الحكومة: التعامل مع 4550 شكوى كهرباء خلال ديسمبر 2025    "مودة" ينظم المعسكر التدريبي الأول لتأهيل كوادر حضانات مراكز تنمية الأسرة    رشا عبد العال: استمرار الجولات الميدانية لضمان التطبيق الفعلي للتسهيلات الضريبية    أسعار الأسماك اليوم الخميس 8 يناير في سوق العبور للجملة    اسعار الاسمنت اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    البورصة المصرية تستهل جلسة الخميس بارتفاع جماعي    مياه الفيوم تتخذ إجراءات لمواجهة السدة الشتوية وتوفر سيارات مياه نقية مجانية    خبراء كهرباء يوضحون الطريقة الآمنة لعمل رييستارت لعداد الكهرباء مسبق الدفع دون فقدان الرصيد    الجيش اللبناني: أنجزنا المرحلة الأولى من نزع سلاح حزب الله    اليوم.. منتخب اليد يواجه البرتغال في بطولة إسبانيا الودية    تفوق مذهل للميرنجي، أرقام مباريات ريال مدريد وأتلتيكو في جميع المسابقات    الهلال يلتقي الحزم للحفاظ على صدارة الدوري السعودي    بدء ثاني جلسات محاكمة المتهمين بالتسبب في وفاة السباح يوسف محمد    معتمد جمال: لم أتردد في قبول مهمة تدريب الزمالك.. واللاعبون مظلومون    هيئة الأرصاد تحذر: أمطار غزيرة ورعدية متوقعة ليلًا على بعض المناطق    بدء التشغيل التجريبي لمحور صلاح سالم البديل | صور    لطلاب نظام البكالوريا.. شكل ورقة امتحانات الثانوية العامة    إصابة 3 مواطنين فى مشاجرة لخلافات على قطعة أرض بحوض 18 بالأقصر    مصرع سائق فى حادث مروع بين سيارتين نقل بطريق أسيوط الغربى    اليوم.. ندوة لمناقشة فيلم "كولونيا" بحضور أحمد مالك ومايان السيد بسينما زاوية    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    الصحة: تقديم خدمات طبية وتوعوية لأكثر من 31 ألف مواطن    اسعار اللحوم اليوم الخميس 8يناير 2026 فى اسواق ومجازر المنيا    حكام مباريات يوم الجمعة في الجولة 16 لدوري الكرة النسائية    بدء التشغيل التجريبى لمحور صلاح سالم تمهيدا لفك وإزالة كوبرى السيدة عائشة    ارتفاع أسعار النفط وسط تراجع المخزونات الأمريكية وترقب التطورات بفنزويلا    القومي للطفولة والأمومة يتقدم ببلاغ بعد استضافة طفلين في برنامج للمواعدة    تضامن قنا تعلن شروط وفئات مسابقة الأم المثالية لعام 2026    البابا: الرئيس رسخ تقليدًا وطنيًا بزيارة الكاتدرائية عبر فيه عن مصر الأصيلة وقيادتها الحكيمة    قبرص تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي وسط تحديات الحرب والهجرة والتوسيع    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    85 فرصة عمل جديدة لأبناء السويس بالعين السخنة| تفاصيل    حالة الطقس في الكويت اليوم الخميس 8 يناير 2026    فوائد الترمس الحلو ودوره في دعم استقرار سكر الدم    تحذير دولي وسحب احترازي: تفاصيل أزمة حليب الأطفال من «نستله» وتوضيح الجهات الرسمية في مصر    لبنان.. انهيار مبنى سكني في طرابلس    وزير الثقافة ينعى المفكر والفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة    رمضان 2026.. رياض الخولي وسامي مغاوري على قنوات «المتحدة»    اليمن.. قرارات رئاسية تطال محافظ عدن وعددا من القيادات العسكرية البارزة    عنصر من إدارة الهجرة الأمريكية يقتل سائقة في مينيابوليس خلال حملة هجرة مثيرة للجدل    واشنطن تفرض إشرافًا صارمًا على إيرادات النفط الفنزويلي    ريهام سعيد تثير الجدل بمنشور عن أزمة لقاء الخميسي    حرب المخدرات على طاولة الحوار بين كولومبيا وترامب    بعد أزمة بغداد، وائل جسار يتألق في مهرجان الفسطاط الشتوي بحضور كامل العدد (فيديو)    ترتيب هدافي الدوري الإنجليزي بعد مباريات الأربعاء    مدرب بورنموث: لسوء الحظ سيمينيو خاض آخر مباراة معنا    ليندسي جراهام: ترامب يوافق على مشروع قانون العقوبات على روسيا    شركة النفط الفنزويلية: محادثات مع إدارة ترامب لتخفيف انتقائي للعقوبات    رئيس المجلس الأوروبي: الاتحاد يدعم جرينلاند والدنمارك ولن يقبل بانتهاك القانون الدولي    محمد زهران بعد خسارته: الناس زعلانة فى المطرية لأنى كنت هخدمهم وأجيب حقهم    كيف تصدى القانون لجريمة التحرش في وسائل النقل؟.. القانون يجيب    البابا لاون الرابع عشر يفتتح الكونسيستوار الاستثنائي بالفاتيكان    محافظ سوهاج ومدير الأمن يختتمان الجولة بتهنئة الأخوة الأقباط بعيد الميلاد    البيت الأبيض يعلن إعادة ضبط شاملة للسياسة الغذائية الفيدرالية لتعزيز الصحة العامة والوقاية    الصحة: الخدمة في مراكز علاج الإدمان الحكومية المرخصة مجانية.. وبيانات المرضى سرية    عبور الوعى إلى تخوم المعرفة    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



استثمار المؤتمر الاقتصادي

هل تتحول شرم الشيخ من مدينة سياحية إلى منتدى اقتصادي‮ ‬دولي‮ ‬على‮ ‬غرار منتدى دافوس ؟ هذا المنبر الذي‮ ‬تطل منه النخبة الاقتصادية في‮ ‬العالم أجمع‮ . ‬فالمدينة جذبت أنظار المستثمرين من مختلف البقاع الاستثمارية على مدار ثلاثة أيام‮ . ‬وباتت قاب قوسين من دافوس‮ ‬،‮ ‬خاصة بعد الطموح المصري‮ ‬في‮ ‬تكرار هذا اللقاء سنويا‮ ‬،‮ ‬وبعدالتطمينات التي‮ ‬أعطاها الرئيس عبدالفتاح السيسى في‮ ‬كل الاتجاهات وحث الشركات والفاعلين الاقتصاديين ورجال الأعمال على‮ «‬الاستثمار في‮ ‬مصر‮ « ‬وزخر اللقاء بمبادرات متنوعة لصالح مصر لتمتد بعد ذلك إلى دول الجوار وإفريقيا‮. ‬وأن التطلعات الاقتصادية والاجتماعية في‮ ‬مرحلة ما بعد الثورة ضخمة للغاية،‮ ‬وأن مجال المناورة للحكومة الجديدة محدود لتزامنه مع وضع اجتماعي‮ ‬متدهور،‮ ‬يتميز بركود اقتصادي،‮ ‬واتساع حجم البطالة‮ ‬،‮ ‬إضافة الى تهديدات الإضرابات والاعتصامات ونزوع البعض إلى التطرف‮.‬
ولعل أهم ما‮ ‬يميز المؤتمر الاقتصادي‮ ‬ليست في‮ ‬مشروعاته الاستثمارية التي‮ ‬تتعدي‮ ‬عشرات المليارات من الدولارات في‮ ‬مجالات مختلفة وخلق عاصمة استثمارية جديدة بل ما فتحه أمام المستثمرين المصريين من مجالات جديدة وإطلاعهم على جوانب كثيرة كانت‮ ‬غائبة عنهم وفي‮ ‬درجة تنظيم المؤتمرات وإعداد الندوات واستغلال الوقت إلى أقصى درجة‮ . ‬ولكن‮ ‬يبقى الجانب الأهم لهذا المؤتمر في‮ ‬كيفية استغلاله الاستغلال الأمثل وفي‮ ‬كيفية استثمار هذه المشروعات التي‮ ‬طرحت والتي‮ ‬تم التعاقد عليها قي‮ ‬تحقيق التنمية الاقتصادية ؟
فالمؤتمر أولا حاول التغلب على الخصوصية المصرية والتي‮ ‬تتمثل في‮ ‬أن مصر منقسمة إلى حيزين متباينين كل التباين‮: ‬الحيز الأول هو الحيز المعمور الحالي‮ ‬ومساحته حوالي‮ ‬6٪‮ ‬من المساحة الكلية لمصر،‮ ‬ويسكنه حوالي‮ ‬98٪‮ ‬من سكانها‮. ‬والحيز الثاني‮ ‬يشتمل علي‮ ‬صحراوات مصر وسواحلها‮. ‬ويتكّون من أقاليم متباينة بيئياً‮ ‬وإيكولوجياً،‮ ‬ولكل منها إمكاناته وخصائصه‮. ‬ومواجهة المشكلة السكانية الخطيرة التي‮ ‬تواجهها مصر في‮ ‬الوقت الحالي‮ ‬والتي‮ ‬تتمثل في‮ ‬الزيادة السكانية من‮ ‬20‮ ‬مليون نسمة في‮ ‬منتصف القرن العشرين إلي‮ ‬ما‮ ‬يزيد على‮ ‬90‮ ‬مليون نسمة في‮ ‬الوقت الحالي‮. ‬وقد تمت هذه الزيادة الكبيرة في‮ ‬الحيز الحالي‮ ‬دون أن‮ ‬يصاحبها اتساع مكاني‮ ‬متناسب ومتزامن معها‮. ‬وثانيا حمل المؤتمر السمة المعاصرة لعملية التخطيط‮ . ‬فالتخطيط كما هو معروف هو عملية لإدارة موارد المجتمع وتوجيهها نحو الأهداف التى‮ ‬يرتضيها هذا المجتمع وفقا لجدول الأولويات الموضوعة لها فى ظل ظروف تاريخية ودولية وبيئية معينة،‮ ‬وفى ظل إطار اجتماعي‮- ‬سياسي‮ ‬لاتخاذ القرارات المختلفة‮ . ‬وعليه فالتخطيط كمنظومة‮ ‬يحمل سمات الدينامية‮. ‬ولعلي‮ ‬لا أكون مخطأ في‮ ‬تعريفي‮ ‬البسيط للتخطيط بأنه‮ « ‬فن إدارة المتاح من الموارد للوصول إلي‮ ‬أهداف محددة‮ « ‬تحت ظروف معينة خلال إطار زمني‮ ‬مختار‮» .‬ولعلي‮ ‬لا أكون مبالغاً‮ ‬إذا اعتقدت أن التخطيط هو ممارسة بشرية تمتد من مستوى الفرد إلي‮ ‬مستوى الدولة‮ . ‬وقد تكون‮ « ‬فطرية‮ « ‬على مستوى الفرد ولكنها لابد وأن تكون‮ « ‬منظمة ومنظومية‮ « ‬علي‮ ‬مستوى الدولة ولعلي‮ ‬لا أكون متجاوزا إذا قلت أنه لا‮ ‬يوجد فرد في‮ ‬العالم لا‮ « ‬يخطط‮ « ‬لما‮ ‬ينوي‮ ‬القيام به مهما صغر شأنه‮ ‬،‮ ‬وكذلك فإنه لا تخلو دولة في‮ ‬العالم من ممارسة نوع من أنواع التخطيط‮. ‬فإن هذا لا‮ ‬يعني‮ ‬أن الدول الرأسمالية الموغلة في‮ ‬الرأسمالية‮ « ‬المتوحشة‮ « ‬تترك العنان لقوى السوق دون أي‮ ‬تنظيم مخطط لاستخدامات مواردها ومراعاة الجانب الاجتماعي‮ ‬في‮ ‬ممارساتها‮ . ‬ففي‮ ‬الولايات المتحدة الأمريكية‮ - ‬علي‮ ‬سبيل المثال‮ - ‬وحيث لا‮ ‬يوجد تخطيط وطني‮ ‬معلن إلا في‮ ‬بعض المجالات المعلنة‮ ‬،‮ ‬مثل استخدامات الأراضي‮ ‬والتخطيط الحضري‮ ‬،وسياسات حماية البيئة‮ ‬،‮ ‬فإن توزيع المخصصات المالية الفيدرالية لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتم إلا عن طريق‮ « ‬تخطيط‮ « ‬مسبق لتحقيق أهداف محددة للدولة‮ .‬
ولعل المؤتمر أوضح النهج الذي‮ ‬تسير عليه عملية التنمية والذي‮ ‬اقترب كثيرا من نهج جنوب شرق آسيا‮ ‬،وبالمرونة في‮ ‬التشاور مع المستثمرين سواء بقصر مدة الإنجاز أو تقليل نسب الفائدة على المشروع‮ . ‬لقد جرى إعداد أكثر من ثلثمائة خطة إنمائية خلال السنوات الثلاثين الماضية في‮ ‬الدول النامية تفاوتت أهدافها وإنجازاتها بصورة واسعة،‮ ‬حيث تراوحت بين خطط شاملة ركزت بشدة علي‮ ‬الكميات المالية والرقابة المركزية،‮ ‬وخطط إرشادية لا تفعل أكثر من التنبؤ بحالة الاقتصاد في‮ ‬المستقبل،‮ ‬كوسيلة لتوجيه الخيارات الاستثمارية للمستثمرين الذين‮ ‬يتخذون القرارات بصورة مستقلة‮. ‬وفى منطقة شرق آسيا،‮ ‬طورت كل من اليابان وكوريا وتايوان وسنغافورة صنفا خاصا بها من الخطط،‮ ‬ربما كان أفضل وصف لها أنها خطط تعاونية شاملة‮. ‬وكما هو الحال في‮ ‬جنوب آسيا،‮ ‬فقد استهدف هذا النهج إدارة الموارد القومية‮- ‬ولذلك انصب التركيز على شمول الاقتصاد كله‮. ‬غير أن تقاليد هذه الاقتصادات سمحت لحكوماتها بتطوير علاقات شراكة فريدة مع القطاع الخاص الذي‮ ‬تعاون معها في‮ ‬وضع استراتيجيات طويلة الأجل،‮ ‬وبرامج عمل قصيرة الأجل‮. ‬واتبعت هذه الاقتصادات نهجا عمليا واقعيا بشأن أدوار الأسعار والقطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية‮. ‬وتميزت خططها بعدم تعقيد محتواها التقني،‮ ‬أو الالتزام الصارم بالأهداف الموضوعة،‮ ‬بل اتسمت بالتشاور والمرونة‮. ‬وأولت اقتصادات أخرى،‮ ‬من بينها المكسيك وتايلاند وهونج كونج،‮ ‬اهتماما أكبر بالتخطيط المركزي‮ ‬بل واعتمدت بصورة أكبر علي‮ ‬قوى السوق وإشارات الأسعار الناتجة عنها لتوجيه مسارات استثماراتها‮.‬
واستهدفت خطة المؤتمر عدة أغراض بعضها معلن،‮ ‬والآخر‮ ‬غير معلن‮. ‬وبقدر ما كان الهدف هو جذب المساعدات الخارجية،‮ ‬نجحت عدة خطط في‮ ‬تحقيق ذلك حتى عندما لم تنفذ بكاملها.كما حاول المؤتمر أن‮ ‬يستقطب المساندة الشعبية لأهدافه ولمشروعاته المطروحة‮ ‬،‮ ‬كما أكد‮ ‬وجود مبررات اقتصادية للاستثمارات،‮ ‬بحيث نجح المؤتمر في‮ ‬تحقيق أغراض هامة بصرف النظر عن أية نتائج أخرى‮. ‬وكشف المؤتمر عن صعوبة أسلوب التخطيط المفصل بدرجة عالية في‮ ‬ظل بيئة اقتصادية سريعة التغير‮. ‬كما ثبت عدم مقدرة التقنيات التحليلية والأجهزة الإدارية علي‮ ‬مواجهة التعقيدات الناجمة عن التغير الاقتصادي،‮ ‬والذين‮ ‬ينادون بالخطط الإنمائية الشاملة والتي‮ ‬يتعذر إعدادها في‮ ‬مرحلة انتقالية لأنها تتطلب بطبيعتها توافر كم كبير من البيانات وإلى تحويل الاهتمام والموارد بعيدا عن القضايا الأشد إلحاحا،‮ ‬بالإضافة إلى ذلك،‮ ‬لم‮ ‬يكن هناك القدرات،‮ ‬أو‮ « ‬الامكانات،‮ ‬الإدارية اللازمة لتنفيذ تلك الخطط الشاملة في‮ ‬الوقت الحالي‮ ‬على الأقل‮ .‬
ولقد أثير الكثير حول دراسات الجدوى لبعض المشروعات التي‮ ‬طرحت في‮ ‬المؤتمر‮. ‬والواقع أن تبسيط الأمور على هذا النحو قد حمل‮ ‬دراسات الجدوى بأكثر مما تتحمل‮ . ‬فدراسة الجدوى فى مفهومها الفعلي‮ ‬تمثل محاور لاستقراء مدى النفع من تنفيذ حجم معين من الاستثمار لهدف محدد فى ظل فروض معينة عن جزئيات المشروع نفسه وعن المناخ الاقتصادي‮ ‬المحلي‮ ‬والعالمي‮ ‬السائد على مدى عمر المشروع ومن وجهه نظر معينة تختلف من المستثمر الفرد الى المؤسسة العامة إلى المجتمع ككل‮ . ‬وواضح بطبيعة الحال أن دراسة الجدوى بهذا المفهوم ليست‮ « ‬صك البراءة‮» ‬أو‮ «‬شهادة صحية‮» ‬للمشروع لأنها‮ - ‬إذ تبنى على مجموعة من الفروض تتعلق بتصميم المشروع وجوانبه الفنية وتقديرات سعريه وتسويقية‮ - ‬تمثل اجتهادا فى ظل أفضل المعلومات المتاحة للتوصيل الى قرار ومبرر اقتصادي‮ ‬لتنفيذ الاستثمار المطلوب وأهم من ذلك كله أنه ليس للمشروع الواحد دراسة جدوى وحيدة‮ ‬،‮ ‬فنظرة المستثمر الفرد تختلف عن نظرة المجتمع أو الاقتصاد القومي‮ ‬،‮ ‬ولقد‮ ‬يأتي‮ ‬أكثر المشروعات ربحية وأفضلها جدوى من وجهة نظر المستثمر الفرد فى أدنى هيكل أولويات الجدوى الاقتصادية والقومية نظرا لاختلاف المفهوم والافتراضات والأهداف‮ ‬،‮ ‬ونتيجة لتفاوت المعايير وأسلوب التقييم‮ .‬
وقد ذكرنا في‮ ‬مقالات سابقة أنه لا‮ ‬يوجد فى الواقع ما‮ ‬يسمى‮ « ‬دراسة الجدوى‮» ‬لمشروع معين أو برنامج معين‮ . ‬هذا مفهوم‮ ‬غير صحيح وغير حقيقي‮ ‬إنما‮ ‬يوجد ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يطلق عليه‮ «‬مجموعة دراسات الجدوى للمشروع‮ « ‬وهذه تشمل‮ : ‬دراسة الجدوى الفنية للمشروع من حيث الاعتبارات والإمكانات الفنية والتكنولوجية ومدى إمكان استخدامها‮ ‬،‮ ‬ودراسة الجدوى المالية للمشروع‮ : ‬وتتناول النواحي‮ ‬التجارية والتمويلية ومعايير الربح والخسارة للمشروع نفسه كوحدة تنفيذية وفي‮ ‬ضوء فروض ومسلمات تتعلق بالأسعار المحلية والخارجية والضرائب والإعانات والدعم وغير ذلك من الأمور التى تؤخذ فى هذا المستوى كمعطيات‮ . ‬ودراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع‮ : ‬وتتعلق بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية للمشروع من حيث ربحيته الاقتصادية للمجتمع وليس للمشروع نفسه بمعنى أن تؤخذ فى الاعتبار فى هذا النوع من الدراسات القيم والأسعار والمعدلات الاقتصادية الحقيقية‮ . ‬كما أنه ومن‮ ‬غير الممكن منطقيا دراسة المشروع‮ ‬فى فراغ‮ ‬،‮ ‬إذ‮ ‬يمثل نقطة فى خط متكامل من المشروعات والبرامج والخطط القطاعية والقومية والتى بدورها تشكل الإطار العام الذي‮ ‬يتم فى ظله تنفيذ أي‮ ‬مشروع‮ .‬
كذلك وضح أن هناك خلطا واضحا لمفهوم‮ » ‬المشروع‮ « ‬خاصة بالنسبة لمشروع‮ » ‬الاستكمال‮ ‬،‮ ‬التوسع‮ ‬،‮ ‬الإحلال والتجديد‮ . ‬وربما كانت مجموعة المشروعات التى‮ ‬يطلق عليها اسم مشروعات‮ « ‬الإحلال والتجديد‮ « ‬أكثر نوعيات المشروعات اختلاطا‮ . ‬فقد درجت بعض الجهات على اعتبار عمليات الصيانة أو عمليات الإهلاك كمشروعات إحلال وتجديد‮ . ‬ومع أن استبدال بعض مكونات المشروع الرأسمالية‮ ‬يعتبر نشاطا استثماريا على المستوى القومى بطبيعة الحال بصرف النظر عن مصدره‮ ‬فمشروع‮ » ‬الإحلال والتجديد‮ « ‬فهو تحديد ذلك المشروع الذي‮ ‬ينطوي‮ ‬على إحلال أو استبدال كامل أو جوهري‮ ‬لنشاط المشروع وتجديده سواء كان ذلك‮ ‬يشمل أسلوب الإنتاج أو أداء الخدمة أو أنماط أداء العملية الإنتاجية ونوعيات الإنتاج ومستلزماته‮ .‬
والنقطة الأخيرة وهى المتعلقة بنقل العاصمة الإدارية‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬فهمها البعض على نقل العاصمة بكامل أنشطتها السياسية والإدارية‮ ‬،وكان من المستحسن للقائمين على هذا المشروع الضخم أن‮ ‬يضعوه تحت مسمى العاصمة الاستثمارية الجديدة‮ . ‬فكما قلنا مرارا أن أحسن موقع للعاصمة هو موقعها الحالي‮ ‬،‮ ‬فالقاهرة بموقعها المركزي‮ ‬المتوسط بين الدلتا والصعيد تستمد كيانها بتوازن معقول من كل أقاليم الدولة ومن ثم فهى تؤلف بحق عينة ممثلة لمصر،‮ ‬فهى بوتقة مصر الأولى‮ . ‬ومن ثم فإن قلب العاصمة‮ ‬, ‬أكثر منه فى أى بلد آخر ربما‮ ‬, ‬هو قلب مصر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وحضاريا‮. ‬وقد لا نبالغ‮ ‬إذا قلنا إن تاريخ مصر ليس إلا تاريخ العاصمة‮ . ‬إن الخطأ فى القاهرة ليس فى موقعها كعاصمة وإنما الخطأ فى القاهرة أنها تجاوزت السقف الأعلى لحجمها الأنسب سواء بالنسبة لموضعها المحلى أو لحجم سكان الدولة.ولا تفعل كل الحلول المحلية الباهظة التكاليف كالكباري‮ ‬والطرق المعلقة سوى أن تضيف إلى فاتورة خسائر العاصمة اقتصاديا كنتيجة لإفراط التضخم‮ ‬, ‬وقد جاء إنشاء الضواحي‮ ‬الجديدة والصناعات الجديدة على أطراف المدينة ليضيف إلى المشكلة أبعادا خطيرة للغاية‮. ‬والنتيجة هناك حالات من الشلل نراها ونحس بها‮ ‬يوميا والسبب فى هذا كله ببساطة أن هناك سكانا أكثر من وسائل النقل ووسائل نقل أكثر من طاقة الطرق‮ ‬, ‬وطاقة الطرق قاصرة لأن القاهرة الحديثة لم تخطط فى القرن الماضي‮ ‬لعصر النقل الحديث ومن هنا لا تعد زيادة وحدات المواصلات الحديثة حلا للمشكلة بقدر ما هى تضاعفها‮ ‬, ‬إذ تكاد زيادة أعدادها تتناسب الآن عكسيا مع سرعة حركتها وسيولة تدفقها‮ .‬
صحيح كلنا مع حل مشكلة القاهرة لكن لسنا مع نقل العاصمة بل خلق عاصمة استثمارية‮ . ‬وبوضوح تام ليس فى مصر مكان أصلح من موقع القاهرة بل ليس فى الدنيا عاصمة أكثر طبيعية ومنطقية من موقع القاهرة لا جغرافيا ولا تاريخيا‮ . ‬ومن ثم فإن تحديد حجم العاصمة هو أول مراحل هذه العملية أى وضع حد أعلى لحجم العاصمة وهذا ليس بدعا بل مبدأ معترف به عالميا ومطبق فى كثير من الدول‮. ‬وبالتالي‮ ‬لابد من إعلان القاهرة مدينة مغلقة إلى ما لا نهاية فلا‮ ‬يضاف إلى وظائفها الراهنة جديد أو زيادة تمهيدا لتصفية الزيادة تدريجيا بحسب خطة مدروسة‮.‬


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.