بصمات مصرية وروح أوروبية تضمن الحقوق الأساسية للمواطنين نصوص الدستور تعزز الطبيعة الخاصة للمجتمع الكويتى وتدفعه للنمو بلا قيود
الديوانيات.. برلمانات شعبية ابتكرها الكويتيون وتداولوا فيها قضاياهم
أسباب عديدة تدعو الكويتيين للفخر والاعتزاز ببلادهم وتاريخهم، وهم يحتفلون هذه الأيام بذكرى العيد الوطنى الثامن والخمسين وعيد التحرير الثامن والعشرين، من بين هذه الأسباب الدستور الدائم الذى صدر عام 1962، والذى يعد أقدم دستور فى الوطن العربي، لا يزال ساريا منذ صياغته، وحتى وقتنا الراهن، فقد لعب هذا الدستور دوراً رائدا فى إقامة حياة ديمقراطية ناضجة فى البلاد، عبر ما تضمنه من مواد جاءت متفقة مع التزام المجتمع الدولى، بالتوجه نحو المزيد من توفير الديمقراطية والعدالة والحرية للشعوب، وعلى الرغم من صدوره مطلع ستينيات القرن الماضي، فإنه لم يغفل تلك الجوانب، بل وضع المشرع الدستورى لها مواد وأبوابا مستقلة ضمن نصوصه. بالإمكان التعرف على المكانة المتميزة التى يحتلها الدستور الكويتى بين دساتير الأمم، من خلال التعرف على رؤية العالم الخارجى له، والتى قطعاً تستند لمعايير موضوعية بعيدة كل البعد عن أية محاباة، ومن أبرزها التقرير الدولى لحرية الأديان، وهو تقرير أمريكى معنى برصد أوضاع الحريات الدينية على مستوى العالم، والذى أكد أن الدستور الكويتى قد وفر حرية مطلقة للمعتقدات، وحرية مماثلة للممارسات الدينية، بما يتوافق مع التقاليد السارية فى المجتمع من حيث الميل الفطرى إلى الشورى، ونبذ الانفراد بالرأى والقرار. ولم تكن الديمقراطية التى تشهدها دولة الكويت حاليا بالأمر المستحدث، بل كان لها جذور ممتدة فى تاريخ الأمة الكويتية، التى رأى حكامها المتعاقبون أنها السبيل الأمثل لقوة الدولة وتلاحم أبنائها، وبنائها على أركان ثابتة لا تعصف بها الرياح، فاستطاعوا أن يرسو بسفينة الوطن إلى بر الأمان وسط ما يحيط بالمنطقة العربية من أمواج عاتية، لم يسلم من نتائجها الكارثية إلا القليل من الدول، والتى كانت الكويت بفضل من الله، ثم الحنكة السياسية لقيادتها وديمقراطيتها قادرة على أن تكون بمنأى عنها.
شجرة الديمقراطية ومنذ نشأتها فى القرن السابع عشر، استندت العلاقة بين الحاكم والمحكوم فى الكويت على قاعدة رئيسية مؤداها التفاهم والشورى وتبادل الرأي، فكانت حرية الرأى مكفولة لجميع أبناء الشعب الذين يعبرون دون أدنى تردد عما يساورهم من مخاوف، أو يراودهم من أفكار تهدف للإصلاح والتنمية ورفعة شأن الوطن الغالى العزيز، فعرف الكويتيون الديمقراطية بفطرتهم النقية وسماحتهم، ومارسوها فعليا من خلال أكثر من صورة، و لعبت «الديوانية» دورا كبيرا فى هذا الشأن. والديوانية لمن لا يعرفها هى صورة مصغرة للبرلمان الذى عرفته الدولة القومية الحديثة، فكان الرجال يتجمعون فيها عادة بعد صلاة العشاء من كل يوم أو يوما فى الأسبوع، يتجاذبون أطراف الحديث فى جميع الشئون العامة والخاصة، الداخلية منها والخارجية على حد سواء، لذا مثلّت تربة خصبة لنشأة الحياة السياسية والديمقراطية فى البلاد. ومع الانفتاح على العالم الخارجى بدأ الاهتمام بعملية مأسسة المشاركة الشعبية فى صنع القرار، والتى كان من ثمارها المجلس التشريعى الذى تأسس فى أواخر يونيو من عام 1938 والذى عُد أول برلمان شعبى فى منطقة الخليج العربي، يمارس المشاركة فى الحكم ، فكانت الكويت كعادتها سباقة فى نشر الديمقراطية عبر ذلك النموذج. وهكذا فقد عرف الكويتيون الديمقراطية منذ تأسيس بلادهم منتصف القرن الثامن عشر، عندما اختاروا الشيخ صباح الأول ليكون أول أمير للبلاد، وفى عهد الشيخ أحمد الجابر شهدت الكويت تشكيل المجلس التأسيسي، وفى عهد الشيخ عبد الله السالم تم انتخاب أول مجلس تأسيسى للأمة، كُلف بوضع الدستور، وبعدها تم انتخاب مجالس الأمة طبقاً للدستور، وحافظوا على ترابطهم وعلى تمسكهم بالنظام الديمقراطى فى كل الظروف، فلم تتأثر ديمقراطيتهم بالاحتلال الصدامى للبلاد عام 1990، عندما وقف الكويتيون – جنبا الى جنب مع أشقائهم العرب وأصدقائهم من كل العالم - متضامنين فى وجه الاحتلال حتى تم التحرير، ودحر جيوش الغزاة، دون أن يفرطوا فى نظامهم الديمقراطي. وفى نوفمبر الماضى احتفل أبناء الكويت بمرور 66 عاما على صدور الدستور الذى يعد الأقدم فى الوطن العربى، والذى شكّل نقلة نوعية نحو بناء دولة حديثة قائمة على مؤسسات دستورية بهدف خلق إدارة عادلة لكيان هذه الدولة تتساوى فيها الحقوق والواجبات، إذ يعبر عن إرادة الحاكم والمحكوم فى العيش معًا تحت مظلة الديمقراطية وبناء دولة القانون، كما يعد الوثيقة الكبرى التى تحدد نظام الدولة وتنظيم العلاقة بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية.
مراحل تاريخية ومرت الكويت بتجارب دستورية متعددة عبر تاريخها السياسى بداية من إقرار دستورها الأول، وصولًا إلى دستورها الدائم المعمول به فى الوقت الحالي. ففى عام 1921 صدر الدستور الأول، ويعد أول دستور مكتوب بدولة الكويت، ويحتوى على 5 مواد فقط، وتم إنشاء مجلس استشارى فى العام نفسه تطبيقاً لهذا الدستور، وجرى اختيار أعضاء المجلس الاستشارى عن طريق التعيين وعددهم 12 عضواً. وفى عام 1938 صدر الدستور الثانى عن المجلس التشريعى الذى أنشئ فى العام نفسه، وأعضاء المجلس التشريعى منتخبون وعددهم 15 عضواً ، ويعد أكثر تطوراً من الدستور الذى سبقه. وفى عام 1961 أصدر الأمير الراحل الشيخ عبد الله السالم الدستور الثالث لينظم عمل السلطات العامة، حتى يتم الانتهاء من الدستور الدائم، وتم العمل بهذا الدستور لمدة عام واحد فقط.
المجلس التأسيسي فى أعقاب الاستقلال صدر القانون رقم (1) لسنة 1962 متضمنًا النظام الأساسى للحكم فى فترة الانتقال، وكان بمنزلة دستور مؤقت يطبق خلال الفترة التى سبقت إصدار الدستور الدائم، وأناط القانون بالمجلس التأسيسى مهمة وضع مشروع دستور للبلاد . وفى اجتماع المجلس بتاريخ 27 فبراير 1962، وخلال مناقشة مشروع اللائحة الداخلية، تم الاتفاق على أن تشّكل كل لجنة من لجان المجلس من 3 أعضاء، عدا لجنة الدستور فتتألف من خمسة أعضاء. وفى جلسة 3 مارس 1962 تم انتخاب لجنة الدستور التى ضمت خمسة أعضاء هم رئيس المجلس التأسيسى عبداللطيف ثنيان الغانم، والشيخ سعد العبد الله، وحمود الزيد الخالد، ويعقوب يوسف الحميضي، وسعود عبدالعزيز العبدالرزاق. ونظرا للعلاقات الثنائية الوثيقة القائمة بين البلدين منذ أوائل القرن العشرين فقد كان لمصر بصمتها الواضحة على الدستور الكويتى، حيث شارك فى وضعه الخبير القانونى للحكومة الكويتية محسن الحافظ والخبير الدستورى عثمان خليل عثمان، وكلاهما مصرى تمت الاستعانة بهما من الجمهورية العربية المتحدة فى ذلك الحين، وكان لهما فضل كبير فى صياغة نصوص الدستور وضبط مواده .
23 جلسة وعقدت لجنة الدستور جلستها الأولى فى 17 مارس 1962 برئاسة عبد اللطيف ثنيان الغانم وعقدت آخر جلساتها فى 27 أكتوبر من العام نفسه، وبلغ مجموع جلساتها 23 جلسة، ناقشت باستفاضة التفاصيل المتعلقة بالدستور ومكوناته وأبوابه ومواده، علاوة على بحث آلية الحكم وكيان الدولة ، وتشكيل الوزارة وعدد الأعضاء والجنسية وغيرها. وأنهت لجنة إعداد الدستور أعمالها، وأحالت مشروع الدستور بأكمله إلى المجلس التأسيسى لمناقشته وإقراره، وفى جلسته المنعقدة بتاريخ 30 أكتوبر من العام نفسه تمت تلاوة مواد مشروع الدستور مادة مادة ثم أخذ التصويت على المشروع، وذلك بالمناداة على الأعضاء فردًا فردًا، حيث تمت الموافقة عليه من قبل أعضاء المجلس بالإجماع. وقدم رئيس المجلس التأسيسى الدستور الجديد إلى الأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم فى الثامن من نوفمبر 1962، وألقى كلمة قال فيها: «إنه لشرف كبير لزملائى أعضاء لجنة الدستور ولشخصى أن نتقدم إلى سموكم فى هذا اليوم التاريخى نيابة عن المجلس التأسيسى بمشروع الدستور الذى رأيتم وضعه للبلاد على أساس المبادئ الديمقراطية المستوحاة من واقع الكويت». وصادق الأمير على الدستور بعد 3 أيام من تاريخ رفعه إليه، وتم إصداره وكان على الصورة التى أقرها المجلس، وتم نشره فى الجريدة الرسمية فى اليوم التالى لصدوره. وبذلك كانت الكويت أول دولة فى منطقة الخليج تضع دستورا نقلها إلى مرحلة المؤسسات، ووضعها على خريطة الدول التى اختطت المسيرة الديمقراطية والحريات، وبعد مضى 72 يومًا فقط على إقرار الدستور، أجريت فى 23 يناير 1963 أول انتخابات شاملة لانتخاب أعضاء مجلس للأمة، وكان ذلك إيذانًا رسميًّا ببدء العمل بالممارسة السياسية بموجب أحكام الدستور الجديد، كما كان المدخل الذى نفذت من خلاله حدود سلطات البلاد الرئيسية، وهى التشريعية والتنفيذية والقضائية. ثراء تاريخي ويرى المراقبون أن الدستور الكويتى نجح فى تنظيم شكل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، مستفيدا بذلك من ثراء الكويت التاريخى عندما توافق أهل الرأى عام 1756 على اختيار الشيخ صباح الأول كأول حاكم للكويت، على أن تكون الشورى و المبايعة هما أساس الحكم، ووفقا للمادة رقم 6 فى الدستور فإن «نظام الحكم فى الكويت ديمقراطى .. السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا .. وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور». وقرر الدستور أيضا أن نظام الحكم فى الكويت لا يقوم على مبدأ الانفراد بالسلطة، وإنما يكون للمحكوم دور فى صنع القرار السياسى، من خلال اختياره فى العملية التشريعية انتخابا وترشيحا، باعتبار أن أعضاء مجلس الأمة هم ممثلو الشعب، وهم مسئولون عن عمليتى التشريع والمراقبة لأعمال السلطة التنفيذية. كما أتاح العديد من الحقوق الاقتصادية والسياسية والمدنية والاجتماعية للمواطن بصورة تضاهى ما هو موجود فى أرقى البلاد الديمقراطية كحق التعليم والعمل والملكية الخاصة، وحرية الاعتقاد والرأي، وتكوين الجمعيات والنقابات على الأسس التى كفلتها القوانين، بالإضافة إلى حرية الصحافة والطباعة والنشر، وقرر أن الأمير يتولى سلطاته بواسطة وزرائه، حيث إنه هو رئيس السلطة التنفيذية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، كما أنه مشارك فى العملية التشريعية من خلال مجلس الوزراء وتصدر الأحكام القضائية باسمه.
حراك ثقافي وقد تأثرت عملية صياغة الدستور فى الماضى بالحراك الثقافى الناتج عن انفتاح الكويت على الدول العربية، خصوصا مصر بمفكريها ووسائل إعلامها من إذاعة ومجلات وكتب وبعثات دراسية، وبالتوازى مع ذلك فإن روح الدستور وقيمه ومفاهيمه قد انعكست على حياة المواطن بما منحه من مساحة واسعة من الحرية وضمان المساواة والعدالة، باعتبار أن العدالة والحرية والمساواة دعامات لا بديل عنها لبناء وتماسك المجتمع، وتكريس مفهوم التعاون بين أفراده، وأن التراحم صلة وثقى بين المواطنين، علاوة على ذلك لم يغفل المشرع الكويتى دور الأسرة بوصفها أساس وركيزة المجتمع، وبناء على ذلك تم استصدار قوانين متعددة لضمان حمايتها، ودفعها بعيدا عن التفكك، معولا على أهمية غرس قيم الدين والأخلاق وحب الوطن فى نفوس المواطنين. وقدمت الدولة بما تضمنه الدستور كفالة تامة للمواطنين، فى حالة الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل، وتبين تطبيق ذلك جليا بما أقامته الدولة من خدمات متطورة، ورعاية للنشء والشباب وكبار السن، وخدمات التأمين الاجتماعى والمعونة الاجتماعية والرعاية الصحية.
مجلس الأمة وقد لعب مجلس الأمة الكويتى دوراً رئيسياً فى تعزيز الديمقراطية التى قررها الدستور، نبع من كيفية طرح النواب لقضاياهم الرئيسية، ومعالجتها بصورة تتفق مع تطلعات وطموحات الشعب الكويتى ومحافظتهم على الديمقراطية، بأن تكون تلك الممارسة النيابية داخل إطارها المفترض والذى يحقق المصلحة العامة، فأعمال المجلس عكست بجلاء الديمقراطية التى تحيا فيها البلاد، ولذا فإنه كلما نجح المجلس فى تحديد أولويات أجندته التشريعية وتوجيه أدواته الرقابية لحل المشاكل فى البلاد، تزداد الديمقراطية تعززاً ورسوخاً. وقد اقتبس الدستور الكويتى المبادئ النيرة التى قام عليها من الدساتير العالمية التى سبقته كالدساتير الفرنسية والأمريكية والمصرية، كما اقتبس الكثير من المبادئ من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الذى تم إقراره فى العاشر من ديسمبر عام 1948، لذلك فالكثير من نصوصه تتحدث عن صميم مبادئ حقوق الإنسان ووجوب احترامها، وبذلك يعد الدستور منجم ذهب لهذه الحقوق التى أوصى بصونها، علاوة على تبنيه الكثير من الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تحفظ للمرأة حقها فى المساواة الكاملة مع الرجل دون تمييز، حيث يضم مواد نصت وأقرت حقوق المرأة فى المساواة الكاملة فى الكرامة الإنسانية والحقوق والواجبات، كما ساوت بين جميع المواطنين دون تمييز أو تفرقة، ولإيمانها بذلك انضمت الكويت إلى الكثير من اتفاقيات الأممالمتحدة الرئيسية التى تحفظ حقوق الإنسان مثل: العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، واتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1996، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصرى عام 2003، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 2006. وكما تتباهى المجتمعات الحديثة بدساتيرها، يحق للكويت أن تحتفى وتفاخر بدستورها، حيث تعد من أوائل الدول العربية التى وضعت لها دستورا، والأولى فى منطقة الخليج، كما يحق للشعب الكويتى أن يفتخر بالدستور، لما يحمله من معانى الحريات والحقوق لجميع المواطنين كما يجمع الخبراء الدستوريون، وبالإضافة إلى ذلك فإنه لم يضع تلك الحقوق والحريات، ويتركها بل حماها من التعديل والتقليص، وقرر أن أى تعديل يلحق بالدستور يجب ألا يكون إلا بمزيد من الحريات والحقوق للمواطن، ليسبق بذلك النص كثيراً من دساتير العالم.