حلل مراقبون موقف الحكومة من قضية الأسف والاعتذار الإسرائيلى، وقالوا إنه إذا كانت الحكومة قد اعتبرت أن الأسف الذى قدمته إسرائيل لمصر عن جريمة الحدود، هو اعتذار رسمى، فهذه "مصيبة"، وإذا كانت قيمة الأسف تتساوى عند الحكومة بنفس قيمة الاعتذار الرسمى، فالمصيبة تكون أكبر، أما لو كانت الحكومة تعلم جيداً أن إسرائيل لم تعتذر رسمياً، وأنها اكتفت بالأسف فقط، وتحاول الحكومة التستر على موقف إسرائيل، فهنا تكمن النكسة، التى قد يطلق عليها "نكسة رمضان". اللواء أركان حرب زكريا حسين، أحد أعضاء لجنة مفاوضات "كامب ديفيد"، رئيس هيئة البحوث العسكرية، مدير أكاديمية ناصر العسكرية العليا السابق، وأستاذ العلوم الإستراتيجية يؤكد أن ماقامت به إسرائيل من أسف، لايمت للإعتذار الرسمى بأى صلة، متعجباً من موقف الحكومة المصرية من قبول هذا الأسف على أنه اعتذار رسمى. سألناه عن الشكل القانونى للإعتذار الرسمى فأجاب بقوله: إنه يجب أن يكون صادراً عن مجلس وزراء بأكمله، وليس عن شخص واحد، على الهواء مباشرة، فى سياق حديث عابر، لكن فى الواقع ماحدث مجرد أسف، لايرقى إلى حد الإعتذار، ويتناسب مع الجريمة التى ارتكبتها إسرائيل على الحدود، خاصة أنها تكررت أكثر من مرة قبل ذلك، وعلى الحكومة أن تعى ان الثورة قامت لتعيد كرامة المواطن المصرى، وكان عليها ألا تقبل هذا الأسف وتصر على اعتذار إسرائيل رسمياً، لكن للأسف. بدا موقف الحكومة بعد وقوع الحادث مرتبكًا، بعدما عقدت اجتماعاً طارئاً للجنة إدارة الأزمة فى سيناء، استمر قرابة ال 4 ساعات، انتهت بمطالبة الجانب الإسرائيلى باعتذار رسمى "وليس مجرد إبداء أسف"، وكان ذلك فى البيان الأول للحكومة، ثم ترددت أنباء بقوة بإصدار الحكومة بياناً ثانٍ قيل إن مصر قررت فيه سحب سفيرها من تل أبيب حتى تعتذر إسرائيل رسمياً عن جريمتها. تسبب البيان الثانى فى ردود أفعال واسعة، على الصعيدين المحلى، والإسرائيلى، ففى مصر لم تستمر فرحة الرأى العام بصرامة موقف الحكومة تجاه التعامل مع الأزمة، حتى خرج نفى حكومى للبيان، مما خلق حالة من الغضب والاستياء بين فئات الشعب، بعدما تردد أن الحكومة تراجعت- تحت ضغوط - عن استدعاء السفير المصرى فى إسرائيل، بينما كان الموقف فى تل أبيب أكثر سخونة بسبب البيان الثانى، وأنه حسب سياسيون إسرائيليون، فإن تل أبيب كانت "مرتعشة" من قرار مصر سحب السفير، لكن لم تدم "الرعشة" طويلاً، عندما خرج تصريح مخيب للأمال من جانب الحكومة، تنفى خلاله عدم صحة ماقيل بشأن قرار مصر سحب السفير المصرى بتل أبيب، بينما كشف هذا الموقف عن تباين موقف الشعبين المصرى والإسرائيلى من هذه الأزمة، بأن الأول شريك رئيسى فيها، فيما ترك الثانى زمام الأمور لإدارة بلاده للتصرف فيها كيفما تشاء. فى اليوم التالى لجريمة إسرائيل على الحدود، خرج وزير الدفاع الإسرائيلى إيهود باراك، وأعرب فى خطاب له عن "أسفه" لمقتل جنود من الجانب المصرى عن طريق الخطأ برصاص إسرائيلى، وهنا خرجت القنوات الفضائية الأجنبية لتزف خبر "الاعتذار" وليس الأسف، ثم لحقت بها القنوات ووسائل الإعلام المصرية، وكان الحدث الأهم هنا تحت عنوان :"إسرائيل تعتذر لمصر". لم يكن الخطأ من وسائل الإعلام نفسها، بل من الطرف الذى طلب الاعتذار من إسرائيل، وهى الحكومة نفسها، حيث عقدت اجتماعاً يوم إلقاء إيهود باراك لخطاب الأسف، وكان الجميع يظن أن الحكومة عقدت ذلك الاجتماع الطارئ، والثانى لها على التوالى، لتطلب من إسرائيل اعتذاراً رسمياً، وليس مجرد أسف، لكن كانت خيبة الأمل الثانية حاضرة، بتصديق الحكومة على الأسف، بأن اعتبرته اعتذارًا، ودليل ذلك ماكشف عنه بيان اجتماعها فى ذلك اليوم والذى جاء فيه: إن الحكومة وإذ تعتبر اعتذار إسرائيل خطوة إيجابية، لكنها تؤكد أنه غير كافٍ ولايتناسب مع جسامة الحدث"، وهنا كان الانقسام حاضراً مجدداً، فالشارع المصرى استمر فى التظاهر والغضب رغم خطاب نتنياهو، فيما كان الموقف الرسمى المصرى، ممثلاً فى الحكومة يشير إلى قبول الإعتذار، لكن هل أخطأت الحكومة مثلما أخطأت الصحف ووسائل الإعلام وترجمت الأسف على أنه اعتذار؟ أم أنها اعتبرت الأسف مثل الاعتذار بتمرير الحادث على طريقة "عفا الله عما سلف؟". الإعتذار الرسمى الإسرائيلى كان سيترتب عليه تبعات قانونية فى حق تل أبيب، بينما الأسف لايخرج عن كونه كلاماً فى الهواء، يصدر من قبيل المجاملة ورفع العتب، لكن بالنظر إلى خطاب إيهود باراك، يتضح أنه اختار كلماته بعناية شديدة، عندما قال إنه "يأسف"، لأن التاريخ يؤكد أن أن الإسرائيليين يعتبرون اعتذارهم للعرب والمسلمين أمر شبه مستحيل، وقد لايرون أى خطأ فى قتلهم يستوجب الاعتذار. وسط موجة التخبط بين الأسف والاعتذار، خرج سياسيون وعسكريون إسرائيليون سابقون، وهاجموا مصر بشدة، ووجهوا تساؤلات مبهمة قائلين: "عن ماذا نعتذر لمصر، بل إن مصر عليها أن تعتذر لإسرائيل لأنها فشلت فى منع العملية الفدائية التى أودت بحياة أكثر من ثمانية إسرائيليين فى إيلات". على طريقة الاعتذار الهاتفى، قدم الرئيس الإسرائيلى شيمون بيريز اعتذاره للسفير المصرى فى تل أبيب، وأعرب له عن تعازيه لسقوط ضحايا من الجانب المصرى على الحدود عن طريق الخطأ، وقال إن إطلاق النار لم يكن مقصوداً، وأحدث ذلك حالة من الإرتياح فى أواسط الشارع المصرى، لكن كان الغضب حاضراً بأن الاعتذار، وإن تم من رئيس الدولة، فإنه كان عن طريق التليفون المحمول. مرت أيام وهدأ الرأى العام المصرى نسبياً بعدما قالت حكومة شرف إن إسرائيل اعتذرت، ليتفاجأ الجميع بخروج رئيس وزراء إسرائيل ويقولها علانية: "إسرائيل لم تعتذر رسميًا لمصر، وأنا لم أعتذر، بل أعربت عن أسفى لفقدان الإنسان"، كان ذلك فى لقائه مع القناة الثانية بالتليفزيون الإسرائيلى فجر اليوم، لكن يبقى التساؤل: هل سيكون للحكومة المصرية وقفة صارمة رداً على ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلى بعدم اعتذاره لمصر رسمياً؟