أحمد البري يكتب: قضية اليوم من لوازم تصحيح المسار فى الحياة أن يقلل المرء من الكلام الذي لا حاجة إليه، وأن يقول خيرًا أو يصمت. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت" (رواه البخاري، ومسلم). وروى الطبراني من حديث أسود بن أصرم المحاربي، قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: "هل تملك لسانك؟" قلت: ما أملك إذا لم أملك لساني؟! قال: "فهل تملك يدك؟!" قلت: فما أملك إذا لم أملك يدي؟! قال: "فلا تقل بلسانك إلا معروفًا، ولا تبسط يدك إلا إلى خير", وقد ورد أن استقامة اللسان من خصال الإيمان، لقوله "صلى الله عليه وسلم": "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه"، فالمرء يظل سالمًا إذا سكت، وعندما يتكلم، قد تكون النتيجة له أو عليه، بمعنى أن "من صمت نجا". ويقول تعالى: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، إن ما ليس بخير من الكلام، فالسكوت عنه أفضل من التكلم به، اللهم إلا ما تدعو إليه الحاجة مما لابد منه، وقد روي عن ابن مسعود قال: "إياكم وفضول الكلام، حسب امرئ ما بلغ حاجته"، وكان أبوبكر الصديق رضي الله عنه يأخذ بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد. وقال ابن مسعود: والله الذى لا إله إلا هو، ما على الأرض أحق بطول سجن من اللسان، وقال وهب بن منبه: أجمع الحكماء على أن الصمت رأس الحكمة. فليس الكلام مأمورًا به على الإطلاق، ولا السكوت كذلك، بل لابد من الكلام بالخير، والسكوت عن الشر، وفى ذلك قال الفضيل بن عياض: ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان. وسئل ابن المبارك عن قول لقمان لابنه: "إن كان الكلام من فضة، فإن الصمت من ذهب"، فقال: معناه: لو كان الكلام بطاعة الله من فضة، فإن الصمت عن معصية الله من ذهب، وهذا يرجع إلى أن الكف عن المعاصي أفضل من عمل الطاعات. وقال رجل من العلماء عند عمر بن عبدالعزيز رحمه الله: الصامت على علم كالمتكلم على علم، فقال عمر: إني لأرجو أن يكون المتكلم على علم أفضلهما يوم القيامة حالاً، وذلك أن منفعته للناس، وهذا صمته لنفسه، فقال له: يا أمير المؤمنين وكيف بفتنة النطق؟ فبكى عمر عند ذلك بكاءً شديدًا، ولقد خطب يومًا فبكى الناس، وهنا قطع خطبته، فقيل له: لو أتممت كلامك رجونا أن ينفع الله به، فقال عمر: إن القول فتنة والفعل أولى بالمؤمن من القول. إن التزام الصمت مطلقًا ليس تصرفًا صحيحًا، والثرثرة قاتلة، والأفضل هو الكلام النافع والمفيد، فليسارع كل منا إلى الكلام عند اللزوم، والصمت عندما تتطلبه الأمور، وهذا هو المسار الصحيح فى الحياة.