موت مفاجئ أم حادث غامض؟، القصة الكاملة لوفاة الطبيب ضياء العوضي في الإمارات    استقرار أسعار الذهب في مصر مع تباين عالمي وعيار 21 عند 7035 جنيه    محافظ شمال سيناء: افتتاح مطار العريش الدولي في يونيو.. والميناء البحري تحول من رصيف إلى ساحة سفن عملاقة    باكستان تشكر إيران على إرسال وفد رفيع المستوى لإجراء المحادثات في إسلام آباد    الكونفدرالية، اتحاد العاصمة يتقدم على أولمبيك آسفي بهدف في الشوط الأول    جريمة قها تهز الشارع.. القبض على متهمين بابتزاز فتاة بعد واقعة اعتداء    وزيرة الثقافة تشارك في احتفالية يوم اليتيم بقنا (صور)    وفاة ضياء العوضي تتأكد رسميًا.. ومحاميه يكشف آخر تطورات القضية    توقيع بروتوكول تعاون بين جامعة بنها وصحة مطروح لتطوير الخدمات الطبية    أولمبيك آسفي ضد اتحاد العاصمة.. بطل الجزائر يتقدم بهدف على أصحاب الملعب    عبدالرحيم علي: أمن الخليج العربي لا بد أن يكون جزءًا من أي محادثات تسوية    تصعيد غير مسبوق بالضفة الغربية    التلفزيون الإيراني: المطالب الأمريكية المفرطة والتناقضات المستمرة تعرقل المحادثات    جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا تحقق قفزة نوعية في التصنيفات الدولية لعام 2026 وتعزز مكانتها عالميا    تحديد موعد جديد لانطلاق مباراة أولمبيك آسفي واتحاد الجزائر بنصف نهائي الكونفدرالية    الزمالك يتوّج بكأس مصر لكرة السلة للمرة ال13 بعد الفوز على المصرية للاتصالات    كرة طائرة – بتروجت يعلن قائمة الفريق المشاركة في بطولة إفريقيا    تموين كفر الشيخ: جاهزية 25 موقعا من صوامع وشون مطورة لاستلام الأقماح    مصرع شاب غرقا فى مياه ترعة المحمودية بالبحيرة    مأساة في الغربية.. وفاة طالب أسفل كميات حديد تسليح أثناء مروره بدراجة في كفر الزيات    بعد ثبوت اضطرابه النفسى.. إيداع قاتل والدته وأشقاءه ال5 بالإسكندرية في مستشفى الخانكة    رئيس شعبة الطاقة المستدامة يكشف تفاصيل مبادرة «شمس مصر»    بدوى: تقليل المكون المستورد بمشروعات توصيل الغاز    وائل جسار يدعو ل«هاني شاكر»: يارب اشفِ أخويا وحبيبي    عزومة خاصة من الفنانة يارا السكري للقديرة "إسعاد يونس" على الهواء    ماذا يحدث فى أكاديمية الفنون؟    الناقدة إيمان كامل تكتب:«كوم النور».. سيرة بطل أم حلم أمة؟    الإكثار من الطاعات والعبادات.. أفضل المناسك المستحبة في شهر ذي القعدة    نشأت الديهي: تنمية سيناء أولوية وأبناؤها داعمون للدولة    كريم عبد العزيز ينعى والد الفنانة منة شلبي    فحص وعلاج 500 رأس ماشية بالمجان في قافلة بيطرية بمركز طما فى سوهاج    فعاليات بطولة الجمهورية للكيك بوكسينج تشهد تألق سليم عمرو    محافظ الأقصر يوجه بسرعة إنشاء وحدة الغسيل الكلوي في إسنا لخدمة الأهالي    الشغب واقتحام أرضية الملعب يتسبب في تأخر انطلاق مباراة آسفي واتحاد العاصمة    رياح مثيرة للرمال والأتربة غدا الاثنين على هذه المناطق    التجارة الداخلية تطلق موقعها الجديد بعد تطوير شامل ضمن خطة التحول الرقمي    تطورات حرجة في الحالة الصحية للفنان هاني شاكر    ضبط صانع محتوى لنشره محتوى غير لائق على مواقع التواصل    حالة طلاق كل دقيقتين    ضبط كيانات مخالفة لتصنيع وتعبئة أسمدة ومخصبات زراعية بالمنوفية    صواريخ بالستية ومُسيرات.. تقرير أمريكي يكشف ترسانة إيران الناجية من الحرب    بعد نصيحة أيمن يونس.. كيف يعزل معتمد جمال لاعبى الزمالك عن فخ التشتيت؟    بروتوكول تعاون بين النيابة العامة ووزارة التضامن لدعم الفئات الأولى بالرعاية    وظائف الأوقاف 2026، المؤهلات المطلوبة وأوراق التقديم الرسمية للإمام والخطيب    محافظ المنوفية يعتمد جداول امتحانات الفصل الدراسي الثاني " دور مايو " لصفوف المراحل التعليمية    لجنة الاستئناف تعدل عقوبة الشناوي.. وتؤيد غرامة الأهلي    توقيع اتفاقية تجديد استضافة مصر للمكتب الإقليمي لمنظمة «الإيكاو»    استئصال ورم خبيث يزن 2 كيلو من بطن طفلة 10 سنوات بمستشفى طنطا    الهلال الأحمر الفلسطيني: 700 مريض فقط غادروا غزة للعلاج.. وآلاف الحالات الحرجة تنتظر    حزب المحافظين يعقد مائدة مستديرة بعنوان "نحو إصلاح شامل لقانون الأحوال الشخصية"    عاجل- الرئيس السيسي يهنئ رئيس جيبوتي بفوزه بولاية رئاسية جديدة ويؤكد تعزيز الشراكة الاستراتيجية    تعيين الإذاعي عبد الرحمن البسيوني رئيسًا للإذاعة المصرية    نجاح أول عملية جراحة لتركيب صمام خارجي لعلاج استسقاء المخ بمستشفى دكرنس العام    الصحة: فحص أكثر من 735 ألف طفل حديث الولادة في مبادرة «100 مليون صحة» للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية    الإفتاء توضح حكم الصلاة بملابس أصابها بول طفل بعد الجفاف.. دار الإفتاء توضح الضوابط الشرعية    هل التشهير بالآخرين عبر الإنترنت جائز شرعا؟.. الأوقاف توضح    تنظيف المنزل ليلًا لا علاقة له بالفقر وهذا الاعتقاد لا أصل له في الشرع    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى 2026    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحلقة الرابعة : القول بالنسخ‏..‏ مرض أصاب الكثير من المتكلمين في القرآن الكريم

شبهات وردود‏:‏ الافكار الاسلامية السامية‏,‏ التي عرضنا لها في الحلقات السابقة‏,‏ قد تجد من يتصدي لها ويرفضها باسم الاسلام‏,‏ والحجة المعلنة ان كثيرا من الآيات الواردة فيما سبق منسوخة‏
ولا حجة في الاعتماد عليها‏.‏لقد زعموا ان آيات سورة التوبة وبخاصة آية السيف قد نسخت ما نزل قبلها من آيات تحض علي التسامح والتعايش المشترك‏.‏ ان القول بالنسخ مرض اصاب بعض المتكلمين في القرآن الكريم‏,‏ وكان سبب بلاء شديد للأمة الاسلامية ويمتد الداء الي العصر الحديث‏,‏ ويظهر شباب يتسمون بقلة العلم وضيق الصدر‏,‏ يعلنون نسخ ألا إكراه في الدين‏,‏ ونسخ الا محاسنة في الدعوة‏,‏ ويؤكدون دون أن يدروا ان الاسلام دين بني علي القهر والاجبار‏!.‏ومن هنا وجب علينا قبل الولوج إلي قسم السنة وحرية الرأي والتعبير أن نبحث قليلا في دعوي النسخ‏,‏ وما اشتبه علي البعض من آيات نزلت في معاملة خصوم الاسلام بقسوة‏,‏ الي حد مقاتلتهم احيانا لأسباب لا يختلف المشرعون قديما وحديثا علي وجاهتها‏,‏ وعلي انها لا تنافي الحرية الدينية في ارقي المجتمعات‏!‏ نظرات في القرآن محمد الغزالي ص‏70‏ اولا‏:‏ قضية النسخ‏:‏
لقد احتج انصار دعوي النسخ في اثبات دعواهم بآيتين لا توجد ثالثة لهما في القرآن الكريم‏,‏ الاولي قول الله عز وجل‏:‏ وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون النحل‏:101,‏ والثانية قوله جل شأنه‏:‏ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها او مثلها ألم تعلم ان الله علي كل شيء قدير البقرة‏:106‏ .‏
وفسروا الاولي بالقول‏:‏ اذا نسخنا حكم أية‏,‏ فأبدلنا مكانه حكما اخر‏,‏ ربما هو اصلح للناس‏,‏ اتهم المشركون النبي بأنه مفتر اي يختلق تلك الآيات من عنده‏,‏ ويرد الشيخ محمد الغزالي امام اهل السنة في النصف الثاني من القرن العشرين بان هذه التأويلات جميعها بعيدة عن الآية‏.‏
ويجزم بأن مشركي مكة لم يدر بخلدهم شيء من هذا الذي جعله بعض المفسرين سببا لنزول الآية‏.‏ وانما هو تنزيل الآيات علي آراء الفقهاء والمتكلمين وتحميل القرآن ما لا تتحمله آياته ولا ألفاظه من معان ومذاهب‏,‏ وانما الشرح الصحيح للآية‏:‏ ان المشركين لم يقنعوا باعتبار القرآن معجزة تشهد لمحمد بصحة النبوة‏,‏ وتطلعوا الي خارق كوني من النوع الذي يصدر عن الأنبياء قديما فهو في نظرهم الآية التي تخضع لها الاعناق‏,‏ اما هذا القرآن فهو كلام ربما كان محمد يجيء به من عند نفسه‏,‏ وربما كان يتعلمه من بعض اهل الكتاب الذين لهم بالتوراة والانجيل دراية‏..‏ وقد رد الله سبحانه وتعالي علي هذه الطعون‏,‏ بانه ادري من المشركين بنوع الاعجاز الذي يصلح للعالم حاضره وغده وان هذه الآية اجدي علي البشر واخلد في انشاء الايمان وتثبيته من اي آية اخري‏.‏ المصدر نفسه ص‏72‏
واما الآية الثانية فيقول الإمام محمد عبده في تفسيرها ان المعني الصحيح الذي يلتئم مع السياق‏:‏ ان الآية هنا هي ما يؤيد الله تعالي به الانبياء من الدلائل علي نبوتهم‏,‏ اي ما ننسخ من آية نقيمها دليلا علي نبوة نبي من الانبياء‏,‏ اي نزيلها‏,‏ ونترك تأييد نبي اخر بها‏,‏ او ننسها الناس‏,‏ لطول العهد بما جاء بها‏,‏ فإننا بما لنا من القدرة الكاملة والتصرف في الملك‏,‏ نأتي بخير منها من قوة الاقناع‏,‏ واثبات النبوة‏,‏ او مثلها في ذلك‏.‏ ومن كان هذا شأنه في قدرته‏,‏ وسعة ملكه فلا يتقيد بآية مخصوصة يمنحها جميع انبيائه‏,‏ والآية في اصل اللغة هي‏:‏ الدليل‏,‏ والحجة‏,‏ والعلامة علي صحة الشيء وسميت جمل القرآن آيات لانها باعجازها حجج علي صدق النبي‏,‏ ودلائل علي انه مؤيد فيها بالوحي من الله عز وجل‏,‏ من قبيل تسمية الخاص باسم العام محمد عبده تفسير المنار الجزء الاول ص‏417‏ طبعة دار الفكر .‏
وقد قدم الشيخ محمد الخضري في كتابه الرائع اصول الفقه تفسيرا للآيات العشرين التي اوردها السيوطي في كتابه الاتقان في علوم القرآن علي انها منسوخة‏,‏ واثبت الخضري‏.‏ بالدليل القاطع انها غير منسوخة‏.‏ محمد الخضري اصول الفقه ص‏251‏ 255‏ .‏
ثانيا‏:‏ آيات القتال‏:‏
يرصد الدكتور احمد صبحي منصور حقيقة مهمة تؤكد ان علماء التراث في العصور الوسطي قد تقاعسوا عن اعطاء آية الاذن بالقتال حقها من التدبر‏,‏ لان التدبر في معناها يعطي حقائق مسكوتا عنها‏,‏ فالآية تقول‏:‏ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله علي نصرهم لقدير الحج‏:39‏ ,‏ فهي إذن وتصريح لكل من يتعرض للظلم والقتل بأن يدافع عن نفسه‏,‏ بغض النظر عن عقيدته ودينه‏.‏ يكفي ان يكون مظلوما وان يتعرض لاحتمال الإبادة بالقتل‏,‏ حينئذ يأتيه نصر الله إذا قاتل دفاعا عن حقه في الحياة احمد صبحي منصور حول العلاقة بالآخر مجلة الانسان والتطور العدد رقم‏60‏ .‏
وقد غفل علماء التراث عن عمومية الآية في تشريعها الإلهي لكل مظلوم يفرض الاخرون عليه الحرب‏.‏ وغفلوا عن معني اخر اهم‏,‏ وهو ان الايذاء الذي اوقعه المشركون بالمؤمنين وصل الي درجة القتل‏,‏ بل القتال‏,‏ وحين يقاتل المشركون قوما مسالمين لا يردون عن انفسهم القتل فإن الابادة لأولئك المستضعفين حتمية‏.‏
اي ان القرآن يشير الي حقيقة تاريخية اغفلتها عنجهية الرواة في العصر العباسي‏.‏
وهي ان المشركين قاموا بغارات علي المدينة وحدث قتل وقتال للمسلمين‏,‏ وسكت المسلمون لان الإذن بالقتال لم يكن قد نزل‏.‏ فلما نزل التشريع اصبح من حقهم الدفاع عن النفس‏.‏
كما غفل علماء التراث ايضا عن التدبر في الآية التالية لتشريع الاذن بالقتال‏.‏
فالآية تقول‏:‏ الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز الحج‏:40‏
فالآية هنا تعطي سببا في حيثيات الاذن بالقتال لرد العدوان‏.‏ السبب الاول ان اولئك المظلومين تعرضوا للقتل والقتال‏,‏ والسبب الثاني انهم تعرضوا للطرد من بيوتهم ووطنهم لمجرد انهم يقولون ربنا الله‏,‏ وهذا ما اشار اليه علماء التراث ولكنهم غفلوا بسبب التعصب الديني في عصر الامبراطورية العباسية في القرون الوسطي‏,‏ عن التدبر في الفقرة الثانية من الآية والتي تؤكد انه لولا حق المظلوم في الدفاع عن نفسه لتهدمت بيوت العبادة للنصاري واليهود والمسلمين وغيرهم حيث يذكر العابدون فيها اسم الله كثيرا‏.‏
الاهمية القصوي هنا في تأكيد القرآن حصانة بيوت العبادة لليهود والنصاري والمسلمين حيث ذكر الصوامع والبيع والصلوات‏,‏ اي كل ما يعتكف فيه الناس للعبادة من أديرة وكنائس وغيرها ثم جاء بالمساجد في النهاية‏.‏ وقال عن الجميع انهم يذكرون فيها اسم الله كثيرا‏.‏ ولم يقل طبقا لعقيدة الاسلام في الالوهية يذكر فيها اسم الله وحده حتي يجعل لكل بيوت العبادة الخاصة بكل الملل والنحل حصانة من الاعتداء‏.‏
والاهمية القصوي هنا ايضا ان تشريع الاذن بالقتال ليس فقط لرد الاعتداء ولكن ايضا لتقرير حرية العبادة لكل انسان في بيت العبادة‏.‏ مهما كانت عقيدته او الطريقة التي يتعبد بها الي الله‏,‏ فلكل انسان الحق في ان يتعبد لله‏,‏ ويقيم بيوتا خاصة بهذه العبادة‏,‏ ولابد ان تكون هذه البيوت واحة آمنة تتمتع هي ومن فيها بالأمن والسلام‏,‏ وتلك هي حقيقة الاسلام التي غفل عنها علماء التراث‏.‏
وكان منتظرا من المومنين المسالمين حول النبي ان يبتهجوا بتشريع الاذن لهم برد الاعتداء والدفاع عن النفس‏,‏ ولكن حدث العكس اذ انهم تعودوا الصبر السلبي وتحمل الاذي‏,‏ لذلك كرهوا التشريع الجهادي برد الاعتداء وغفلوا انه ضروري لحمايتهم من خطر الابادة‏.‏
لانه اذا عرف العدو انهم لن يسكتوا فسيتوقف عن الاعتداء عليهم‏,‏ وبذلك يتم حقن الدماء‏.‏
وفي ذلك يقول تعالي للمؤمنين‏:‏ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسي ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسي ان تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون البقرة‏:216‏ ,‏ لقد كرهوا القتال دفاعا عن النفس وهو خير لهم‏,‏ واحبوا الاستكانة والخضوع لمن يحاربهم وهو شر لهم‏.‏ والسبب انهم تعودوا السلام والصبر الي درجة تمثل خطرا علي وجودهم ودينهم‏.‏
الا ان هذا التوضيح القرآني للمومنين المسالمين لم يكن كافيا لبعضهم لكي يخرجهم من حالة الخضوع الي حالة الاستعداد لرد العدوان‏,‏ ولذلك فإن فريقا منهم احتج علي تشريع القتال ورفع صوته لله بالدعاء طالبا تأجيل هذا التشريع‏,‏ وفي ذلك يقول تعالي‏:‏ ألم تر الي الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال اذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله او اشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا اخرتنا الي اجل قريب قل متاع الدنيا قليل والاخرة خير لمن اتقي ولا تظلمون فتيلا النساء‏:.77‏
كانوا في مكة مأمورين بكف اليد عن الدفاع عن النفس اكتفاء بإقامة الصلاة وايتاء الزكاة‏,‏ فلما فرض عليهم القتال الدفاعي احتج فريق منهم وطلبوا التأجيل‏..‏ وهذا يدل علي عمق شعورهم بالمسالمة وكراهية الدماء‏.‏
تشريعات الجهاد او القتال في الإسلام‏:‏
من خلال الاطار السابق نستطيع ان نتفهم تشريعات الجهاد او القتال في الاسلام‏.‏
والجهاد في مصطلح القرآن يعني النضال ابتغاء مرضاة الله بالنفس والمال‏,‏ وقد يكون ذلك بالدعوة السلمية بمجرد قراءة القرآن‏,‏ كقوله تعالي عن القرآن‏:‏ فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا الفرقان‏:52‏ ,‏ وقد يكون الجهاد قتالا للدفاع عن النفس‏,‏ وهنا تتولي تشريعات القرآن وضع احكامه وقواعده واهدافه او مقاصده‏.‏
وعموما فالأحكام في التشريعات القرآنية هي اوامر تدور في اطار قواعد تشريعية‏,‏ وهذه القواعد التشريعية لها مقاصد او اهداف او غايات عامة‏.‏ فالامر بالقتال له قاعدة تشريعية‏,‏ وهو ان يكون القتال للدفاع عن النفس ورد الاعتداء بمثله‏,‏ او بتعبير القرآن في سبيل الله ثم يكون الهدف النهائي للقتال هو تقرير الحرية الدينية ومنع الاضطهاد في الدين‏,‏ كي يختار كل انسان ما يشاء من عقيدة وهو يعيش في سلام وامان‏,‏ حتي يكون مسئولا عن اختياره امام الله تعالي يوم القيامة‏.‏
وهذه بعض الامثلة علي ما سقناه‏:‏
يقول تعالي‏:‏ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين البقرة‏:190‏ فالامر هنا قاتلوا والقاعدة التشريعية هي‏:‏ ولا تعتدوا وتتكرر القاعدة التشريعية في قوله تعالي‏:‏ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم واتقوا الله واعلموا ان الله مع المتقين البقرة‏:194‏ اما المقصد او الغاية التشريعية فهي في قوله تعالي‏:‏ وقاتلوهم حتي لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان الا علي الظالمين البقرة‏:193‏ اي ان منع الفتنة هي الهدف الاساسي من تشريع القتال‏.‏ والفتنة في مصطلح القرآن هي الاكراه في الدين والاضطهاد الديني‏,‏ وهذا ما كان يفعله المشركون في مكة ضد المسلمين‏.‏
وبتقرير الحرية الدينية ومنع الفتنة او الاضطهاد الديني يكون الدين كله لله تعالي‏,‏ يحكم فيه وحده يوم القيامة دون ان يغتصب احدهم سلطة الله في محاكم التفتيش واضطهاد المخالفين في الرأي‏,‏ وذلك معني قوله تعالي‏:‏ وقاتلوهم حتي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير الانفال‏:39‏ .‏
والواضح ان هذه التشريعات عن القتال في الالام تؤكد السلام وتحميه من دعاة العدوان‏,‏ وتؤكد حرية العقيدة وتفويض الامر فيها لله تعالي يوم القيامة‏,‏ وتحميها من دعاة التعصب والتطرف واكراه الاخرين في عقائدهم واختياراتهم‏.‏
ومع وضوح الصلة بين مفهوم الاسلام والايمان وتشريعات القتال‏,‏ الا ان تشريعات القرآن جاءت بتأكيدات اخري حتي تقطع الطريق علي كل من يتلاعب بتشريعات القرآن ومفاهيمه‏.‏
ونعطي لذلك مثالا ساطعا في سورة النساء وهي تتحدث عن حرمة قتل انسان ممسالم مؤمن الجانب تقول الآية‏:‏ وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا الإخطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلي أهله الا ان يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة الي اهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما النساء‏:92‏ ,‏ اي لا يمكن ان يقتل مؤمن مسالم مؤمنا مسالما الا علي سبيل الخطأ‏,‏ او بمعني اخر لا يمكن ان يتعمد المؤمن المسالم قتل مؤمن مسالم اخر‏.‏ ثم تتحدث الآية عن الدية المفروضة واحكامها‏.‏
وتتحدث الآية‏:‏ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما النساء‏:93‏ عن عقوبة قتل المؤمن المسالم فتقول‏:,‏ فالذي يقتل مؤمنا مسالما جزاؤه الخلود في جهنم مع العذاب العظيم ولعنة الله وغضبه‏,‏ وهي عقوبات فريدة قلما تجتمع فوق راس احد من الناس يوم القيامة‏.‏
وتتحدث الآية‏:‏ ياأيها الذين آمنوا اذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقي إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ان الله كان بما تعملون خبيرا النساء‏94‏ عن ذلك المؤمن المسالم الذي تحرص تشريعات القرآن علي حقه في الحياة يقول تعالي‏:‏ اي في جريمة قتل انسان مسالم شاء سوء حظه ان يوجد في الميدان‏,‏ ويعطي القرآن مسوغ نجاة لكل انسان في الجهة المعادية‏,‏ بمجرد ان يقول السلام عليكم فإذا قالها حقن دمه‏,‏ واصبح مؤمنا مسالما حتي في ذلك الوقت العصيب‏,‏ اي ان المسلم المسالم المؤمن هو من يقول السلام حتي في الساعة الحرب‏..‏ واذا تعرض للقتل فإن قاتله يستحق الخلود في النار والعذاب العظيم ولعنة الله وغضبه‏.‏
اما اذا كان محاربا يقتل المسلمين في الحرب‏,‏ ثم بدا له إن يراجع نفسه فما عليه الا ان يعلن الاستجارة‏,‏ وحينئذ تؤمن حياته او يعطي الأمان ويسمعونه القرآن حتي يكون سماعه للقرآن حجة عليه يوم القيامة‏,‏ ثم علي المسلمين ايصاله الي بيته في امن وسلام‏.‏ وذلك معني قوله تعالي‏:‏ وان احد من المشركين استجارك فأجره حتي يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون التوبة‏:6‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.