رئيس الطائفة الإنجيلية يشارك في احتفال رأس السنة الميلادية بكنيسة مصر الجديدة    رئيس البورصة المصرية: أغلب الشركات أبدوا موافقة على قرار مد التداول لنصف ساعة إضافية    سوريا.. قتيل وإصابات في صفوف الأمن بانتحاري يستهدف دورية في حلب    مواعيد مباريات دور ال 16 بأمم أفريقيا 2025    مصرع وإصابة 4 أشخاص في حادث بقنا    أحمد السقا عن سليمان عيد: مقدرتش أدفنه    ختام أنشطة البرنامج التدريبى للطاقة الشمسية فى بنبان بأسوان    محافظ الأقصر يسير على كورنيش النيل لمسافة 5 كيلومترات لمشاركة المواطنين استقبال العام الميلادي الجديد    خالد عكاشة: مصر أنجزت السلام بجهد وطني خالص وتدير أزمات الإقليم بصلابة    الرئيس الإيراني يدعو إلى التضامن بدلا من الاحتجاجات    خلال مشاركته المحتفلين بالعام الجديد في احتفالية شركة العاصمة الجديدة رئيس الوزراء يؤكد لدينا مؤشرات إيجابية تُبشر بسنوات من التقدم والتنمية    مدير التربية والتعليم يتفقد ورش تدريب المعلمين الجدد بالإسكندرية | صور    حبس الأب وصديقه فى واقعة خطف طفل بكفر الشيخ وعرضهما غدا على محكمة الجنح    رئيس جامعة كفر الشيخ يتفقد مطعم المدن الجامعية للاطمئنان على جودة التغذية| صور    أحمد السقا يحسم الجدل حول عودته لطليقته مها الصغير    إليسا ب حفل العاصمة الجديدة: أحلى ليلة رأس السنة مع الشعب المصرى.. صور    أم الدنيا    الإفتاء: الدعاءُ في آخر العام بالمغفرة وفي أولِه بالإعانة من جملة الدعاء المشروع    مستشفيات جامعة بني سويف: إنقاذ مريضة مصابة بورم خبيث في بطانة الرحم والمبيض    محافظ الجيزة: أسواق اليوم الواحد حققت نجاحًا كبيرًا وافتتاح سوق جديد بإمبابة الأسبوع المقبل    كاف يعلن الاحتكام للقرعة لحسم صدارة المجموعة السادسة بأمم أفريقيا    28 يناير.. الحكم على طالبات مشاجرة مدرسة التجمع    كنوز| «الضاحك الباكي» يغرد في حفل تكريم كوكب الشرق    العثور على جثة شخص أمام مسجد عبد الرحيم القنائي بقنا    العملة الإيرانية تهوي إلى أدنى مستوى تاريخي وتفاقم الضغوط على الأسواق    معتز التوني عن نجاح بودكاست فضفضت أوي: القصة بدأت مع إبراهيم فايق    عن اقتصاد السّوق واقتصاديات السُّوء    إكسترا نيوز: التصويت بانتخابات النواب يسير بسلاسة ويسر    هل يجوز الحرمان من الميراث بسبب الجحود أو شهادة الزور؟.. أمين الفتوى يجيب    ظهور مميز ل رامز جلال من داخل الحرم المكي    أمم أفريقيا 2025| انطلاق مباراة السودان وبوركينا فاسو    صلاح يواصل استعداداته لمواجهة بنين في ثمن نهائي أمم أفريقيا 2025    وزير «الصحة» يتابع تنفيذ خطة التأمين الطبي لإحتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد    خالد الجندي: الله يُكلم كل عبد بلغته يوم القيامة.. فيديو    "التعليم الفلسطينية": 7486 طالبًا استشهدوا في غزة والضفة الغربية منذ بداية 2025    وزير الصحة يتابع تنفيذ خطة التأمين الطبي لاحتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد المجيد    الداخلية تضبط تشكيلًا عصابيًا للنصب بانتحال صفة موظفي بنوك    بشرى سارة لأهالي أبو المطامير: بدء تنفيذ مستشفي مركزي على مساحة 5 أفدنة    حصاد 2025.. جامعة العاصمة ترسخ الوعي الوطني من خلال حصادًا نوعيًا للأنشطة العسكرية والتثقيفية    ذات يوم 31 ديسمبر 1915.. السلطان حسين كامل يستقبل الطالب طه حسين.. اتهامات لخطيب الجمعة بالكفر لإساءة استخدامه سورة "عبس وتولى" نفاقا للسلطان الذى قابل "الأعمى"    دون أي مجاملات.. السيسي: انتقاء أفضل العناصر للالتحاق بدورات الأكاديمية العسكرية المصرية    حصاد 2025| منتخب مصر يتأهل للمونديال ويتألق في أمم أفريقيا.. ووداع كأس العرب النقطة السلبية    دينيس براون: الأوضاع الإنسانية الراهنة في السودان صادمة للغاية    إيمري يوضح سبب عدم مصافحته أرتيتا بعد رباعية أرسنال    إجازة السبت والأحد لطلاب مدارس جولة الإعادة في انتخابات النواب بأسوان    وزارة الصحة: صرف الألبان العلاجية للمصابين بأمراض التمثيل الغذائى بالمجان    إصابة 8 عاملات في حادث انقلاب ميكروباص بالطريق الصحراوي القاهرة–الإسكندرية بالبحيرة    صقور الجديان في مهمة الفوز.. السودان يواجه بوركينا فاسو اليوم في كأس أمم إفريقيا 2025    "القومي للمسرح" يطلق مبادرة"2026.. عامًا للاحتفاء بالفنانين المعاصرين"    السودان يواجه بوركينا فاسو في مباراة حاسمة.. صقور الجديان يسعون للوصافة بكأس أمم إفريقيا    السودان وبوركينا فاسو في مواجهة حاسمة بكأس أمم إفريقيا 2025.. تعرف على موعد المباراة والقنوات الناقلة    رابط التقديم للطلاب في المدارس المصرية اليابانية للعام الدراسي 2026/2027.. يبدأ غدا    محافظ أسيوط: عام 2025 شهد تقديم أكثر من 14 مليون خدمة طبية للمواطنين بالمحافظة    «اتصال» وImpact Management توقعان مذكرة تفاهم لدعم التوسع الإقليمي لشركات تكنولوجيا المعلومات المصرية    قصف وإطلاق نار اسرائيلي يستهدف مناطق بقطاع غزة    مصرع طفل صدمه قطار أثناء عبوره مزلقان العامرية بالفيوم    توتر متصاعد في البحر الأسود بعد هجوم مسيّرات على ميناء توابسه    رضوى الشربيني عن قرار المتحدة بمقاطعة مشاهير اللايفات: انتصار للمجتهدين ضد صناع الضجيج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد كريم وقع معها تعاقدا.. نيابة عن كل المصريين والعرب.. فاتن حمامة.. رحيل جسد
نشر في الأهرام العربي يوم 27 - 01 - 2015


ماهر زهدى
لم تكن فاتن حمامة مجرد فنانة جميلة موهوبة، استطاعت أن تثرى تاريخ السينما المصرية بأكثر من مائة فيلم عبر تاريخها الطويل الممتد، الذى تخطى 75 عاما، منذ أن بدأت طفلة فى الثامنة من عمرها، وحتى رحيلها، ولم تكن مجرد فنانة تسعى للحفاظ على نجوميتها وشكل وجودها على الشاشة، كما لم ترض بأن تكون فقط من أهم فنانات الزمن الجميل، لكنها كانت فنانة استثنائية فى تاريخ الفن المصرى.. حرصت على أن تكون استثنائية منذ طفولتها وحتى الرحيل. فمن المؤكد أن فاتن حمامة لم تكن الطفلة الأولى التى ظهرت على شاشة السينما، كما لن تكون الأخيرة، فقد ظهر قبلها وبعدها العديد من الأطفال الذين قدمتهم السينما، كما لم تكن الطفلة المعجزة الوحيدة التى اكتشفتها السينما، فهناك عدد كبير من الأطفال، على مر تاريخ السينما فى مصر، الذين أطلق عليهم لقب «الطفل أو الطفلة المعجزة»، بعضهم أكمل مشواره السينمائي، وكثيرون منهم توقفوا عند مرحلة الطفولة أو المراهقة، لكن وسط كل هؤلاء الذين لمعوا صغارا، تبقى فاتن حمامة الاستثناء.
فما إن اكتشفها محمد كريم والتقط صورتها من فوق غلاف مجلة «الاثنين» فى «زى الممرضة» ليقدمها، وهى دون التاسعة من عمرها، حتى شعر بأنه التقط «جوهرة» ثمينة، فلم تكن بالنسبة له طفلة عادية من الأطفال الذين تقدمهم السينما.
هذا ما أدركه المخرج محمد كريم فى حينها، لدرجة أنه قام بتعديل سيناريو فيلم "يوم سعيد"، وهى المرة الأولى فى تاريخ السينما المصرية التى يتم فيها تعديل سيناريو فيلم سينمائى من أجل طفلة مشاركة فى الفيلم، وليس من أجل البطل أو البطلة، غير أن ما لم يدركه كريم فى حينه، أنه بالعقد الذى وقعه مع الطفلة فاتن أحمد حمامة، للمشاركة فى فيلمه، كان يوقع معها عقدا نيابة عن كل المصريين والعرب، على أن تكون نجمتهم المفضلة فى الطفولة والمراهقة، والشباب والكهولة، وحتى نهاية العمر، وعهدا بالحب المتبادل بين هذه الطفلة، ومن شاهدوها لأول مرة، واستمروا معها، ورحلوا وجاء من جاء بعدهم، وجددوا العقد والعهد، بأن تبقى فاتن معشوقتهم، ويبقى جمهورها، ومن استجد منه، هو الأول والآخر فى حياتها كفنانة.
عملت فاتن حمامة منذ فيلمها الأول على أن تهتم بكل كبيرة وصغيرة فى عملها، بعد أن أدركت- وهى لا تزال ابنة التاسعة من عمرها- قيمة ما تقوم به من عمل، حتى إنها تستوقف الموسيقار محمد عبد الوهاب أكثر من مرة أثناء تصوير فيلم "يوم سعيد" لتلفت انتباهه لما تصورت وقتها أنه مخالف لما يقومون به من عمل شاق، الأمر الذى انعكس على جديتها فى التعامل مع العمل الذى تقوم به، وتصديقها أنها أحد أهم أبطال العمل ونجومه، فصدقها كل من حولها، وبعدهم الجمهور، فرفعوها إلى ما تستحقه من مكانة فى قلوبهم قبل عقولهم.
لم تقف فاتن حمامة عند نجاحها فى مرحلة الطفولة، أو حتى المراهقة عندما عاود المخرج محمد كريم الاستعانة بها مجددا فى فيلمى "رصاصة فى القلب" 1944، و"دنيا" 1946، كما لم يبهرها النجاح والشهرة، بل زادا من خوفها وتوجساتها نحو ما هو مقبل، فما إن تأكدت موهبتها على الشاشة من خلال مجموعة الأفلام التى قدمتها عقب فيلم "رصاصة فى القلب"، والتى أكدها لها الفنان الكبير يوسف وهبي، باختياره لها لمشاركته فى أكثر من عمل، ما أشعرها بمسئولية مضاعفة، فانتبهت فاتن لما يمكن أن تقدمه خلال المرحلة التالية، وهى على عتبات النجومية.
ترجمت فاتن حمامة هذه المسئولية إلى خطوات تقدم وأفعال، فرغم أنها لم يكن لأى من أفراد أسرتها علاقة بالفن، ورغم حداثة علاقتها بالفن التى لم يمر عليها ست سنوات، نصفها كان فى مرحلة الطفولة، والنصف الآخر فى المراهقة، فإنها تنبهت جيدا لما يجب أن تقوم به، ما تقبله وما لا تقبله، ما يبقيها على العهد مع من اختاروها، وما يبعدها، عملت على تثقيف نفسها بالقراءة والمشاهدة والاستماع، لم تترك شيئا يمكن أن يضيف لها إلا وتمسكت به، بل وجرت خلفه، فوصل بها الأمر، وهى لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، لأن يختارها كبار المخرجين لتكون بطلتهم، بداية من المخرج الفنان يوسف وهبي، فبعد أن قدمها فى مرحلة المراهقة فى "ملاك الرحمة" عام 1946، عاد ليختارها لتقف أمامه فى "القناع الأحمر" عام 1947، وهو العام نفسه الذى اختارها كل من المخرجين، هنرى بركات فى "الهانم"، وحسن حلمى فى "نور من السماء"، وعز الدين ذو الفقار فى "أبو زيد الهلالي"، وعباس كامل فى "كانت ملاكا"، وقد أدركوا قيمة تلك الصغيرة التى تشق طريقها بدليل من عقلها وقلبها، حتى إن أربعينيات القرن العشرين لم تمر، إلا وقد باتت هناك "فاتن حمامة" على الساحة الفنية.
كان على فاتن ألا تدقق فقط فى انتقاء ما يناسبها من أدوار قد تعرض عليها، لكن هناك حلقات أخرى، إن لم تكن فى أهمية الدور، فهى تزيد، بداية من المخرج الذى يعرض عليها الدور، والكاتب الذى كتب الفيلم، والفنيين من مدير تصوير ومدير الإضاءة، وغيرهم ممن يقفون خلف الكاميرا ليصنعوا الكادر الذى يراه الجمهور على الشاشة.
فما إن خطت خطواتها الأولى فى خمسينيات القرن العشرين، حتى أصبحت فاتن حمامة حلم كبار المخرجين- دون مبالغة- هم من يسعون للعمل معها، عبر اختيارهم لها لتكون هذه الفنانة الاستثنائية هى بطلة أفلامهم، وربما كان هو السبب الأول الذى التقطها من أجله المخرج الكبير عز الدين ذو الفقار، ليس فقط لتكون بطلة أفلامه، بل لتكون أيضا بطلة حياته، ليس على طريقة علاقة زيجات فنية سابقة أو حتى لاحقة، بين مخرج وبطلة أعماله، يحتكر أعمالها ونجاحها، بل حرص عز على أن يضيف إلى لمعانها بريقا ليراها الجميع، فيتهافتوا عليها، فلم يكن عز الدين ذو الفقار مجرد مخرج ناجح يبحث عن نجمة تسهم فى إنجاح أعماله، بل محب وعاشق يسعى لأن ينقل الحب الذى يشعر به إلى شاشة السينما، ويشعر به المتلقى كما يشعر هو به، وهو ما نجح فيه بالفعل مع فاتن، بعد أن قدمها فى أول بطولة مطلقة لها فى فيلم "أبو زيد الهلالي" لتصبح بعده فاتن حمامة، حلم المخرجين، قبل الأبطال والجمهور، فيقبل عليها المخرجون الذين أسهموا بالنصيب الأكبر فى صناعة تاريخ السينما المصرية، أمثال حسن الإمام، وصلاح أبو سيف، وهنرى بركات، وكمال الشيخ، ويوسف شاهين.
لكن يبقى اللقاء بين عز الدين ذو الفقار وفاتن حالة خاصة.. فهو لقاء لا يعترف إلا بالنجاح، ليس نجاحا عاديا، بل لا بد أن يكون طاغيا، لا يرضى بالجزء، بل يسعى لأن يكون الكل، كل التميز، سواء فى فيلم "موعد مع الحياة"، أو فيلم "موعد مع السعادة" الذى أسفر عن منحها لقب "سيدة الشاشة العربية"، وما تبعهما من أعمال جاءت بعد انفصالهما كزوجين، وهما "بين الأطلال" و"نهر الحب" اللذين يمثلان ذروة نجاح هذا الثنائى الفني، حيث التقيا فى هذين الفيلمين بعد طلاقهما، بل وزواجها من عمر الشريف، ليؤكد عز الدين أنه محب وعاشق لفنه مثلما هو محب وعاشق للحياة، حتى لو انفصلت عنه هذه الحياة، ممثلة فى فاتن حمامة.
يأتى بعد عز الدين ذو الفقار من المخرجين الذين أثروا وأثروا تاريخ فاتن حمامة، المخرج هنرى بركات، الذى أخرج لها ما يقرب من ربع رصيدها السينمائي، على مدار ثلاثة وثلاثين عاما، بداية من فيلم "الهانم" 1947، وصولا إلى فيلم "ليلة القبض على فاطمة" عام 1984، حتى بات كل منهما يعرف ما يدور فى قلب قبل عقل الآخر، وإن كان هذا لم يمنع من أن يختلفا أحيانا، ولا يخجل أى منهما من أن يعترف للآخر بخطئه إذا ما اكتشف أن الآخر على صواب، وهو ما فعله بركات، عندما رفض أن تقول "منى" شخصية فيلم "الخيط الرفيع" 1971، بعض الجمل الحوارية التى كتبها الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس ضمن الحوار، الذى يدور بين البطل والبطلة، حيث يتطرق إلى حديث حول الخالق والمخلوق، وكيف يعبد المخلوق خالقه، إذا ما كان نبيا أو عبدا، فى سياق حوار بين حبيب وحبيبة، فرفض بركات أن يأتى هذا الحوار على لسان البطلة، ورأى أن به جرأة تصل إلى حد التهور، غير أن فاتن أصرت، واضطر بركات أن ينزل على رغبتها، ووافق على أن تقول الشخصية الحوار، على مضض، لكن ما إن عرض الفيلم، واستقبله الجمهور بحفاوة بترحاب مبالغ فيه، فأدرك بركات حجم النضج المرعب الذى وصلت إليه بطلته، وأنها رغم كونها صاحبة أعلى أجر بين نجمات جيلها وأكثرهن تحقيقا لإيرادات الشباك، لكنها لم تقع أسيرة لأرقام إيرادات الشباك، وأن لديها معنى أبعد من مجرد أن يحقق فيلمها أعلى الأرقام.. فلم تصنع الأرقام حاجزا بينها وبين أن تراهن على المجهول.
هذا المجهول لكل من حولها، ربما كان معلوما جيدا لها، فهى تعرف ماذا تريد؟ وما الذى يمكن أن يضيفه لها هذا الكاتب؟ وماذا يمكن أن تأخذ من هذا المخرج دون غيره؟
فإذا كانت قد أخذت من عز الدين ذو الفقار رومانسيته المفرطة، رغم قصر عمر التجربة، لقصر عمر صاحبها، إلا أنها ارتضت أن تخوض تجربة الميلودراما مع حسن الإمام وتجاربه معها فى "اليتيمتين" 1948، و"ظلمونى الناس" 1950، و"أنا بنت ناس" 1951، و"الملاك الظالم" 1954، لإدراكها بحس المجهول للجميع، والمعلوم بالنسبة لها، أهمية هذه النوعية من الأعمال فى هذه المرحلة تحديدا، خاصة مع إقبال جمهور "الطبقة الوسطى" بشكل غير مسبوق على مشاهدة السينما فى هذه المرحلة، فكان لا بد أن يرى هذا الجمهور نفسه على الشاشة، وهو نفس الإحساس الذى قادها للإقبال على تجارب أخرى، مع مخرجين آخرين وضعوها فى تراكيب إنسانية مختلفة ومختلطة، ومتناقضة أحيانا، بين العدل والظلم، الانتصار والانكسار، الحب والكراهية، الماضى والحاضر، وهو ما فعلته مع يوسف شاهين، سواء فى "بابا أمين" 1950، أو "صراع فى الوادي" ثم "صراع فى المينا" 1956، أو تجربتها الثرية الممتدة مع المخرج هنرى بركات، ولعل أشهرها وأكثرها قربا من الجماهير فيلما "دعاء الكروان" و"الحرام"، فضلا عن العديد من أعمالهما معا، بما فيها التجارب التى خاضتها مع مطربين، سواء فريد الأطرش فى "لحن الخلود" أو محمد فوزى فى "دايما معاك" أو عبد الحليم حافظ فى "موعد غرام".
لم تكن فاتن تكرر نفسها مع كل مخرج تلتقى به، فكان من براعتها وعبقريتها، فضلا عن تنوع عملها مع كبار المخرجين، شفافيتها المفرطة، التى كانت بمثابة بوصلتها الفنية، التى تعرف منها متى تتجه إلى هذا المخرج، وربما تكرر معه عملين أو ثلاثة فى عام واحد، أو عامين متتاليين، ومتى تحولها بوصلتها إلى مخرج آخر، وفى توقيت بعينه، وربما هذا ما دفعها إلى قصر تجربتها مع المخرج الكبير صلاح أبو سيف على عدد من الأفلام لم يتعد أصابع اليد الواحدة، "لك يوم يا ظالم، لا أنام، الطريق المسدود، ولا وقت للحب"، رغم ثراء تجربة أبو سيف الفنية، والنجاحات الكبيرة التى حققتها أفلامه مع نجمات أخريات، غير أن هذا لم يكن ليغرى فاتن لتحيد عن بوصلتها، خاصة فى ظل اعتماد أبو سيف على الواقعية التى تقترب كثيرا من عوالم "نجيب محفوظ"، وتقديم نوعية خاصة من البطلات لم تقع فاتن فى غرامها، رغم ثرائها الفني، ونجاح الأخريات فى تقديمها ببراعة.
وربما كان هذا هو السبب أيضا الذى لم يجعل فاتن تقع فى هوى ذلك النموذج من النساء الذى قدمه الكاتب العالمى نجيب محفوظ، فى العديد من رواياته التى حولها لأعمال سينمائية، أو حتى تلك الأعمال التى كتبها مباشرة للسينما، فلم تقع فاتن فى غرام شخصيات مثل تلك التى جاءت فى أفلام مثل "زقاق المدق، اللص والكلاب، السراب، بداية ونهاية، القاهرة الجديدة، أو "القاهرة 30"، السمان والخريف، الطريق، ميرامار، الكرنك"، وأغلب الشخصيات النسائية فى الثلاثية "قصر الشوق، بين القصرين، السكرية" وغيرها العديد من النماذج التى ابتعد بها محفوظ عن الأطر الرومانسية، إذ خرجت أغلبها من الواقع المرير، الممتلئ بالميلودراما، وما فيه من نماذج أقرب إلى شخصية "المرأة اللعوب"، وهو النموذج الذى أبت فاتن أن تقدمه عبر كل تاريخها السينمائي، حتى إنها لم تدع المشاهد يخمن- ولو للحظة واحدة- أن نموذج "آمنة" فى "دعاء الكروان" يمكن أن يقترب من هذا النموذج، ولم تلتق مع نجيب محفوظ فى السينما إلا ككاتب سيناريو فقط، من خلال عملين الأول "لك يوم يا ظالم" 1951، عن قصة وفية أبو جبل، والثانى "إمبراطورية ميم" 1972، الذى قام نجيب محفوظ بإعداد المعالجة السينمائية له، عن قصة وحوار إحسان عبد القدوس، سيناريو محمد مصطفى سامي، وإخراج حسين كمال.
عاشت فات حمامة طيلة عمرها الفنى حريصة، ليس فقط على انتقاء كل فيلم أو شخصية تقديمها، بل كل كلمة تنطق بها الشخصية، ولمن توجهها، وهو ما دفعها إلى الانسحاب من الساحة السينمائية خلال ثمانينيات القرن العشرين، عندما سيطرت على الساحة ما أطلق عليها "أفلام المقاولات"، وتقبل أن تبقى بعيدة عن الشاشة الفضية خمس سنوات حتى العام 1985، عندما قدمت "ليلة القبض على فاطمة"، لتعود بعده إلى الانزواء، ثم تعاود الاقتراب مجددا، بعد أن اطمأنت إلى الهوية الفنية لجيل الثمانينيات، فقدمت مع المخرج خيرى بشارة، فيلم "يوم حلو يوم مر" عام 1988، وبعد خمس سنوات ينجح المخرج داود عبد السيد فى إعادتها للسينما مجددا بفيلم "أرض الأحلام" عام 1993، ورغم أهمية الفيلم فى تاريخ داود عبد السيد، بل وفى تاريخ السينما المصرية، فإن فاتن لم تخجل من أن تعلن أنها لم تحب هذا الفيلم، الذى ختمت به تاريخها السينمائى الممتد، لتقرر بعدها، وبعد أكثر من ثلاثين عاما من دخول التليفزيون مصر، وإنتاج الدراما التليفزيونية، أن تخوض تجربة المسلسلات التليفزيونية، فتقدم "ضمير أبلة حكمت" 1991، من تأليف أسامة أنور عكاشة، وإخراج إنعام محمد علي، والذى لم تتخل فيه فاتن عن بوصلتها التى اصطحبتها معها منذ مطلع الخمسينيات.
ورغم نجاح التجربة، لكنها لم تخضع لإغراء الشاشة الصغيرة، وتظل بعيدا عن كل الأضواء والكاميرات ما يقرب من عشر سنوات أخرى، حتى نجح المخرج عادل الأعصر فى إقناعها بالعودة إلى التليفزيون، لتشترك مع رفيق العمر الفنان أحمد رمزي، الذى عاد أيضا بعد غياب طويل، فى مسلسل "وجه القمر" للكاتبة الصحافية ماجدة خير الله، ليكون آخر ما تطل به فاتن على جمهورها فى كل المنافذ الفنية، لتجلس بعدها على مقعد بين المتفرجين، الذين لم تُخِل يوما بتعاقدها معهم، بعد أن كتبت بإحساسها جزءًا من أهم أجزاء تاريخ السينما المصرية.. سيبقى طويلا رغم المغادرة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.