة‏,‏ كما كان العالم كله مشحونا بأحداث جسام‏,‏ تهيئ لاشتعال الحرب العالمية الثانية‏,‏ بعد صعود هتلر في ألمانيا‏,‏ وموسوليني في إيطاليا‏,‏ وارتفاع التوتر الإقليمي والعالمي إلي درجة غير مسبوقة‏.‏
في أكتوبر سنه‏1932,‏ انتقل حسن البنا من مدينة الإسماعيلية إلي القاهرة‏,‏ ليزاول عمله كمدرس بمدرسة عباس بالسبتية‏,‏ وكان ذلك إيذانا بدخول الجماعة مرحلة جديدة‏.‏
كانت مصر تغلي عندما انتقل البنا إلي العاصمة‏,‏ وترزح تحت نير حكم استبدادي ديكتاتوري‏,‏ واستمر السخط ثلاث سنوات بعد انتقاله‏.‏
هل اتخذ البنا والإخوان موقفا سياسيا إيجابيا يتوافق مع تطلع الشعب إلي الحرية والديمقراطية؟
هل اتخذ البنا والإخوان موقفا سياسيا مقاوما للحكم الاستبدادي الذي يمثله صدقي وحزبه؟
في مذكراته‏,‏ يستعيد البنا سنوات التأسيس الأولي‏,‏ ويشير إلي هموم الأمة وأمراضها والعلاج الذي يفكر فيه‏:‏ ويفيض بنا التأثر إلي ما وصلنا إليه‏,‏ وكم كنا نعجب إذ نري أنفسنا في مثل هذه المشغلة النفسانية العنيفة‏,‏ والخليعون هاجعون يتسكعون بين المقاهي ويترددون علي أندية الفساد‏.‏
لا كلمة واحدة عن إلغاء الدستور أو التسلط والحكم الديكتاتوري‏,‏ ولا إدانة عابرة لرموز مثل محمد محمود باشا أو إسماعيل صدقي‏.‏ المشكلة كلها‏,‏ مشكلة الأمة التي ينشغل بها البنا‏,‏ هي التردد علي القهاوي وأندية الفساد‏!.‏
هل كان حسن البنا صادقا مع نفسه‏,‏ ولنطرح السؤال بشكل أوضح هل كان الرجل يسعي لتكوين جماعة دينية أم سياسية ؟‏!‏ تنبئ تصرفات البنا حتي ذلك الوقت‏-‏ أنه لم يكن يهتم بالسياسة وصراعاتها‏,‏ فمشكلة الأمة عنده تكمن في الانحلال والفساد‏,‏ وليس في التسلط والاستبداد والطغيان‏,‏ ومن هنا لم ير فيه إسماعيل صدقي شيئا يستحق الاهتمام‏,‏ ولم يعتبره الوفديون وأعوانهم جزءا من المعادلة السياسية‏.‏
لم تكن الأهداف التي حددها البنا‏,‏ خلال سنوات العمل التأسيسي في الإسماعيلية‏,‏ إلا جملة من الدعاوي والأفكار الدينية الوعظية‏,‏ تدعو إلي مكارم الأخلاق‏,‏ وتنادي بالعودة إلي العقيدة الصحيحة‏,‏ وتجنب الرذائل والموبقات‏,‏ والاهتمام بالتدين والعبادة وتربية النفس‏.‏
أهداف تتسم بالعمومية وتبتعد عن الموقف السياسي‏,‏ وكان حسن البنا حريصا علي إبراز جماعة الإخوان علي اعتبار أنها جمعية دعوية‏,‏ شعارها الحكمة والموعظة الحسنة‏,‏ وغايتها بث المشاعر والأحاسيس الدينية‏,‏ ومثل هذا التوجه لا يمثل تهديدا للعاملين في السياسة‏,‏ ولذلك غابت الأنظار عنه‏,‏ ولم يجد فيه إسماعيل صدقي عدوا معارضا‏,‏ ولم يجد فيه مقاومو صدقي خطورة تستوجب الاهتمام‏.‏
وهكذا استثمر البنا مناخ التوتر والصراع ليحقق مزيدا من التقدم والازدهار‏.‏ يمكن اعتبار فترة الإسماعيلية مرحلة التأسيس واختبار التربة والتأقلم مع المناخ‏,‏ واستطاع الإخوان خلال هذه السنوات أن يكونوا عددا من الشعب في شرق الدلتا‏,‏ لكن عام‏1933,‏ الذي شهد انعقاد المؤتمر الأول للجماعة بالإسماعيلية‏,‏ هو بمثابة الطور الثاني في رحلة الجماعة التنظيمية وإطارها الحركي‏.‏
قبل ذلك‏,‏ لم يكن للجماعة تركيب بنائي بالمعني الاصطلاحي المعروف‏,‏ فقد كانت الشعب في الأقاليم تتلقي تعليماتها من المركز الرئيسي‏,‏ وبتحديد أكثر من حسن البنا شخصيا‏.‏
تكونت هيئة مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين‏,‏ لأول مرة‏,‏ بناء علي قرار مجلس الشوري العام‏,‏ الذي انعقد بالإسماعيلية في شكل المؤتمر الأول للإخوان المسلمين بالقطر المصري‏,‏ يوم الخميس الثاني والعشرين من صفر سنة‏1352‏ هجرية‏,1933‏ ميلادية‏,‏ وكان المؤتمر يمثل‏15‏ فرعا‏.‏ ومع تنامي الجماعة وزيادة عضويتها ونشاطها‏,‏ يمكن رصد بداية المرحلة الثالثة في تاريخ البناء التنظيمي للحركة‏,‏ الذي اتخذ شكلا هرميا‏,‏ يتربع علي قمته المرشد العام‏,‏ ويليه مكتب الإرشاد العام‏,‏ فالمكاتب الإدارية‏,‏ والمناطق والأقسام والشعب‏,‏ وتقسم الشعب إلي أسر‏,‏ والأسرة الواحدة إلي مجموعة أفراد لهم نقيب‏.‏
‏-‏ وكان المؤتمر الثالث‏,‏ في‏1935,‏ تجسيدا لهذه الأطر التنظيمية‏,‏ وأدي إلي استكمال التشكيلات التنظيمية علي أكمل وجه‏.‏
أما عن المؤتمر العام الرابع‏,‏ الذي انعقد في عام‏1936,‏ فلم ينشغل كثيرا بالأوضاع التنظيمية والحركية‏,‏ وغلبت عليه النزعة الاحتفالية‏,‏ ترحيبا بصعود الملك فاروق إلي العرش‏,‏ واستعراضا للقوة النسبية التي وصلت إليها الجماعة‏.‏ الإخوان والقصر‏:‏
لم تكن ساحة الثلاثينات في مصر خالية للإخوان‏,‏ فقد ازدحمت بالأحزاب التقليدية‏,‏ الوفد وخصومه‏,‏ وظهرت حركات وأفكار جديدة‏,‏ مبشرة بالأفكار القومية والفاشية والاشتراكية‏.‏
يتحدد موقف الإخوان المسلمين من الأحزاب‏,‏ علي خلفية تشبث البنا وجماعته بالعودة إلي نظام الخلافة‏,‏ علي اعتبار أنه رمز الوحدة الإسلامية‏,‏ ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام‏,‏ وشعيرة يجب علي المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بشأنها‏.‏
الخلافة لا تتسع بطبيعة الحال للأحزاب والحق في الاختلاف‏,‏ ذلك أن الخليفة هو الحاكم الذي يجسد تعاليم الإسلام ويعبر عن مبادئه‏,‏ فكيف يمكن الاختلاف معه دون تورط في خلاف مع الدين؟
ومن ناحية أخري‏,‏ يري الإخوان أن الحزبية وليدة الحضارة الغربية ونظمها المادية الوضعية‏,‏ وأن المسلمين في غني عن تقليد الظاهرة الوافدة‏,‏ ففي تراثهم‏,‏ ما يغنيهم عن تقليد الآخرين‏,‏ وفي دستورهم الإلهي الشامل ما يكفيهم‏.‏
إن الحزبية عند حسن البنا مؤثمة شائنة‏,‏ ورذيلة ينبغي التبرؤ منها‏,‏ فهي مجرد أداة للتنافر والتقسيم والكيد والانتصار للمناهج الوضعية‏.‏
مثل هذا التصور المضاد للديمقراطية‏,‏ يجعل من التحالف مع القصر‏,‏ والعداء للوفد‏,‏ أمرا منطقيا ومبررا‏.‏
كان الملك أحمد فؤاد حريصا علي إحكام قبضته علي مؤسسة الأزهر‏,‏ ليس لأنه صالح تقي‏,‏ وإنما لرغبته في استثمار الرصيد الشعبي الكبير‏,‏ الذي يمثله الدين‏,‏ في صراعاته السياسية‏,‏ من أجل السيطرة الكاملة علي الدولة‏.‏
وقد بدأ حسن البنا دعوته وعينه علي القصر الملكي‏,‏ وكانت رسالته الضمنية‏,‏ عبر سلوكه الذي يتجنب السياسة من ناحية‏,‏ ويعادي الوفد من ناحية أخري‏,‏ أنه عون للعرش والجالس عليه‏,‏ وليس قوة محسوبة ضده‏.‏
لم يكن الملك فؤاد ذا سلوك ديني ملتزم‏,‏ لكن الإخوان بالغوا في مدحه والثناء علي تدينه‏,‏ وتجلي ذلك بوضوح في المراثي العديدة التي أعقبت موته‏,‏ حيث أشاروا بشكل صريح إلي أنه حامي الإسلام ورافع رايته‏,‏ ونشرت صحيفة الإخوان مقالات عديدة تدعو فيها خلفه فاروق إلي التمسك بالتقاليد الإسلامية لأبيه‏,‏ وتصف الملك الشاب بسمو النفس وعلو الهمة‏,‏ وتضفي عليه سمات المربي والأستاذ والمثل الأعلي‏.‏
وقد كتب حسن البنا في التاسع من فبراير سنة‏1937,‏ قبل يومين من احتفال فاروق بعيد ميلاده السابع عشر‏,‏ مقالا يحمل عنوان‏'‏ حامي المصحف‏',‏ يقول فيه إن ثلاثمائة مليون مسلم في العالم تهفو أرواحهم إلي الملك الفاضل الذي يبايعهم علي أن يكون حاميا للمصحف‏,‏ فيبايعونه علي أن يموتوا بين يديه جنودا للمصحف‏.‏
ويمضي البنا في مقاله ليؤكد أن الإخوان هم أخلص جنود الملك‏.‏
وعندما تولي فاروق عرش مصر بشكل رسمي‏,‏ ظهرت أصوات تطالب بأن يكون التتويج في حفل ديني‏,‏ يقام في القلعة‏,‏ ويقلده فيه أستاذه الشيخ المراغي شيخ الأزهر‏,‏ سيف جده محمد علي‏,‏ وأن يؤم الملك الناس إثر التتويج علي اعتبار أنه الإمام الذي تصدر باسمه أحكام الشريعة‏.‏
وقد قاوم مصطفي النحاس‏,‏ زعيم الوفد ورئيس الوزراء‏?‏ آنذاك‏?,‏ تلك الدعوة ذات الصبغة الدينية‏,‏ ورأي فيها إقحاما للدين فيما ليس من شئونه‏,‏ وإيجاد سلطة دينية خاصة بجانب السلطة المدنية‏.‏ كما رفض النحاس فكرة أن يتلقي الملك بعض سلطته من غير البرلمان‏.‏
كان الإخوان وزعيمهم حسن البنا من المنادين بتتويج الملك في إطار ديني‏,‏ وعندما انتصر النحاس وفرض إرادته‏,‏ قام جوالة الإخوان المسلمين باستعراض ضخم لتأييد الملك‏,‏ وتكرر الأمر في المظاهرات الإخوانية التي خرجت تهتف للملك عند اختلافه مع النحاس‏,‏ وأطلق المتظاهرون علي الملك لقب‏'‏ أمير المؤمنين‏'.‏
كان الإخوان‏,‏ بتوجيه حسن البنا‏,‏ يبحثون عن دعم ملكي لمواجهة شعبية الوفد وسيطرته علي الشارع السياسي‏,‏ وكان الملك ومستشاروه يبحثون عن كل القوي التي تعادي الوفد وتستطيع أن تهدد قوته وتشق صفوفه‏.‏
العداء للوفد هو المشترك الأكبر الذي جمع بين الإخوان والقصر الملكي‏,‏ لكن أزمة الإخوان كانت في تصورهم أن العلاقة بينهم وبين القصر هي علاقة ندية متكافئة‏,‏ ولم يكن الملك ورجاله يرون فيهم إلا أداة لتخويف الوفد‏.‏
ولقد استمر تأييد الإخوان للقصر والملك حتي سقط النظام كله‏,‏ ومن ناحيته‏,‏ أسدي الملك ورجاله خدمات جليلة للبنا وجماعته‏,‏ لكن التحالف لم يكن مبدئيا أو قائما علي أسس تصلح للبقاء‏,‏ ولم يكن إلا تعبيرا عن الانتهازية السياسية للإخوان‏,‏ وحاجة القصر للعمل من أجل إضعاف الوفد‏.‏
الإخوان والوفد‏:‏
كان منطقيا أن يكون التوتر هو السائد الحاكم لعلاقة الإخوان مع حزب الوفد‏,‏ فالأمر في حقيقته صراع بين مدرستين مختلفتين واتجاهين متناقضين‏.‏
منذ البدء‏,‏ نشأ الوفد تجمعا وطنيا أكثر منه حزبا سياسيا‏,‏ واعتبر الوفديون أنفسهم الورثة الشرعيين لثورة‏1919‏ بكل مبادئها وشعاراتها‏.‏ وفي المقابل‏,‏ كان الإخوان يتخذون موقفا متحفظا من الثورة الشعبية الوطنية البعيدة عن التوجه الإسلامي‏,‏ وكان طموحهم في السيطرة علي الشارع‏,‏ وبخاصة الفئات الدنيا منه‏,‏ يصطدم بقوة الوفد وسيطرته شبه المطلقة علي من ينشغلون بالعمل الوطني والسياسي‏.‏
البدايات الأولي للإخوان لا تنم عن عداء صريح للوفد‏,‏ لكن إنتهازيتهم السياسية جعلت موقفهم يتسم بالسلبية عندما خاض الوفد معركته ضد ديكتاتورية محمد محمود وإسماعيل صدقي‏,‏ وارتقي الأمر إلي درجة العداء العلني الصريح في منتصف الثلاثينيات‏.‏
كانت بداية هجوم الإخوان علي الوفد في عام‏1935,‏ عندما أبدي الزعيم مصطفي النحاس إعجابه بالزعيم التركي مصطفي كمال أتاتورك‏,‏ ورأي فيه عبقريا يفهم المعني الحقيقي للدولة الحديثة‏,‏ التي تستطيع أن تعيش وتنمو في ظل المتغيرات الدولية‏.‏
هاجم البنا أتاتورك والنحاس معا‏,‏ و اتهم الوفد بأنه لم يحقق شيئا من آمال المسلمين عبر حكوماته المتتالية‏.‏
اللافت للنظر هنا‏,‏ استخدام البنا لكلمة المسلمين وليس المصريين‏,‏ ذلك أن برنامج الوفد لا يشير من قريب أو بعيد إلي الدفاع عن مصالح المسلمين‏,‏ والتركيز كله علي المصريين دون النظر إلي دياناتهم‏.‏
وتكرر الهجوم علي الوفد وزعيمه بعد توقيع معاهدة سنه‏1936,‏ واعتبرها الإخوان معاهدة مشئومة تخدع المصريين‏.‏
واتهموا حزب الوفد بمعارضته تطبيق الشريعة الإسلامية‏,‏ وانحازوا في كل الصراعات التي جرت بين الوفد والملك إلي مصلحة السراي‏,‏ وهو ما دفع بعض الصحف الوفدية إلي التحذير من مخاطر صعود الإخوان‏,‏ وأثارت من جديد قضية الفصل بين الدين والدولة‏.‏
قد استمر الإخوان في معاداة الوفد والانحياز إلي السراي‏,‏ التي مثلت في نظرهم العامل الدائم في المعادلة‏,‏ مقابل العامل المتغير الذي مثله الوفد في نظرهم‏,‏ وبخاصة أن كثيرا من الرؤي الملكية تتوافق مع الفكر الإخواني‏,‏ وبخاصة فيما يتعلق بالموقف السلبي من الدستور والحكم البرلماني والنظام الحزبي‏.‏ ولم يتورع البنا عن الهجوم علي الزعيم سعد زغلول‏,‏ وثورة‏1919‏ بالتبعية‏,‏ ورأي فيه زعيما حيث لا زعيم‏!‏
المؤتمر الخامس والإحساس بالندية‏:‏
كان المؤتمر العام الخامس للإخوان المسلمين‏,‏ في يناير‏1939,‏ هو الأهم والأضخم في تاريخ الجماعة‏,‏ وتزامن مع الاحتفال بمرور عشر سنوات علي تأسيسها‏.‏
اهتم المؤتمر بتنظيم الشأن الداخلي للجماعة‏,‏ وحدد البنا للأعضاء نطاق حركتهم‏,‏ وصاغ الشعار العام الذي تمسكت به الجماعة عبر تاريخها كله‏:‏ الحركة دعوة سلفية‏,‏ وطريقة سنية‏,‏ وحقيقة صوفية‏,‏ ومنظمة سياسية‏,‏ وجماعة رياضية‏,‏ ورابطة علمية ثقافية‏,‏ وشركة اقتصادية‏,‏ وفكرة اجتماعية‏.‏
كان المؤتمر واضح الدلالة علي أن الجماعة قد اشتدت وقويت واستقلت‏,‏ وأنها تتعامل بقدر من الندية والشعور بالقوة مع الأحزاب السياسية والحكومات المتعاقبة‏,‏ فضلا عن القصر الملكي ورجاله من مستشاري الملك‏.‏
وقتها أعلن البنا في حسم أما الإخوان فإنهم سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها‏,‏ وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة
وفي محاولة لتهدئة المتحمسين من الشباب‏,‏ قال أيها الإخوان المسلمون وبخاصة المتحمسين المتعجلين منكم اسمعوها مني كلمة عالية مدوية من فوق هذا المنبر في مؤتمركم هذا الجامع‏:‏ إن طريقكم هذا مرسومة خطواته وموضوعة حدوده ولست مخالفا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول وأجل قد تكون طريقا طويلا ولكن ليس هناك غيرها إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال‏.‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.