دعم 114 ألفا ب16 محافظة، وزيرة التضامن تلتقي صغار المزارعين المشاركين بمبادرة "ازرع" بالمنيا    رئيس مياه الغربية يتابع مشروعات الصرف الصحي في السنطة    إيران: قواتنا المسلحة المسؤولة عن مضيق هرمز وتحصيل الرسوم بالعملة الوطنية    ترامب يعقد اجتماعًا حاسمًا لبحث تعثر المفاوضات مع إيران    تشكيل إنبي بمواجهة الزمالك في الدوري المصري    مؤتمر إنريكي: لا يوجد فريق أفضل منا.. وأستمتع بمشاهدة بايرن ميونيخ    إصابة 4 أشخاص في تصادم ميكروباص بسيارة ربع نقل بالدقهلية    سقوط طفل داخل بالوعة صرف بسوهاج، وضبط القائمين على أعمال الصيانة    في مقتل «عروس بورسعيد»، صرخة أب داخل المحكمة: كل من كانوا بالمنزل متهمون    الفرق بين المشروبات المهدئة والمنشطة ومتى نستخدمهما ؟    رئيس جامعة كفر الشيخ يشهد فعاليات اليوم العلمي الأول لبحوث الصحة الحيوانية    رمضان عبد المعز يروى أجمل قصة عن الثقة في الله في "لعلهم يفقهون"    سفير الصومال لدى مصر يبحث مع نظيره الجيبوتي سبل تعزيز الشراكة    الكرملين: بوتين يلتقي وزير الخارجية الإيراني في سان بطرسبرج اليوم    كواليس القرار المفاجئ من رئيس إنبي قبل مباراة الزمالك    الطقس غدا.. ارتفاع بالحرارة بمعدل 3 درجات وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 29    العثور على جثمان غريق مجهول الهوية بالمنيا    أيمن بهجت قمر يحسم الجدل حول زواجه ويعلق على شائعات السوشيال ميديا    "قد تصل للشطب".. اتحاد الكرة يحذر أندية القسم الثاني من التلاعب بالمباريات    تسليم مساعدات مالية ل30 عروسة من الأيتام وتكريم حفظة القرآن ببني سويف    قبل ما تفسخ الخطوبة.. اعرف هتخسر إيه فى مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    ضغوط بيعية فى أسواق الذهب .. العملات الرقمية مرشحة لموجة صعود جديدة    فان دايك: صلاح يتعافى سريعًا من الإصابات.. وسينال وداعًا يليق بمسيرته في ليفربول    وفاة هاني شاكر تتصدر التريند.. ونادية مصطفى تكشف الحقيقة    الرئيس اللبناني: وقف إطلاق النار شرط أساسي للمفاوضات مع إسرائيل    "قانون العمل الجديد والامتيازات المتاحة للمرأة" ندوة توعوية بجامعة العاصمة    ندوات وأنشطة لدعم الزراعة فى الشرقية    شوارع الإسكندرية تتزين بشعار مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير قبل انطلاقه    الأربعاء.. المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية يحتفل ب "اليوم العالمي للرقص"    حفل جديد لفرقة الإنشاد الديني على مسرح معهد الموسيقى العربية    أمير المصري يوقع بطولة مسلسل مقتبس من رواية Metropolis العالمية    لعبة هشام ماجد وشيكو!    الشيوخ يوافق نهائيا على تعديل قانون التأمينات الاجتماعية.. أبرز مواده    اتحاد المصارف العربية: الشمول المالي ركيزة أساسية لتحقيق النمو المستدام    جامعة الإسكندرية تستعرض نتائج حملة ترشيد الكهرباء ومقترح إنشاء منصة رقمية    الصحفيين تعلن أسماء المرشحين لانتخابات شعبة محرري «الصحة»    التأمين الصحي الشامل ينقذ حياة طفلة بعد ابتلاع "دبوس" ودخوله إلى القصبة الهوائية    غدا.. «العلم والإلحاد» حلقة خاصة لمعز مسعود على شاشة التليفزيون المصري    السيسي يشيد بالتعاون مع روسيا في محطة الضبعة والمنطقة الصناعية    الرئيس السيسي يوجه بضرورة تقديم أقصى درجات الرعاية لأبناء الوطن في الخارج    الاحتلال الإسرائيلى يقتحم مدينة نابلس وبلدة سردا    قنابل موقوتة فى الأسواق.. الأمن يداهم مصنعاً لإنتاج طفايات حريق مغشوشة    الرئيس السيسي يبحث سبل تعزيز العلاقات بين مصر وكينيا    الزمالك ينعى اللواء كمال مدبولى والد رئيس الوزراء    تشكيل مانشستر يونايتد المتوقع أمام برينتفورد في الدوري الإنجليزي    الصحة تطلق برنامجاً تدريبياً لتطوير فرق الطوارئ الطبية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية    إصابة 3 أشخاص فى تصادم توك توك بجرار زراعى بمنية النصر بالدقهلية    تأجيل إعادة إجراءات محاكمة عامل بتهمة الشروع في قتل زميله بالمعصرة    ريال مدريد يشترط 60 مليون يورو لرحيل لاعبه    علاج طبيعي القاهرة تحصل على تجديد 3 شهادات الأيزو للجودة والسلامة والصحة المهنية    الحالة المرورية اليوم الاثنين    المتهم بإطلاق النار عبر عن استيائه من ترامب في كتابات لعائلته    القصر العيني يُطلق استعداداته للمئوية الثانية.. اجتماع اللجنة العليا السابع يُقرّ خطط التوثيق والإعلام والشراكات الدولية    محمود محي الدين: القطاع الخاص يطالب الآن بالفرصة.. ويجب تخارج الدولة من القطاعات التي يستطيع إدارتها    إعلام عبري: أزمة نقص حادة بالصواريخ الاعتراضية في إسرائيل    الأنبا بولا: "محضر الخطوبة" في قانون الأسرة المسيحية بصيغة جديدة ملزمة.. وشهادات وفحوصات قبل إتمامها    هل الشبكة من حق المخطوبة بعد وفاة الخاطب؟ أمينة الفتوى تجيب    برلماني يحذر من مخاطر منصات المراهنات الإلكترونية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شمس بدران.. الرجل الذى تكلم كثيرًا!
نشر في الأهرام العربي يوم 15 - 04 - 2014


د. ياسر ثابت
فجأة، عاد اسم شمس إلى بدران إلى الواجهة.
خرج من قبره البريطانى الفخم بحكايات سخيفة ومرسلة عن شرائط سعاد حسنى الجنسية التى كان الرئيس جمال عبدالناصر يشاهدها.
عاد، كأن شيئًا لم يكن، ليتساءل البعض لماذا عاد؟ ويتساءل آخرون ببراءة: من هذا العائد؟
للإجابة عن هذين السؤالين وغيرهما، نفتح ملف شمس بدران.
فى 19 إبريل عام 1929 خرج شمس الدين بدران إلى الوجود طفلاً بريئًا.. وباكيًا لأول مرة فى حياته.
وما بين بكائه لحظة مولده وبكائه يوم 5 يونيو 1967 وهو وزير للحربية فى مصر، لحظة مواجهة الحقيقة المرة التى حاول تجاهلها بحربٍ كلامية لا طائل من ورائها.
مسافةٌ زمنية طويلة نما فيها الطفل الصغير شمس الدين على بدران، المولود لأبٍ مصرى بسيط كان يعمل بوزارة الزراعة، وأمٍ من أصول تونسية أتت عائلتها ذات يوم إلى مصر بعربات ذات شكل خاص تجرها الأحصنة، فأطلق المصريون اسم العائلة على العربات وصرنا نعرفها باسم "الحنطور"، على اسم عائلة والدة شمس بدران .
تخرج شمس بدران فى أغسطس 1948 فى الكلية الحربية وليحصل على البكالوريوس فى العلوم العسكرية، ثم شارك فى حرب فلسطين، وحوصر فى الفالوجا مع زميله جمال عبدالناصر، الذى أصبح فيما بعد رئيسًا لمصر بعد أن شارك مع رفاقه الضباط الأحرار ومنهم شمس بدران فى ثورة 23 يوليو 1952.
بعدها لعب شمس بدران دورًا مهمًا فى معركة 1956 قبل أن يصبح عضوًا لمجلس إدارة مؤسسة النقل العام لمدينة القاهرة، فمديرًا لمكتب المشير عبدالحكيم عامر وهو فى السابعة والثلاثين، ثم وزيرًا للحربية "معروفٌ بالاستقامة والنزاهة والصدق والعمل المستمر ليل نهار، ومحبوبٌ من جميع زملائه"، كما نشرت جريدة "الأخبار" فى 11 سبتمبر 1966.
مشوارٌ عجيب وغريب قطعه شمس بدران دعونا نتجاوزه لنركز على حكايته مع وزارة الحربية هذه التى شهدت الكثير من "الكلام" والأقاويل التى لا تستند إلى أرقام أو حقائق، قبل أن تنتهى بجملةٍ شهيرة نقلها د. ثروت عكاشة وزير الثقافة الأسبق عن شمس بدران مساء الخميس 8 يونيو 1967 عندما قال وزير الحربية: "أما اتخمينا حتة خمة".
لم يجد أحدٌ من الموجودين طبعًا ما يعلق به.. لكن بالقطع فإن أغلبهم تذكروا جلسة مجلس الوزراء يوم 31 مايو عام 1967 عندما وصل شمس بدران بصحبة ضابطين كل منهما يحمل خرائط، ثم بدأ يشرح لأعضاء المجلس خطته للقضاء على إسرائيل، وهو يبتسم ابتسامةً لا تتفق مع خطورة الأوضاع. وكان بيانه يؤكد الثقة المتزايدة فى قدراتنا العالية واستعداداتنا الكاملة، حتى إن أمين هويدى، وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء أبدى قلقه من الأوضاع المحلية والعربية ومن احتمال تدخل الولايات المتحدة بأساطيلها على الأقل. وعندما سأل أنور سلامة، وزير العمل آنذاك عن استعدادات مصر لمواجهة الأسطول الأمريكى السادس، كان رد شمس بدران بالحرف الواحد "عندنا اللى يبططه" !
الجانب المأساوى حقًا فى الموضوع أن طائرات الأسطول السادس ضربت قواتنا البرية وكبدتنا خسائر فادحة خلال حرب 5 يونيو عام 1967.. ولا داعى لنكأ الجُرح.
هكذا كان يفكر شمس الدين بدران، وهكذا كانت مفرداته العسكرية والسياسية كوزيرٍ لحربية مصر. وكأن مهمة الرجل فى هذا المنصب الخطير كانت الكلام فقط.
فها هو الفريق أول محمد فوزى، رئيس أركان حرب القوات المسلحة يقول فى نص شهادته أمام لجنة تسجيل تاريخ ثورة يوليو التى أوردها سليمان مظهر فى كتابه "اعترافات قادة حرب يونيو" إن "من ضمن الأسباب فى تعيين شمس بدران وزير حربية (باختصاصات موسعة جدًا) أن يعطى مركز القمة التنفيذى فى القوات المسلحة أمام السلطة التشريعية؛ لأن شخص المشير لا يمكن أن يجلس على كرسى في مجلس الأمة ويرد على سؤال أو استجواب".
وخلال زيارته لموسكو فى الفترة من 25 - 28 مايو 1967 عقد شمس بدران اجتماعين مع القادة السوفيت.. وفى جلسة 26 مايو، صور وزير الحربية الموقف للسوفيت كما تقول المحاضر الرسمية كالتالى: "أود أن أبلغكم والرفاق أننا غاية فى القوة وقادرون على الموقف الحالى تمامًا، ولا تخشوا علينا شيئًا، والروح المعنوية عاليةٌ فى قواتنا لدرجة أننا كنا كمن "نلجم الحصان" مع قواتنا التى تريد أن تنطلق لمواجهة العدو".
ويمضى شمس بدران إلى القول فى تلك الجلسة "إن قواتنا موزعة فى عدة محاور لدرجة أن إسرائيل لا تعرف من أين سيأتيها الهجوم.. ولذلك سحبت قواتٍ كبيرة من الجبهة السورية إلى سيناء ومركزتها هناك.. وأصبحت حرية الحركة أمامها محدودة جدًا.. وواضح من توزيع قوات اسرائيل وبعثرتها أنها فى حيرة".
ويُلاحَظُ أن وزير الحربية شمس بدران كان مرتاحًا تمامًا لحشد القوات الإسرائيلية أمام الجبهة المصرية!
وبكل الغرور الذى اجتاح القادة العسكريين فى تلك الفترة، نجد شمس بدران يؤكد أن قواتنا فى شرم الشيخ قادرةٌ على منع الملاحة الإسرائيلية فى خليج العقبة.. وأننا حوّلنا قطاع غزة إلى جزرٍ دفاعية بحيث يستحيل على إسرائيل احتلال أى مدينة.
بل إنه يؤكد أن: إسرائيل بعد أسبوعٍ من الاستعداد لن يمكنها عمل شىء ضد قواتنا، وإلا فستنال ضربةً قاصمة.. وحتى إذا وجهت جميع قواتها إلى جبهتنا وتركت باقى الجبهات خالية، فنحن مستعدون لإسرائيل ومن هم وراء إسرائيل.. فلا يهمنا أمريكا ولا غير أمريكا!
وفى شهادته على تلك الزيارة يقول د. مراد غالب، الذى كان سفيرًا لمصر فى الاتحاد السوفيتى لمدة 11 عامًا إنه عندما اجتمع شمس بدران مع وزير الدفاع السوفيتى أندريه غريتشكو دار الحوار بينهما على النحو التالى:
"غريتشكو: نحن نرى أن الأوضاع خطيرة جدًا، وأنك ستقابل كوسيغين رئيس الوزراء، فما فحوى الرسالة؟
فيرد بدران بأسلوبٍ متعال: وإذا ما قلت لك الرسالة فماذا سأقول لكوسيغين؟!، فتململ غريتشكو وسأله: هل أغلقتم مضيق ثيران؟ فرد بدران قائلا: آه، فسأله غريتشكو: وإذا أرادت سفينة إسرائيلية عبور المضيق ماذا ستفعلون؟ رد بدران: سنمنعها.. فسأله غريتشكو، وإذا ما جاءت سفينة أخرى من أى بلد فى العالم ماذا ستفعلون؟ فرد بدران: سنمنعها.. فسأله غريتشكو: وإذا ما جاءت مجموعة أساطيل تحت قيادة الأسطول الأمريكى وأرادت دخول المضيق ماذا ستفعلون؟ فرد بدران: إذن العالم كله يشهد أن أمريكا دخلت الحرب ضد دولة صغيرة من العالم الثالث. فتململ غريتشكو بشدة لهذه الإجابات غير المسئولة وغير المقبولة.
"وانتهت المقابلة التى أظهرت أن وزير دفاعنا بهذا الحجم من المعرفة العسكرية البسيطة.
"ثم قابل رئيس الوزراء السوفيتى أليكس كوسيغين وزير الحربية شمس بدران، الذى قال له إنه يحمل رسالة من القيادة المصرية ويريد أن يعرف رأى الاتحاد السوفيتى. وأكد له أن الحشود المصرية لها ثلاثة أهداف وهى وصول جزءٍ من القوات المصرية إلى إيلات جنوبًا والجزء الثانى إلى وسط إسرائيل، أما الثالث فسيصل إلى تل أبيب والقدس.
كان بدران يقول هذا الكلام بينما طليعة القوات المسلحة المصرية وأكثرها تدريبًا وتسليحًا موجودة فى اليمن، والقوات التى حشدوها كانت قوات احتياط، وكان الجنود يركبون الدبابات بالجلاليب وساروا أمام السفارة الأمريكية بالقاهرة لاستعراض قوتهم الجبارة، وقاموا بتعيين الفريق عبدالمحسن مرتجى قائدًا للجبهة ومحمد فوزى رئيسًا للأركان، وكان سليمان عزت رئيسًا للقوات البحرية وصدقى محمود قائدًا لسلاح الطيران.
وبعد أن كشفت المحادثات عن موقف موسكو الواضح الذى يتحفظ على دعم القاهرة عسكريًا إن هى بدأت بالحرب، ودعوة مصر إلى الانسحاب وعدم توتير الموقف على الحدود مع إسرائيل.. انتهت زيارة شمس بدران للاتحاد السوفيتى. وعلى سلم الطائرة سلم غريتشكو على شمس بدران وقال له: "لا تنزعجوا نحن معكم"، وهى مجرد كلمة مجاملة لا أكثر ولا أقل.. لكن بدران نحى كل الأسئلة والمناقشات التى دارت معه حول قدرة الجيش المصرى واحتمالات الحرب ودخول الولايات المتحدة طرفًا فيها.. إلخ وتمسك بهذه الكلمة فقط.
وشمس بدران لم يكن مع هذه الثقة الزائدة فى النفس من النوع الذى ينقل الرسائل والانطباعات بشكلٍ دقيق. ويكفى أن نشير إلى أنه نقل للرئيس جمال عبدالناصر انطباعاته عن رحلته للاتحاد السوفيتى السابق نقلاً محرَّفًا تمامًا.
وادعى بدران فى مذكرةٍ قدمها، بعد عودته، إلى عبدالناصر، بأن المارشال غريتشكو قد أبلغه وهو يودعه أمام سلم الطائرة: "أريد أن أؤكد لكم أنه إذا حدث شيء واحتجتم لنا فمجرد إرسال إشارة نحضر لكم فورًا فى بور سعيد أو فى أى مكان". وعندما عاد شمس بدران من رحلته صرح فى اجتماع لمجلس الوزراء المصرى بأن الاتحاد السوفيتى معنا، وأنهم مستعدون لضرب الأسطول السادس الأمريكى. وطبقًا لتعبير شمس بدران، فإنهم "سيشفونه عظما ولحما" أى: سيمزقونه. ولكن السفير أحمد حسن الفقى (وكان عضوًا فى الوفد المصرى خلال رحلة موسكو) كذَّب - بعد أن وقعت الكارثة- هذا القول، وقال إن الاتحاد السوفيتى لم يعد بشيء من هذا القبيل، وإن شمس بدران كان مشغولاً بشراء أثاث ولوازم لمنزله!
وتصريحات بدران أخلت بحسن تقدير القيادة المصرية للموقف من المعركة الوشيكة. وقد أثير بعد انتهاء الحرب لغطٌ وشكوك حول مصداقية شمس بدران فى نقل هذا التأكيد.
إنها مأساةٌ إغريقية كان شمس بدران أحد أبطالها، لدرجة أن الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل يشير فى كتابه "حرب الثلاثين سنة: 1967 الانفجار" إلى أنه عندما أضيف إلى مجموعة القادة العسكريين المحيطين بالمشير عبدالحكيم عامر منذ سنواتٍ طويلة شمس بدران كوزيرٍ للحربية، فإن صورة الإدارة اختلطت بصورة الأمن.
وحين يكون الأمن أحد المكونات الرئيسية فى طبق الإدارة.. تأكل الشعوب الحِصْرِم
⢴ د. ياسر ثابت
فجأة، عاد اسم شمس إلى بدران إلى الواجهة.
خرج من قبره البريطانى الفخم بحكايات سخيفة ومرسلة عن شرائط سعاد حسنى الجنسية التى كان الرئيس جمال عبدالناصر يشاهدها.
عاد، كأن شيئًا لم يكن، ليتساءل البعض لماذا عاد؟ ويتساءل آخرون ببراءة: من هذا العائد؟
للإجابة عن هذين السؤالين وغيرهما، نفتح ملف شمس بدران.
فى 19 إبريل عام 1929 خرج شمس الدين بدران إلى الوجود طفلاً بريئًا.. وباكيًا لأول مرة فى حياته.
وما بين بكائه لحظة مولده وبكائه يوم 5 يونيو 1967 وهو وزير للحربية فى مصر، لحظة مواجهة الحقيقة المرة التى حاول تجاهلها بحربٍ كلامية لا طائل من ورائها.
مسافةٌ زمنية طويلة نما فيها الطفل الصغير شمس الدين على بدران، المولود لأبٍ مصرى بسيط كان يعمل بوزارة الزراعة، وأمٍ من أصول تونسية أتت عائلتها ذات يوم إلى مصر بعربات ذات شكل خاص تجرها الأحصنة، فأطلق المصريون اسم العائلة على العربات وصرنا نعرفها باسم "الحنطور"، على اسم عائلة والدة شمس بدران .
تخرج شمس بدران فى أغسطس 1948 فى الكلية الحربية وليحصل على البكالوريوس فى العلوم العسكرية، ثم شارك فى حرب فلسطين، وحوصر فى الفالوجا مع زميله جمال عبدالناصر، الذى أصبح فيما بعد رئيسًا لمصر بعد أن شارك مع رفاقه الضباط الأحرار ومنهم شمس بدران فى ثورة 23 يوليو 1952.
بعدها لعب شمس بدران دورًا مهمًا فى معركة 1956 قبل أن يصبح عضوًا لمجلس إدارة مؤسسة النقل العام لمدينة القاهرة، فمديرًا لمكتب المشير عبدالحكيم عامر وهو فى السابعة والثلاثين، ثم وزيرًا للحربية "معروفٌ بالاستقامة والنزاهة والصدق والعمل المستمر ليل نهار، ومحبوبٌ من جميع زملائه"، كما نشرت جريدة "الأخبار" فى 11 سبتمبر 1966.
مشوارٌ عجيب وغريب قطعه شمس بدران دعونا نتجاوزه لنركز على حكايته مع وزارة الحربية هذه التى شهدت الكثير من "الكلام" والأقاويل التى لا تستند إلى أرقام أو حقائق، قبل أن تنتهى بجملةٍ شهيرة نقلها د. ثروت عكاشة وزير الثقافة الأسبق عن شمس بدران مساء الخميس 8 يونيو 1967 عندما قال وزير الحربية: "أما اتخمينا حتة خمة".
لم يجد أحدٌ من الموجودين طبعًا ما يعلق به.. لكن بالقطع فإن أغلبهم تذكروا جلسة مجلس الوزراء يوم 31 مايو عام 1967 عندما وصل شمس بدران بصحبة ضابطين كل منهما يحمل خرائط، ثم بدأ يشرح لأعضاء المجلس خطته للقضاء على إسرائيل، وهو يبتسم ابتسامةً لا تتفق مع خطورة الأوضاع. وكان بيانه يؤكد الثقة المتزايدة فى قدراتنا العالية واستعداداتنا الكاملة، حتى إن أمين هويدى، وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء أبدى قلقه من الأوضاع المحلية والعربية ومن احتمال تدخل الولايات المتحدة بأساطيلها على الأقل. وعندما سأل أنور سلامة، وزير العمل آنذاك عن استعدادات مصر لمواجهة الأسطول الأمريكى السادس، كان رد شمس بدران بالحرف الواحد "عندنا اللى يبططه" !
الجانب المأساوى حقًا فى الموضوع أن طائرات الأسطول السادس ضربت قواتنا البرية وكبدتنا خسائر فادحة خلال حرب 5 يونيو عام 1967.. ولا داعى لنكأ الجُرح.
هكذا كان يفكر شمس الدين بدران، وهكذا كانت مفرداته العسكرية والسياسية كوزيرٍ لحربية مصر. وكأن مهمة الرجل فى هذا المنصب الخطير كانت الكلام فقط.
فها هو الفريق أول محمد فوزى، رئيس أركان حرب القوات المسلحة يقول فى نص شهادته أمام لجنة تسجيل تاريخ ثورة يوليو التى أوردها سليمان مظهر فى كتابه "اعترافات قادة حرب يونيو" إن "من ضمن الأسباب فى تعيين شمس بدران وزير حربية (باختصاصات موسعة جدًا) أن يعطى مركز القمة التنفيذى فى القوات المسلحة أمام السلطة التشريعية؛ لأن شخص المشير لا يمكن أن يجلس على كرسى في مجلس الأمة ويرد على سؤال أو استجواب".
وخلال زيارته لموسكو فى الفترة من 25 - 28 مايو 1967 عقد شمس بدران اجتماعين مع القادة السوفيت.. وفى جلسة 26 مايو، صور وزير الحربية الموقف للسوفيت كما تقول المحاضر الرسمية كالتالى: "أود أن أبلغكم والرفاق أننا غاية فى القوة وقادرون على الموقف الحالى تمامًا، ولا تخشوا علينا شيئًا، والروح المعنوية عاليةٌ فى قواتنا لدرجة أننا كنا كمن "نلجم الحصان" مع قواتنا التى تريد أن تنطلق لمواجهة العدو".
ويمضى شمس بدران إلى القول فى تلك الجلسة "إن قواتنا موزعة فى عدة محاور لدرجة أن إسرائيل لا تعرف من أين سيأتيها الهجوم.. ولذلك سحبت قواتٍ كبيرة من الجبهة السورية إلى سيناء ومركزتها هناك.. وأصبحت حرية الحركة أمامها محدودة جدًا.. وواضح من توزيع قوات اسرائيل وبعثرتها أنها فى حيرة".
ويُلاحَظُ أن وزير الحربية شمس بدران كان مرتاحًا تمامًا لحشد القوات الإسرائيلية أمام الجبهة المصرية!
وبكل الغرور الذى اجتاح القادة العسكريين فى تلك الفترة، نجد شمس بدران يؤكد أن قواتنا فى شرم الشيخ قادرةٌ على منع الملاحة الإسرائيلية فى خليج العقبة.. وأننا حوّلنا قطاع غزة إلى جزرٍ دفاعية بحيث يستحيل على إسرائيل احتلال أى مدينة.
بل إنه يؤكد أن: إسرائيل بعد أسبوعٍ من الاستعداد لن يمكنها عمل شىء ضد قواتنا، وإلا فستنال ضربةً قاصمة.. وحتى إذا وجهت جميع قواتها إلى جبهتنا وتركت باقى الجبهات خالية، فنحن مستعدون لإسرائيل ومن هم وراء إسرائيل.. فلا يهمنا أمريكا ولا غير أمريكا!
وفى شهادته على تلك الزيارة يقول د. مراد غالب، الذى كان سفيرًا لمصر فى الاتحاد السوفيتى لمدة 11 عامًا إنه عندما اجتمع شمس بدران مع وزير الدفاع السوفيتى أندريه غريتشكو دار الحوار بينهما على النحو التالى:
"غريتشكو: نحن نرى أن الأوضاع خطيرة جدًا، وأنك ستقابل كوسيغين رئيس الوزراء، فما فحوى الرسالة؟
فيرد بدران بأسلوبٍ متعال: وإذا ما قلت لك الرسالة فماذا سأقول لكوسيغين؟!، فتململ غريتشكو وسأله: هل أغلقتم مضيق ثيران؟ فرد بدران قائلا: آه، فسأله غريتشكو: وإذا أرادت سفينة إسرائيلية عبور المضيق ماذا ستفعلون؟ رد بدران: سنمنعها.. فسأله غريتشكو، وإذا ما جاءت سفينة أخرى من أى بلد فى العالم ماذا ستفعلون؟ فرد بدران: سنمنعها.. فسأله غريتشكو: وإذا ما جاءت مجموعة أساطيل تحت قيادة الأسطول الأمريكى وأرادت دخول المضيق ماذا ستفعلون؟ فرد بدران: إذن العالم كله يشهد أن أمريكا دخلت الحرب ضد دولة صغيرة من العالم الثالث. فتململ غريتشكو بشدة لهذه الإجابات غير المسئولة وغير المقبولة.
"وانتهت المقابلة التى أظهرت أن وزير دفاعنا بهذا الحجم من المعرفة العسكرية البسيطة.
"ثم قابل رئيس الوزراء السوفيتى أليكس كوسيغين وزير الحربية شمس بدران، الذى قال له إنه يحمل رسالة من القيادة المصرية ويريد أن يعرف رأى الاتحاد السوفيتى. وأكد له أن الحشود المصرية لها ثلاثة أهداف وهى وصول جزءٍ من القوات المصرية إلى إيلات جنوبًا والجزء الثانى إلى وسط إسرائيل، أما الثالث فسيصل إلى تل أبيب والقدس.
كان بدران يقول هذا الكلام بينما طليعة القوات المسلحة المصرية وأكثرها تدريبًا وتسليحًا موجودة فى اليمن، والقوات التى حشدوها كانت قوات احتياط، وكان الجنود يركبون الدبابات بالجلاليب وساروا أمام السفارة الأمريكية بالقاهرة لاستعراض قوتهم الجبارة، وقاموا بتعيين الفريق عبدالمحسن مرتجى قائدًا للجبهة ومحمد فوزى رئيسًا للأركان، وكان سليمان عزت رئيسًا للقوات البحرية وصدقى محمود قائدًا لسلاح الطيران.
وبعد أن كشفت المحادثات عن موقف موسكو الواضح الذى يتحفظ على دعم القاهرة عسكريًا إن هى بدأت بالحرب، ودعوة مصر إلى الانسحاب وعدم توتير الموقف على الحدود مع إسرائيل.. انتهت زيارة شمس بدران للاتحاد السوفيتى. وعلى سلم الطائرة سلم غريتشكو على شمس بدران وقال له: "لا تنزعجوا نحن معكم"، وهى مجرد كلمة مجاملة لا أكثر ولا أقل.. لكن بدران نحى كل الأسئلة والمناقشات التى دارت معه حول قدرة الجيش المصرى واحتمالات الحرب ودخول الولايات المتحدة طرفًا فيها.. إلخ وتمسك بهذه الكلمة فقط.
وشمس بدران لم يكن مع هذه الثقة الزائدة فى النفس من النوع الذى ينقل الرسائل والانطباعات بشكلٍ دقيق. ويكفى أن نشير إلى أنه نقل للرئيس جمال عبدالناصر انطباعاته عن رحلته للاتحاد السوفيتى السابق نقلاً محرَّفًا تمامًا.
وادعى بدران فى مذكرةٍ قدمها، بعد عودته، إلى عبدالناصر، بأن المارشال غريتشكو قد أبلغه وهو يودعه أمام سلم الطائرة: "أريد أن أؤكد لكم أنه إذا حدث شيء واحتجتم لنا فمجرد إرسال إشارة نحضر لكم فورًا فى بور سعيد أو فى أى مكان". وعندما عاد شمس بدران من رحلته صرح فى اجتماع لمجلس الوزراء المصرى بأن الاتحاد السوفيتى معنا، وأنهم مستعدون لضرب الأسطول السادس الأمريكى. وطبقًا لتعبير شمس بدران، فإنهم "سيشفونه عظما ولحما" أى: سيمزقونه. ولكن السفير أحمد حسن الفقى (وكان عضوًا فى الوفد المصرى خلال رحلة موسكو) كذَّب - بعد أن وقعت الكارثة- هذا القول، وقال إن الاتحاد السوفيتى لم يعد بشيء من هذا القبيل، وإن شمس بدران كان مشغولاً بشراء أثاث ولوازم لمنزله!
وتصريحات بدران أخلت بحسن تقدير القيادة المصرية للموقف من المعركة الوشيكة. وقد أثير بعد انتهاء الحرب لغطٌ وشكوك حول مصداقية شمس بدران فى نقل هذا التأكيد.
إنها مأساةٌ إغريقية كان شمس بدران أحد أبطالها، لدرجة أن الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل يشير فى كتابه "حرب الثلاثين سنة: 1967 الانفجار" إلى أنه عندما أضيف إلى مجموعة القادة العسكريين المحيطين بالمشير عبدالحكيم عامر منذ سنواتٍ طويلة شمس بدران كوزيرٍ للحربية، فإن صورة الإدارة اختلطت بصورة الأمن.
وحين يكون الأمن أحد المكونات الرئيسية فى طبق الإدارة.. تأكل الشعوب الحِصْرِم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.