رئيس وزراء كندا: إرسال الجيش 70% من ميزانيته إلى أمريكا قد ولت تماما    "القاهرة الإخبارية": جيش الاحتلال يحاصر مدينة بنت جبيل اللبنانية تمهيدا لعملية برية واسعة    سيد عبد الحفيظ: قرار الاتحاد مخالف للوائح.. والأهلي بيعرف يحصل على حقوقه    جامعة بني سويف ترفع حالة الطوارئ بالمستشفيات بمناسبة عيد القيامة وشم النسيم    وزير الدفاع والإنتاج الحربي يكرم عددًا من القادة الذين أوفوا العطاء بالقوات المسلحة (صور)    لليوم ال 12 وبالتزامن مع عيد القيامة.. التموين تواصل صرف مقررات أبريل    "الزراعة" تصدر 987 ترخيصا لمشروعات الإنتاج الحيواني والداجني خلال مارس    «الصحة» ترفع الجاهزية بالمنشآت الطبية تزامنًا مع احتفالات عيد القيامة وشم النسيم    في أجواء من الود.. محافظ القليوبية يهنئ الأنبا نوفير أسقف شبين القناطر    خبير اقتصادي: إغلاق مضيق يضغط على معدلات التضخم عالميًا    الرئاسة الفلسطينية تدين اقتحام المستوطنين ووزير الأمن الإسرائيلي للمسجد الأقصى    محافظ الشرقية يهنئ الإخوة الأقباط بعيد القيامة المجيد    المجرية بلانكا جوزي تتوج بكأس العالم للخماسي الحديث بالقاهرة    ضبط 740 كيلو أسماك مدخنة مجهولة المصدر بالشرقية    ضبط قائدي دراجتين ناريتين لأدائهما حركات استعراضية بالتجمع الخامس    تأجيل محاكمة عاطل لاتهامه بضرب شاب حتى الموت بالتجمع الخامس    فريق إغاثة من التضامن لمتابعة حادث تصادم أتوبيس مع ميكروباص بالطريق الصحراوي    محافظ بني سويف يزور دار صديقات الكتاب المقدس لتهنئة الأطفال بعيد القيامة    مصرع شاب في حادث انقلاب دراجة نارية في الفيوم    كلمات صادمة ل بسنت سليمان في آخر ظهور قبل إنهاء حياتها من الدور ال 13    مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير يطلق مسابقة للأعمال المصرية باسم خيري بشارة    التعليم: عدم عقد أي امتحانات أو تقييمات خلال أيام أعياد المسيحيين    ناشدت المواطنين الإبلاغ عن المخالفات، سلامة الغذاء: حملات رقابية موسعة وإعدام أغذية فاسدة    رئيس جامعة القاهرة يزور قداسة البابا تواضروس الثاني مهنئا بعيد القيامة المجيد    تشكيل تشيلسي المتوقع أمام مانشستر سيتي بالبريميرليج    أجواء شديدة الحرارة وزيادة فترات سطوع الشمس وارتفاع الدرجات مستمر لآخر الأسبوع    محافظ أسيوط: استمرار رفع نواتج تطهير الترع بقرية النواميس بالبداري    مبادرات طلابية مبتكرة بجامعة العريش لترشيد الطاقة «وفرها... تنورها»    نحو عقد ثقافى جديد: هندسة القوة الناعمة المصرية    «شم النسيم عيد مصري قديم عمره 4700 عام».. خبير آثار يروي الحكاية    محافظ الجيزة: تنفيذ 97% من الخطة الاستثمارية و90% من طلبات التصالح بحي العجوزة    علاج 2264 مواطنا خلال قافلة طبية بإحدى قرى الشرقية    وزير الصحة يترأس مناقشة رسالة دكتوراه مهنية في «حوكمة الطوارئ»    سيناريو صادم، ماذا يحتاج الأهلي لحسم لقب الدوري؟    الذكاء الاصطناعى سلاح الصهاينة فى حرب الإبادة ..قطاع غزة «مختبر مفتوح» لخوارزميات القتل الجماعى    رسالة خوان رولفو إلى حبيبته كلارا    طفى النور اللى مش محتاجه.. ريهام عبد الغفور توجه رسالة للمواطنين لترشيد الكهرباء    أسامة قابيل بعد مأساة بسنت: نحن مقصرون في احتواء من حولنا    التقويم الهجرى.. اعرف النهارده كام شوال وموعد ميلاد هلال ذى القعدة    المونوريل يتيح 12000 فرصة عمل لتصميم وتنفيذ الأعمال المدنية    سيد عبد الحفيظ يصل على رأس وفد الأهلي إلى اتحاد الكرة    النحاس: أريد الفوز على الأهلي في الجولة الأخيرة «الحديث عن التفويت كلام قهاوي»    أمين عام سنودس النيل الإنجيلي يكتب: قيامة الرجاء    انتصار السيسى تهنئ أبناء مصر الأقباط بمناسبة عيد القيامة المجيد    الضغوط النفسية والخلافات الأسرية.. كلمة السر في وفاة "بسنت سليمان" خلال بث مباشر بالإسكندرية    تحذير عاجل من الصحة قبل شم النسيم 2026: الرنجة خطر على هذه الفئات    الصحة توجه رساله هامة حول الولادات القيصرية .. تفاصيل    12أبريل 2026.. أسعار الأسماك بسوق العبور    7 ملايين برميل يوميا.. السعودية تعلن عودة خط أنابيب شرق-غرب للعمل بكامل طاقته    التفاصيل الكاملة: "حسبي الله فى الغيبة والنميمة ورمى الناس بالباطل".. آخر ما كتبته سيدة الإسكندرية قبل القاء نفسها من الطابق ال13    الرفض الإيراني للشروط الأمريكية دفع فانس للعودة سريعًا إلى الولايات المتحدة    اليوم.. منتخب الصالات يواجه الجزائر وديا استعدادا لأمم أفريقيا    الصين تنفي تزويد إيران بالأسلحة وتؤكد حيادها تجاه كافة الأطراف    نائب محافظ الإسماعيلية يشهد قداس عيد القيامة المجيد بمطرانية الأقباط الأرثوذكس    هل السوشيال ميديا أصبحت بديلًا لطلب الحقوق؟ خبير أسري يرد    كواليس المخطط| محمد موسى يوضح دور "الإرهابية" في إدارة منصة ميدان    ننشر نص خطاب الأهلي لاتحاد الكرة بسبب منع سيد عبد الحفيظ    عالم أزهري يحسم الجدل حول نقوط أفراح الجمعية: أكل مال الناس بالباطل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ننشر نص كلمة وزير الخارجية بجلسة مجلس الأمن حول سد النهضة
نشر في بوابة الأهرام يوم 29 - 06 - 2020

قدم سامح شكرى ، وزير الخارجية ، إفادة شاملة حول ملف سد النهضة ، وآخر ما توصلت إليه المفاوضات، خلال مشاركته بجلسة مجلس الأمن الدولي، مساء اليوم، الإثنين، لمناقشة ملف سد النهضة .
وفيما يلي نص كلمته:
السفير المندوب الدائم لفرنسا لدي الأمم المتحدة
رئيس مجلس الأمن عن شهر يونيو 2020،
السادة ممثلو الدول الأعضاء في مجلس الأمن،
الزميلان والأخوان العزيزان ممثلا كل من السودان وإثيوبيا،
أود في البداية أن أهنئ رئيس المجلس على قيادته الحكيمة وإدارته لأعمال مجلس الأمن في وقت يشهد فيه العالم تحديات وأزمات غير مسبوقة.
كما أتوجه بالشكر للسيدة "روز ماري دي كارلو" وكيل سكرتير عام الأمم المتحدة على كلمتها.
فهذه، وبحق، فترة مضطربة في تاريخ الإنسانية، حيث نواجه خطراً داهماً وعدواً خبيثاً حصد عدداً يصعب حصره من أرواح البشر، وألحق بنا معاناة اقتصادية غير مسبوقة، وتسبب في توقف الحياة في جميع أنحاء العالم، ولكن بينما نواجه كارثة هذه الجائحة العالمية وتنكشف لنا هشاشة وضعنا، فإنه يتعين علينا أن نتذكر انتماءنا المشترك للإنسانية.
فنحن في نهاية المطاف، ورغم تعدد الثقافات والعقائد، وتنوع الأمم والشعوب، أسرة إنسانية واحدة، يتعين لتحقيق رفاهيتها أن نتجاوز المصالح الضيقة وأن نعمل على إعلاء روابط التضامن بين أطراف مجتمعنا العالمي.
السيد الرئيس،
إن القضية التي أستعرضها معكم اليوم ترتبط بأمر جلل بالنسبة للشعب المصري، وهي مسألة تتطلب، مثلما هو الحال بالنسبة لجهود مواجهة الجائحة الحالية، أن نلتزم بروح التعاون فيما بيننا، وأن نعترف بأن الأمم لا تعيش في جزر منعزلة، وإنما نحن جميعاً منتمون لمجتمع واحد، مرتبطون بمصير مشترك.
لقد ظهر خطر وجودي يهدد بالافتئات على المصدر الوحيد لحياة أكثر من 100 مليون مصري، ألا وهو سد النهضة الإثيوبي، هذا المشروع الضخم الذي شيدته إثيوبيا على النيل الأزرق، والذي يمكن أن يعرض أمن وبقاء أمة بأسرها للخطر بتهديده لمصدر الحياة الوحيد لها.
ومع تقديرنا لأهمية هذا المشروع في تحقيق الأهداف التنموية للشعب الإثيوبي، وهو الهدف الذي نسانده وندعمه، فإنه من الضروري إدراك أن مشروعاً بهذا الحجم، والذي يعد أضخم مشروع لتوليد الطاقة الكهرومائية في إفريقيا، يهدد مقدرات ووجود ملايين المصريين والسودانيين.
ولذلك، فإن ملء وتشغيل السد بشكل أحادي، ودون التوصل لاتفاق يتضمن الإجراءات الضرورية لحماية المجتمعات في دولتي المصب، ويمنع إلحاق ضرر جسيم بحقوقهم، سيزيد من التوتر ويمكن أن يثير الأزمات والصراعات التي تهدد الاستقرار في منطقة مضطربة بالفعل.
ومن هنا، فإنه من المهم أن ينظر مجلس الأمن في هذه القضية باعتباره المحفل الذي أوكل المجتمع الدولي إليه مسئولية فريدة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، فمن المتوقع أن يمارس المجلس مهامه بيقظة لتلافي تصاعد التوتر، ومنع اندلاع الصراعات، واحتواء الأزمات التي تهدد المساس بالسلام في إقليم يعاني قدراً من الهشاشة. وإننا لعلى ثقة في أن مجلس الأمن، وفي اضطلاعه بواجباته والوفاء بمسئولياته، سيولي كل العناية وسيعمل بنشاط للتصدي لأي حالة تتخذ فيها إجراءات أحادية يمكن أن تهدر المبادئ التي تأسس عليها النظام الدولي والتي تكرست في ميثاق هذه المنظمة.
إن مصر كدولة مسئولة ارتأت عرض الأمر على مجلس الأمن لتجنب المزيد من التصعيد ولضمان ألا تتسبب الإجراءات الأحادية في تقويض فرص التوصل إلى اتفاق حول سد النهضة، أو المساس بحقوق ومصالح دولتي المصب، أو، وهو الأمر الأكثر خطورة، تعريض حياة أكثر من 150 مليون مواطن مصري وسوداني للخطر، على نحو يُفاقم التوتر في منطقة غير مستقرة.
ولذلك فإننا نرى في انعقاد جلسة مجلس الأمن اليوم خطوة إيجابية، إذ يعكس التزام أعضاء المجلس باضطلاع هذا الجهاز الرئيسي في الأمم المتحدة بمسئولياته على النحو المنصوص عليه في ميثاق المنظمة.
السيد الرئيس،
نحن في مصر نعيش في أكثر مناطق حوض النيل جفافاً، وبلادنا الأكثر شُحاً في المياه على وجه الأرض. فهذا الواقع القاسي يحصرنا فيما لا يزيد عن 7% من أراضينا، وعلى شريط أخضر ضيق ودلتا خصيبة يُقيم فيها الملايين، إذ يبلغ متوسط نصيب الفرد من المياه حوالي 560 متراً مكعباً سنوياً، الأمر الذي يضع مصر على قائمة الدول التي تعاني من الشُح المائي وفقاً للمعايير الدولية.
ومن ناحية أُخري، فقد حبا الله إخواننا في إثيوبيا بموارد مائية وفيرة تتضمن متوسط أمطار يصل إلى 936 مليار متر مكعب سنوياً من المياه، بالإضافة إلى أحواض 11 نهراً آخر، بعضها تتشارك فيها مع دول مجاورة، وهي الموارد التي توفر فُرصاً لا حصر لها للتعاون والتكامل الإقليمي.
وهذا كله يعني أنه إذا تم ملء وتشغيل سد النهضة بشكل أحادي، وفي غياب اتفاق يحقق المنفعة للجميع ويحمي الأرواح وسُبل العيش لمجتمعات دولتي المصب، فإن ذلك قد يؤدي إلى تفاقم الواقع الهيدرولوجي الصعب ويعرض الملايين في مصر والسودان للخطر.
في الوقت ذاته، نحن ملتزمون بالعمل بلا كلل لدعم جهود إخواننا في الدول الإفريقية، وخاصةً دول حوض النيل بما فيها إثيوبيا، لتحقيق الرفاهية؛ الأمر الذي يؤكده التاريخ الطويل للتعاون البنّاء بين مصر وتلك الدول في تنفيذ مشروعات تنموية عديدة؛ منها بناء السدود ومشروعات حصاد الأمطار وحفر الآبار وإزالة الحشائش التي تعيق تدفق النهر.
ويعكس ما تقدم إيماننا الثابت بمصيرنا المشترك كأفارقة، ويؤكد اقتناعنا بأن نهر النيل ليس حِكراً على مصر أو ملكية خالصة لأي دولة مشاطئة أخرى لهذا النهر، وإنما هو ميراث مشترك ووديعة مُقدسة لخير شعوبنا جميعاً.
ولذلك انخرطت مصر خلال ما يقرب من عقد كامل من الزمان في مفاوضات مُضنية حول سد النهضة، وكان هدفنا خلال هذه المفاوضات الشاقة هو الوصول إلى اتفاق عادل يمكن إثيوبيا من تحقيق أهدافها التنموية المشروعة، وفي نفس الوقت يقلص من الآثار العكسية والضارة لهذا السد علي المجتمعات في دولتي المصب، وقد عملنا وبذلنا الجهد للتوصل إلى هذا الاتفاق حتى تستفيد إثيوبيا من القدرات التنموية لهذا السد مع الحد من مخاطره على كل من مصر والسودان.
السيد الرئيس،
على ضوء ما حواه خطابا حكومة جمهورية مصر العربية اللذان وُجِها إلى مجلس الأمن بتاريخ الأول من مايو و19 يونيو 2020 من تفاصيل خاصة بمراحل التفاوض حول سد النهضة، فإنني سأكتفي هنا بعرض المحطات والملامح الرئيسية لهذه المفاوضات الشاقة التي شاركنا فيها بحُسن نية وأظهرنا إرادة سياسية صادقة للتوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن يحفظ حقوق الدول الثلاث التي تتشارك في النيل الأزرق.
فمنذ أن بدأت إثيوبيا بشكل منفرد في بناء سد النهضة، شهدت المفاوضات العديد من الاجتماعات الثلاثية والقمم الثنائية بين قادة الدول الثلاث.
وبالإضافة إلى ذلك، وفيما يؤكد التزامنا الذي لا يتزعزع وإيماننا الراسخ بقيم قارتنا الإفريقية، فقد عقدنا وشاركنا في عدة قمم واجتماعات ثنائية ومتعددة الأطراف مع أشقائنا الأفارقة لتيسير التوصل إلى اتفاق يُؤَمّن لإثيوبيا توليد الكهرباء بكفاءة واستدامة مع الحد من الآثار السلبية لهذا السد، ومنع حدوث الضرر الجسيم لدولتي المصب بسببه.
كما عقدنا عدداً لا يحصى من الاجتماعات الثلاثية لوزراء الموارد المائية وللخبراء الفنيين، بالإضافة إلى لقاءات عديدة لوزراء الخارجية لإحاطة هذه المفاوضات بالدعم السياسي، كما شكلنا لجنة مستقلة من الخبراء الهيدرولوجيين لإعداد رؤية محايدة لسيناريوهات ملء وتشغيل سد النهضة.
ولكن، للأسف، لم تُحقق هذه الجهود أي نجاح.
ولتخطي هذه العقبات وإعطاء دفعة لمحادثاتنا، فقد أبرمت الدول الثلاث في 23 مارس 2015، اتفاق إعلان المبادئ حول سد النهضة الإثيوبي، وهو اتفاق دولي وضع التزامات واضحة لا غموض أو لبس في مضمونها، أهمها إعادة تأكيده على التزام إثيوبيا القانوني بإجراء دراسات فنية تفصيلية حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية العابرة للحدود للسد، وعلى التزام إثيوبيا السياسي والقانوني بالتوصل إلى اتفاق على القواعد الحاكمة لعمليتي ملء وتشغيل سد النهضة بين الدول الثلاث، والالتزام بعدم المضي في ملء وتشغيل هذا السد إلا بعد التوصل لهذا الاتفاق، والذي سيضمن لإثيوبيا الاستفادة من الطاقة الكهرومائية لهذا المشروع مع الحد في الوقت نفسه من آثاره السلبية على دولتي المصب.
وللأسف، ورغم أن الدول الثلاث تعاقدت مع استشاري دولي للقيام بهذه الدراسات حول آثار السد، إلا أن عملية إجراء هذه الدراسات قد عُرقِلت، فلم يتم الانتهاء منها. كما أنه لا توجد لدينا ضمانات حقيقية حول أمان هذا السد وسلامته الإنشائية، ما يعني أنه، وعلى ضوء غياب البيانات العلمية والفنية الكافية عن هذا السد، فإن مجتمعات دولتي المصب مهددة بأن تعيش تحت وطأة تهديد لا يُعرف مداه ولا أبعاده.
فإذا وقع مكروه - لا قدر الله- لهذا السد الضخم، فإن ذلك سوف يعرض الشعب السوداني الشقيق لمخاطر وجودية في غضون أيام قليلة، كما سيُعرض مصر أيضاً لمخاطر جمة. وهي المخاوف التي لها ما يبررها، ولعلنا نستذكر ما حدث عام 2010 في سد جيبي 2 على نهر "أومو" الذي انهار جزء منه بعد بضعة أيام من افتتاحه، والآثار التي ترتبت على ذلك.
كما أنه من المؤسف أن مصر تعرضت، وطوال المسار المضني لهذه المفاوضات، إلى حملة غير مبررة من المزاعم التي تدعي أنها تسعى لإرغام أطراف أخرى على القبول باتفاقات وتفاهمات ترجع لحقبة استعمارية غابرة، إلا أن واقع الأمر هو أن إثيوبيا لم تبرم أية اتفاقيات وهى خاضعة للاستعمار أصلاً، بل إن كافة الاتفاقيات ذات الصلة بنهر النيل وقعتها إثيوبيا كدولة مستقلة، ومنها الاتفاق الذي أبرمه إمبراطور الحبشة بإرادة حرة مع بريطانيا سنة 1902 والذي يحول دون بناء إثيوبيا لمنشآت تؤثر على سريان المياه في مجرى النيل الأزرق، ومنها أيضا الاتفاق الإطاري للتعاون الذي وقعه رئيس وزراء إثيوبيا الراحل ميليس زيناوي مع رئيس مصر سنة 1993 والذي ألزمها بعدم إحداث أي ضرر ذي شأن بالمصالح المائية المصرية، فضلاً عن اتفاق إعلان المبادئ لسنة 2015. وكلها اتفاقيات سارية وملزمة يتعين على كافة الأطراف احترامها وتنفيذها.
السيد الرئيس،
مع قرب انتهاء عملية إنشاء سد النهضة، وبعدما ثبت عدم نجاح كافة الأطر التفاوضية السابقة، دعت مصر الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي، باعتبارهما شركاء دوليين لجميع الأطراف، للمشاركة في محادثاتنا للمعاونة في جسر الهوة بين دولنا الثلاث.
وقد أفضى هذا المسار، ولأول مرة منذ ما يقرب من عقد من المحادثات وبعد مفاوضات مكثفة شاركت فيها الدول الثلاث، إلى اتفاق تم إعداده برعاية الولايات المتحدة وبمساهمة فنية من قبل البنك الدولي، وهو الاتفاق الذي قبلته مصر ووقعته بالأحرف الأولى ورفضت إثيوبيا توقيعه في آخر لحظة، رغم أنه وفر حلاً عادلاً ومتوازناً يراعي مصالح كافة الأطراف ويحفظ حقوقها المائية.
هذا، وقد أُرسل هذا الاتفاق مُرفقاً بخطاب مصر الموجه إلى مجلس الأمن بتاريخ 19 يونيو2020، وذلك ليكون متاحاً للمجتمع الدولي كدليل على مدى حسن نية مصر وكبرهان، لا يطاله شك، على أنه كان هناك اتفاق منصف وعادل متاح للأطراف كلها للتوقيع عليه.
وانطلاقاً من رغبة مصر الصادقة في استكشاف كل فرص التوصل إلى اتفاق حول سد النهضة، فقد شاركنا في الجولة الأخيرة للمفاوضات التي عقدت بدعوة من جمهورية السودان، إلا أن هذه المفاوضات لم تنجح، حيث رأت مصر أنه من الضروري أن تخلص مفاوضاتنا إلى اتفاق قانوني وملزم وفق أحكام القانون الدولي، وأنه يتعين أن يرد فيه تعريف دقيق لحدود الضرر الجسيم الذي يجب منع وقوعه، فضلاً عن آلية لفض النزاعات لضمان التنفيذ الكامل للاتفاق. إلا أنه تم الدفع بأنه من الأنسب أن يُكْتفى بالتوصل لمجرد إرشادات ذات طبيعة قانونية مبهمة وغير واضحة ويجوز تعديلها بشكل أحادي. كما أُقترح ألا تتضمن هذه الورقة التزاماً واضحاً بعدم إلحاق الضرر الجسيم بدول المصب.
وتأكيداً لموقفها المبدئي القائم على ضرورة ملء وتشغيل سد النهضة وفق اتفاق يحقق المنفعة للأطراف كافة ويعزز من مصالحها المشتركة، قبلت مصر دعوة فخامة الرئيس سيريل رامافوزا رئيس جمهورية جنوب إفريقيا لعقد اجتماع غير عادي لهيئة مكتب القمة الإفريقية يوم 26 يونيو الجاري للتشاور حول هذا الموضوع.
وقد هدف هذا الاجتماع إلى ضمان التوصل لاتفاق حول سد النهضة في أسرع وقت ممكن، وعليه تم الاتفاق على عقد اجتماعات فنية على المستوى الحكومي لتحقيق هذا الهدف خلال أسبوعين.
كما التزمت إثيوبيا خلال هذا الاجتماع بألا تتخذ أي إجراءات أحادية لملء خزان سد النهضة قبل التوصل إلى الاتفاق، وهو التعهد الذي لا يمكن تفسيره إلا كالتزام واضح بضمان ألا يتم ملء سد النهضة إلا وفق قواعد تتفق عليها الدول الثلاث.
إن أي فهم آخر أو تفسير مغاير لهذا الالتزام سوف يشي بغياب الإرادة السياسية للتوصل إلى اتفاق حول سد النهضة وسيكشف عن رغبة لفرض أمر واقع غير مقبول على دولتي المصب، وسعي لإنفاذ إرادة دولة المنبع على دولتين تشاركها في نهر دولي، وهو ما سيجعل أي مفاوضات أخرى بمثابة جهد عبثي.
السيد الرئيس،
إنه من واجب مجلس الأمن أن يأخذ علماً بنتائج اجتماع هيئة مكتب القمة الإفريقية وأن يُرحب بها ويدعو الدول الثلاث للالتزام بتعهداتها التي قطعتها على نفسها.
وفي حين أن المنظمات الإقليمية لديها دورهام، فإننا كأعضاء مسئولين في المجتمع الدولي، وبما لا شك فيه أن مجلس الأمن يظل هو الجهاز الأهم في النظام الدولي فيما يتعلق بالموضوعات ذات الصلة بحفظ السلم والأمن الدوليين. واستناداً لذلك، وعلى ضوء مسئوليته لحفظ السلم والأمن الدوليين وفق ميثاق الأمم المتحدة، فإن مصر توجهت بهذه القضية إلى مجلس الأمن. ومع استمرارنا في الانخراط في عملية تفاوضية في إطار آلياتنا الإفريقية، يظل من الضروري قيام هذا المجلس، وهو جهاز رئيسي بالمنظمة بالانخراط النشط في هذا الموضوع.
إن ملء سد النهضة بشكل أحادي ودون اتفاق مع مصر والسودان سوف يهدد مصالح دولتي المصب اللتين يعتمد وجودهما وبقاؤهما على نهر النيل. كما أن تشغيل هذا السد العملاق بشكل أحادي قد يكون له تأثيرات اجتماعية واقتصادية مدمرة سوف تؤثر على كافة مناحي الأمن الإنساني للمصريين، بما في ذلك الأمن الغذائي والأمن المائي والأمن البيئي والصحة العامة، كما أنه سيعرض الملايين لمخاطر اقتصادية ستؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة والجريمة والهجرة غير الشرعية، فضلاً عن التأثير على النُظم البيئية والتنوع البيولوچي وزيادة المخاطر الناجمة عن تغير المناخ.
إن مثل هذه المخاطر التي تَلوح أمامنا تمثل تهديداً خطيراً للأمن والسلم الدوليين، كما قد تنجم عنها آثار سياسية خطيرة بل مُزلزلة، حيث ستوضع دولتا المصب في موقف لا يمكن تحمله وسيتولد مناخ من العداء بين بلداننا، وستُزرع بذور التناحر بين شعوبنا.
ومن هنا، فإنه يتعين على مجلس الأمن والمجتمع الدولي أن يبذل كل الجهد ويدعم أي مبادرة قد تساهم في إزالة هذا الخطر الداهم ورفع هذا التهديد الذي يلوح في الأفق.
فرغم أن موقفنا يظل هو أن الحل الناجع لمسألة سد النهضة يتمثل في التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن، إلا أن مصر سوف تحفظ وتؤمن المصالح العليا للشعب المصري – فالدفاع عن البقاء ليس محض اختيار، إنما هو مسألة حتمية تفرضها طبيعة البشر.
وبالتالي، فإننا نناشد مجلس الأمن لحث الأطراف على التفاوض بحسن نية للتوصل إلى اتفاق حول سد النهضة، والامتناع عن أي إجراءات أحادية حتى إبرام هذا الاتفاق... وحتى نصل إلى مُبتغانا هذا، يجب أن يظل الأمر قيد نظر المجلس في إطار اضطلاعه بواجباته.
وفي هذا السياق، فقد تقدمت مصر بمشروع قرار لتداول مجلس الأمن بشأنه، وهو النص الذي يتسق مع مخرجات اجتماع هيئة مكتب الاتحاد الإفريقي، حيث يدعو الدول الثلاث للتوصل إلى اتفاق حول سد النهضة في غضون أسبوعين، ولعدم اتخاذ إجراءات أحادية فيما يتعلق بسد النهضة، ويؤكد على الدور الحيوي لسكرتير عام الأمم المتحدة في هذا الصدد. إن مشروع القرار الذي تقدمت به مصر لا يرمي إلى الافتئات على أي عملية تفاوضية أو استباقها، وإنما يهدف إلى تأكيد اهتمام وحرص المجتمع الدولي، على أعلى مستوى، على التوصل إلى اتفاق بشأن سد النهضة، وإدراكه لخطورة اتخاذ أي إجراءات أحادية في هذا الشأن.
وفي الوقت الذي نمد فيه بكل الثقة يد الصداقة لأشقائنا، فإننا ننتظر من إخواننا الذين نشاركهم نهر النيل أن يُبادلونا حسن النية وأن يتصرفوا بمسئولية، ففي الوقت الذي ندعم بكل الصدق حق إثيوبيا في التنمية، بما في ذلك من خلال استخدام مواردنا المائية المشتركة، فإننا نؤمن بأن العدالة تقتضي أن تحترم إثيوبيا حق مصر في الحياة.
فكما قال فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي في خطابه أمام الجلسة المشتركة للبرلمان الإثيوبي، وهنا أقتبس:
" أدعوكم اليوم لكى نضع معاً ركائز مستقبل أفضل لأبنائنا ولأحفادنا ... مستقبلٌ تُضاء فيه كل فصول المدارس في إثيوبيا ... ويشرب فيه كل أطفال مصر من نهر النيل كعهد آبائهم وأجدادهم ... مستقبلٌ يتسع فيه اقتصاد البلدين ليستوعب قوتهما العاملة بما يضمن العيش الكريم لشعبينا ... ويحقق الإنتاج الوفير لبلدينا ... ولكى يستعيدا مكانتهما بين الأمم بما يتسق مع تاريخهما وقدراتهما".
وفي الختام، سيدي الرئيس، أود أن أؤكد مجدداً على أننا مستعدون لبذل كل الجهد للتوصل إلى اتفاق حول سد النهضة. لذا، فإنني أدعو أصدقائي وزملائي في إثيوبيا والسودان إلى استدعاء روح الأخوة والقربى التي تربط بين بلادنا وشعوبنا، وأن نعلي الحقيقة الثابتة بوحدتنا وترابطنا، وأن نغتنم الفرصة السانحة أمامنا لصياغة مصائرنا وإعادة كتابة تاريخنا، ورسم مسار جديد من السلام والرخاء لشعوبنا.
شكراً سيدي الرئيس.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.