عقب إدلائه بصوته.. نقيب المهندسين: الانتخابات تتم بشكل جيد وغير مسموح بالتجاوز    تراجع طفيف في أسعار الذهب بالسوق المحلية.. سعر عيار 21 الآن    مركز التميز العلمي والتكنولوجي يستقبل وفد الأكاديمية العربية للعلوم    تعزيزات أمريكية غير مسبوقة بإسرائيل.. وتحركات عسكرية تسبق مواجهة محتملة مع إيران    مصر والسعودية تشددان على أولوية خفض التصعيد واحتواء التوترات في المنطقة    اليوم.. انطلاق منافسات ربع نهائي كأس مصر للكرة الطائرة للآنسات    الطريق إلى بودابست.. مسار مواجهات دوري أبطال أوروبا حتى النهائي    ضبط المتهمين في مشاجرة بسبب «غسيل سيارة» بالغربية| فيديو    «الصحة» تفحص 9.3 مليون طفل ضمن المبادرة الرئاسية    منظومة التأمين الصحي الشامل: 208 آلاف زيارة طبية في 6 محافظات خلال أسبوع    الرئيس السيسي يؤدي صلاة الجمعة بمسجد المشير طنطاوي في ذكرى انتصارات العاشر من رمضان    أفضل أدعية الرزق والسكينة في الجمعة الثانية من رمضان 2026..فرصة عظيمة لا تُعوّض    وزير التخطيط: تعزيز مساهمة بنك الاستثمار القومي في المشروعات ذات العائد التنموي    الرئيس السيسي يصل مسجد المشير طنطاوي لأداء صلاة الجمعة    موجة من التقلبات الجوية الممطرة تضرب الإسكندرية.. واستعدادات مكثفة لمواجهة نوة السلوم    حبس أمين شرطة طعن زوجته 9 طعنات في الشرقية    تحرير 150 محضرا تموينيا خلال 24 ساعة لضبط الأسواق وضمان توافر السلع فى أسيوط    التنورة التراثية والأراجوز وخيال الظل، تعرف على حفلات التنمية الثقافية غدا    مؤتمر سلوت: صلاح ليس مهاجمنا الوحيد.. وأعلم أنه سيعود للتسجيل    منها غطاء إسرائيلي.. ABC تكشف سيناريوهات ترامب المحتملة لضرب إيران    طهران تحذر واشنطن وتتوعد برد حاسم لأي استفزاز    أمريكا تأمر مواطنيها فى إسرائيل بالمغادرة بسبب مخاطر أمنية    تشكيل اتحاد جدة المتوقع لمواجهة الخليج في الدوري السعودي    جامعة قناة السويس تنظم أربع ندوات توعوية بمدارس المجمع التعليمي    إفطار رمضاني مصري بمقر السفارة في روما باستضافة بسام راضي    توجيهات حاسمة من السيسي للحكومة ومحافظ البنك المركزي تتصدر النشاط الرئاسي الأسبوعي    مواعيد مبارايات اليوم الجمعة 27 فبراير 2026    الصحة تبحث تعزيز كفاءة قواعد بيانات علاج المواطنين على نفقة الدولة وتطوير التحول الرقمي    فرقة الأنفوشي للموسيقى العربية تفتتح أولى الليالي الرمضانية على المسرح المكشوف بمطروح    حاملة الطائرات الأمريكية جيرالد فورد تصل إسرائيل    الجيش الأمريكي يستخدم الليزر لإسقاط مسيرة تابعة للجمارك وحماية الحدود    النشرة المرورية.. سيولة بحركة السيارات بمحاور القاهرة والجيزة    القبض على 4 أشخاص إثر مشاجرة بالشوم أمام مسجد في قنا    أول مارس.. افتتاح مطار سوهاج الدولي بعد تطويره    أسرار "الأوتوفاجي"، دور الصيام في تجديد شباب الخلايا بالجسم    الكونغو وأمريكا تتفقان على شراكة صحية بقيمة 1.2 مليار دولار    وزيرة التضامن تشيد بظهور الرقم 15115 في «اتنين غيرنا».. ماذا يمثل للنساء؟    30 دقيقة تأخير على خط «القاهرة - الإسكندرية».. الجمعة 27 فبراير 2026    أحمد هيكل: أطلقنا 6 شركات قبل أزمة 2008.. وواجهنا تسونامي ماليًا    تارا عبود: مشاركتي في مسلسلين بموسم رمضان 2026 كانت تحديًا كبيرًا    «إفراج» يكتسح جوجل.. إشادة تامر حسني تشعل السوشيال ميديا ونجاح عمرو سعد يكتب شهادة تفوق مبكرة في دراما رمضان    صحاب الأرض.. القيمة الفنية والرسالة الإنسانية    مفتي الجمهورية من جامعة دمياط: نصر أكتوبر نقل الأمة من الانكسار إلى أفق التمكين    أحمد عبد الحميد: والدي رفض «الواسطة» في الفن.. وأول رمضان من غيره صعب    من وصايا «سيد قطب» إلى قتل المدنيين.. تصاعد درامي لرسائل العنف في «رأس الأفعى»    حادث دهس ومحاولة هرب بالشارع السياحي بكرداسة | صور    فيديو | تفاصيل مشاجرة داخل مسجد بقنا.. خلافات قديمة بين «ولاد العم»    دعاء الليلة التاسعة من شهر رمضان.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    مستقبل وطن يطلق حملة «إفطار مسافر» بمحطة مصر في الإسكندرية    دعاء صلاة الفجر وفضله وأفضل الأذكار بعد الصلاة    انطلاق سهرات الأوبرا الرمضانية بثلاث فعاليات مميزة في القاهرة والإسكندرية    تريزيجيه وزيزو يشاركان فى مران الأهلى الجماعى استعداداً لمباراة زد    إصابة محمد شكرى بكدمة فى مشط القدم واللاعب يغيب عن مباراة الأهلى وزد    إخلاء سبيل المتهمين في واقعة الاعتداء على سيدة ب«شومة» وإلقائها في ترعة بكفالة 2000 جنيه    أول تعليق من لقاء سويدان عن حقيقة ارتباطها بأحمد عز    رد ناري من لقاء سويدان على شائعات السحر.. فيديو    دوري المحترفين - القناة يثبت أقدامه في الصدارة بفوزه على طنطا    السعودية تدشن مطبخا مركزيا بغزة لإنتاج 24 ألف وجبة يوميا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدكتور محمد الجوادي‏‏:‏ نعم‏..‏ يمكن إلغاء منصب رئيس الوزراء
نشر في الأهرام اليومي يوم 13 - 03 - 2011

لا ينص الدستور المصري علي أن نظام الحكم في مصر رئاسي‏,‏ لكنه ينطق بما لا يدع مجالا للشك بأنه أكثر من ذلك فيما يتعلق بسلطة رئيس الجمهورية‏,‏ أما منصب رئيس الوزراء في عهد الثورة‏,‏ فهو وظيفة يوجه إليها النقد واللوم‏,‏ فإذا أحسنت فالفضل لرئيس الجمهورية‏,‏ وإن أساءت فالعيب من شاغلها‏. و هكذا فإن الحرص علي وجود هذه الوظيفة ارتبط بحرص رئيس الجمهورية علي إزاحة المسئولية الأدبية عن كاهله دون أن يفرط في نسبة الإنجازات إلي نفسه.. وهذا هو ما حدث بالفعل طيلة فترة حكم الرئيس مبار ك, التي حرص فيها علي أن يكون هناك رئيس وزراء طول الوقت باستثناء الأيام الثمانين الأولي من حكمه حين اضطرته الظروف إلي أن يجمع رياسة الوزارة مع رياسة الجمهورية, أما الرؤساء الثلاثة الأول فقد تولوا في بعض الأحيان رئاسة الوزارة بالإضافة إلي رياسة الجمهورية, كما تخففوا من رئاسة الوزارة في معظم الأحيان, وكان منطقهم المعلن في الجمع بين المنصبين مرتبطا بالرغبة في الإنجاز الأكبر أو الأسرع عن طريق تركيز السلطة, أو عن طريق مباشرة الأمور الداخلية بالمستوي الأعلي من السلطة دفعة واحدة.
ولعل هذا يقودنا إلي إدراك حقيقة مهمة, وهي أن رياسة الوزراء في حد ذاتها لم تكن بمثابة ركن إيجابي في بناء هرم السلطة في حقبة الثورة, وإنما كانت أقرب ما تكون إلي الأركان الإضافية التي قد تلقي العبء علي مشروع القرار, أو علي طريقة إنفاذه أو تنفيذها, إلي حد أن يري المراقبون لدينامية الأحداث أن الأمر قد أصبح بحاجة إلي تدخل رئيس الجمهورية في الأمور لإعادتها إلي نصابها. وهو ما تكرر علي مدي عهد الثورة كله رغم كفاءة رؤساء الوزراء الذين تعرضوا لمثل هذا الموقف, بمن فيهم زكريا محيي الدين, الذي كان صنو ا لعبد الناصر في تقديرهما لبعضهما, فضلا عن مكانتهما في القوات المسلحة, أو مجلس قيادة الثورة, لكن القضية في مثل هذه الأحوال لا ترتبط بالقدرة, ولا بالنزاهة, ولا بالأداء, ولا بالذكاء. وإنما هي ترتبط بحقيقة أخري هي أن التيارات الأخري( وما أدراك ما التيارات الأخري) لا تجد فرصتها في ظل الحكم الجمهوري الرئاسي إلا في مناوئة رئيس الوزراء, وكأنما أصبح مثل هذا المنصب في هذه النظم بمثابة حائط صد أمام آراء المعارضين لسياسات السلطة التنفيذية( والسياسية من باب الأولي).. وكما أن هذا المنصب يلعب دور حائط الصد, فإنه يلعب أيضا دور حائط السد أمام كثير من مبادرات الوزراء المجتهدين في تطوير وترقية نجاحاتهم في قطاعاتهم, ذلك أن الطبيعة البشرية في مثل هذه النظم تدفع بكل نوازعها للوقوف ضد فرص النجاح والألمعية التي يمكن أن تتحقق للوزراء, لأنها لن تصب في مصلحة رئيس الوزراء, وإنما ستصب في معين الخصم من رصيده, ومن قوته, ومن إنجازاته, وهو ما رأيناه علي مدي سنوات طويلة من الحروب الخفية التي قادها الوزراء ضد رؤساء الوزارة أو قادها رؤساء الوزراء ضد تطلعات الوزراء العاملين معهم الذين يتعجلون الصعود علي جثث رؤسائهم ليحتلوا مكانهم بأسرع وقت ممكن. ويذكر لنا تاريخ مصر المعاصر مواقف عديدة أبانت بوضوح عن هذا الصراع المحموم والمحتوم بين شخصيات نالت ما كانت تستهدف, ولعل أبرز نموذج لهؤلاء هو ممدوح سالم نائب رئيس الوزراء في وزارة الدكتور عبد العزيز حجازي, الذي لم يهدأ باله إلا بعد أن احتل موقع رئيس الوزراء, حتي فاجأته المظاهرات الغاضبة في 1977 علي الرغم من أنه كان مشجعا في فترة سابقة لمظاهرات استهدفت سلفه في رياسة الوزارة كي تعجل برحيله ليحل هو محله! وقد حدث الشئ نفسه في بداية السبعينيات من القرن العشرين وبداية حكم الرئيس السادات, حين أخذ الدكتور عزيز صدقي يدفع الأمور دفعا إلي إحداث الخلخلة الكفيلة بأن يحل هو محل الدكتور محمود فوزي في رياسة الوزارة, وهو ما حدث بالفعل بأسرع مما يتصور أي مراقب, وفيما قبل هذا بعقدين من الزمان لعب الرئيس جمال عبد الناصر نفسه هذا الدور من خلال رئاسته للوزارة في عهد الرئيس محمد نجيب, إلي الحد الذي صمم فيه الرئيس نجيب علي استعادة منصب رياسة الوزارة, وعدم تركه للرئيس عبد الناصر حين أدرك أن الرئيس عبد الناصر كان يستخدم هذا المنصب بمثابة منصة للهجوم والمناورة و التحالفات, وتعويق سلطة الرياسة, والتقليل منها ومن مكانتها.
ومع كل هذه التجارب السياسية السلبية فإن منصب رياسة الوزارة لم يصب في مصلحة الوطن.. إلا في حالات قليلة ينبغي ذكرها إحقاقا للحق من ناحية, وإضاءة للصورة من ناحية أخري, وتتمثل أبرز هذه الحالات في تجربتين أساسيتين تجاوزهما الزمن حتي مع اعترافه بأهميتهما.
وأولي هاتين التجربتين هي تجربة الدكتور فؤاد محيي الدين في بداية عهد الرئيس مبارك, وهي تجربة حفلت بالإيجابيات والسلبيات, وألقت بظلال مؤثرة من شخصية صاحبها علي استهلال رئيس جديد لرياسته, وظهر فيها طابع التوفيق, والتأليف, والاستيعاب, مما شكل صورة ذهنية للرئيس الجديد كانت مختلفة تمام الاختلاف عن شخصيته, وطابعه, وأدائه, ومع أن أحدا لا ينكر أن هذه الصورة قد أفادت الرئيس حتي بما لم يكن يريده أو يتوقعه, فإن الرئيس نفسه لم يكن سعيدا بهذا الوضع, ولهذا فإنه سرعان ما مارس حقه في تغييره ومع أن المراقبين والسياسيين لم يفهموا هذا في وقته, فإن مرور السنوات جعلهم يدركون الحقيقة بعد فوات الأوان, ومن العجيب أن عقلية الرئيس مبارك قد كشفت في ذلك الوقت بكل وضوح عن توجهاته حين صدرت إشارات صريحة بأنه ينوي شغل منصب رياسة الوزارة بشخصية عرف عنها( من قبل) ما عرف عنه هو نفسه( من بعد) بالقدر الكبير من الاعتزاز بالرأي وعدم التفريط فيه والانحياز إلي الرؤية الذاتية المسبقة وإعلائها فوق كل الرؤي الأخري أو فلنقل صراحة إن الأمر كان أقرب مايكون إلي عبارة رجل الشارع العناد الشديد والمستمر والأبدي.
ومع أن ظروف الوفاة المفاجئة للدكتورة فؤاد محيي الدين حين علم باستبعاده من مملكته التي اقامها جعلت الأمور تسير في اتجاه آخر بتكليف أقدم نواب رئيس الوزراء) كمال حسن علي( برياسة الوزارة فقط ظل الرئيس مبارك يتحين الفرصة ليفرض علي موقع رياسة الوزارة شخصية أخري شبيهة به وبالدكتور رفعت المحجوب في سماتهما الشخصية
وقسماتهما التنفيذية, وذلك حين عهد بعد عام وشهر إلي الدكتور علي لطفي بتشكيل وزارة جديدة بينما كان كمال حسن علي يؤدي أداء متصل النجاح, والتقدير, والرضا.
وفي كل الأحوال فقد بقيت للرئيس مبارك من حقبة فؤاد محيي الدين مجموعة من الانجازات والمكتسبات التي حسبت للرئيس مبارك, علي الرغم من أن فؤاد محيي الدين كان صاحب المبادرة إليها كما كان صاحب الإيمان العميق بها, ومن هذه المبادرات محاولة استيعاب السياسيين المعارضين للحكم من خلال الإفراج عنهم, والسماح بعودة بعض احزابهم وجمعياتهم واستيعاب كتابات بعضهم الآخر في الصحافة القومية وعودة) أو استعادة( كثير من أصحاب الأقلام الذين كانوا قد تركوا مصر إلي المنافي الاختيارية) في ظل الظروف الاقتصادية المصرية,والطفرة البترولية العربية وما أعقبها من رغبة في تكوين حضارات ومناطق تأثير فكري تعتمد في جزء منها عي المثقفين المصريين الذين كانوا معروفين علي نطاقات واسعة ومؤثرة(. أضف إلي هذا إلحاح فؤاد محيي الدين علي عودة رجل الدين إلي عمله, وإلحاحه في إجراء انتخابات علي أساس القائمة النسبية ونجاحه في جزئيات إدارية دالة من قبيل فرض مواعيد مبكرة لإغلاق المحلات والمتاجر في العاصمة وغيرها وما إلي هذا من تنظيمات كانت كفيلة بأن تظهر طابعا مختلفا لعصر جديد مع قدوم رئيس جديد وقد اسهمت كتابات موجهة في تصوير الرئيس ملتزما) إلي أبعد الحدود( بكثير من القيم التي يحبها الشعب وهو التصوير الذي لعب مع الزمن دورا سلبيا حين ساعد علي تأجيح ثورة الجماهير علي الرئيس بعد ثلاثين عاما, حين فوجئت هذهالجماهير وسط ثورتها بالحديث عن كل ما خالف الدعاية الأولي من قبل وجود ثروات خيالية للرئيس وعائلته.. إلخ.
إما التجربة الثانية التي أفاد منها الرئيس السابق مبارك طيلة عهده الذي استمر عقدا كاملا من الزمان ثم بدد بنفسه ثمارها) دون وعي, أو دون قصد مسبق( فقد كانت تجربة الدكتور عاطف صدقي,الذي بدأ تجربة ذكية للإصلاح الاقتصادي والمؤسسي والتنفيذي طبقا لما تقوله الكتب) علي حد التعبير الحرفي(والتزم إلي أقصي درجات الالتزام بالحدود القصوي لسلامة التشريعات وبعدها عن التلفيق والتفصيل, وهو الأمر الذي اعاد لمصر في وقتها وجهها الاقتصادي القديم والملائم للعصر مع تحرير العملة, وتحرير سعر الصرف وعودة سوق المال والبورصة وتعديل القوانين المنظمة للحياة الاقتصادية وتحرير القطاع العام من كثير مما كان يقيد حركته ووضع أسس الإعلان عن الوظائف العليا القانون5 بمعايير ذكية ودقيق ومعالجة تشوهات الكادرات الخاصة وانضاف رجال القضاء.. إلخ.
وقد اتت سياسات عاطف صدقي ثمارها علي مدي السنوات التسع التي قضاها في رياسة الوزارة وشاء القدر ان تتحول خزانة مصر من خزانة به خاوية في نهاية ثمانينيات القرن العشرين الي خزانة ذات احتياطي نقدي كبير كما استقرت اسعار كثير من السلع وتضاءلت معدلات التضخم واستقر سعر صرف الدولار, وأحس الشارع بالراحة والأمل في المستقبل وليس سرا ان رغيف الخبز المدعوم في1995 إلي حالة من الوفرة لم تتح له من قبل ولا من بعد, حتي انت الأفران تتيحه في أي وقت, بل كان بعضها بمر به في عربات يدوية ذات عجلات في نهاية اليوم..
وهو مايدل علي أن أزمات الخبز الحالية حصيلة للفساد لا للندرة, ولسوء الإدارة لا لقلة الموارد, ولجهل الوزراء لارتفاع السعر العالمي, وهي ملحوظة مهمة وإن بدت جانبية. ولم ينته عهد عاطف صدقي إلا وكان الإصلاح المصرفي قد تحقق بنسبة كبيرة, لكن قرارات الرئيس مبارك في الاختيارات التالية لرؤساء الوزراء كانت كفيلة أن تبدد معظم ما أنجزته وزارات عاطف صدقي الثلاث في1986 و1987 و1993, وبأن تحل محلها سياسيات لا يمكن وصفها إلا بأنها تمكنت بنجاح باهر من تدمير البنية الاجتماعية) بكل قسوة( وإيقاف الانجازات في مجالات البنية الأساسية)بكل جهل( وتشويه البنية الاقتصادية) بكل فساد( وهي العوامل الثلاثة التي أوصلت نظام الرئيس مبارك ونجله الصغير وأصدقاء نجله الصغير إلي طريق مسدود يتمني المخلصون أن يخلوا مصر منه في أسرع وقت ممكن!
ومن الجدير بالذكر هنا ان نوعية رؤساء الوزارة في هذه الحقبة 2001/1996 كان بمثابة أحد العوامل التي دفعت إلي تراكم الأخطاء وتفاقم الأوضاع عاما بعد عاما, فقد كانت بداية وزارة الجنزوري موفقة, لكنها كانت بطيئة جدا, وهكذا فقد التهم عنصر البطء عنصر التوفيق في سرعة بالغة, ثم فرض نفسه علي طابع الوزارة وانجازها الداخلي, فاندفع رئيسها إلي فتح ابواب البنوك للمغامرين كي يقوموا بالتنمية بالنيابة عنه, وسرعان ما تدهور الوضع في ظل تدخل شخصيات غير مسئولة, وفس ظل التعامل مع اصول الدولة علي انها اقطاعيات, واصبح رئيس الوزراء وكأنه ينادي بما هو كافر به, ومنكر له, في ظل دراسته وتوجهاته السابقة وتحول التخطيط, الذي كان الجنزوري وزيرا له طيلة 31 عاما, إلي شيء اخر اقرب إلي التخبط, وفاحت رائحة احتراق كثير من توجهات دولة بناها ملوك اسرة محمد علي جميعا ثم محمد نجيب ثم عبدالناصر ثم السادات ومبارك الأولي علي الانحياز لمصالح الشعب, وبدأ حديث جديد في عهد مبارك الأخير لايعني في مفهومه وفي نهايته إلا ضرورة التخلص من الشعب نفسه.
وجاء عهد عاطف عبيد ليعلن بكل وضوح عن السياسات التي بدأت في عهد الجنزوري بعبارات اكثر مراوغةوبدء ارضاء التوجهات الفردية علي حساب الاصول الجماعية, وليس سرا ان احد الاقلام المؤثرة جدا نال بصراحة ونالت اسرته الصغيرة حظها المبكر جدا من ثروات مصر علي يد وزارة عاطف عبيد فتحولت ارقام ثروته من الاصفار الاربعة إلي الاصفار العشرين بفضل ابتزازه لهذه الوزارة التي شهدت توحش الراسمالية غير الوطنية, مع الحديث الموازي عن غل يد رجال الاعمال, وعن قيود تفرض عليهم في الظاهرة, لكنها لاتفرض علي فكرة التوحش نفسها, واصبح الأمر شبيها بتربية الوحوش داخل قفص محكم الاغلاق تملك الحكومة مفاتيحه, بينما الوحوش تزداد شراسة, حتي اذا جاء أحمد نظيف اطلق بصراحة وبسذاجة وبلذة الوحوش الكاسرة علي الشعب في سرعة بالغة, فاذا الوظائف التي افني المصريون فيها عمرهم تصبح بمثابة شيء اثري ليس له تأثير, ولاتقدير في ظل تعيينات لا نهاية لها لاشخاص لاخبرة لهم وفي وظائف وجود لها, بمرتبات لاسقف لها, وإذا نحن امام وضع لم تشهده دولة في التاريخ الانساني كله, حتي ان اموال الشعب اصبحت تدفع جملة وخيارا وعيانا بيانا.. وجهارا نهارا لمغامرين محترفين للإجرام تحت دعوي تشجيع التصدير, واصبحت هذه الاموال تصرف بعشرات الملايين كي تدخل جيوب الوزراء الذين يوقعون مستندات صرفها لانفسهم, وإذا بمرتبات طبقة محدودة من المصريين تفوق عشرة اضعاف المرتبات القصوي في أوروبا وأمريكا, وإذا الخريجة التي لم يضي علي تخرجها في جامعة خاصة ضعيفة المستوي سوي اسابيع, تتقاضي في الشهر الواحد اضعاف مرتبات كل الاساتذة في الجامعة التي تخرج فيها اساتذتها, وذلك من أجل ان ينطبق ابوها من حين لاخر بكلمة زور في الدفاع عن الحكومة التي كانت تعرف انها غارقة في الخطيئة والرذيلة! ومع هذا كانت تبرز شهادات الشرف!!
وشهدت مصر لأول مرة في تاريخها ورزارة يغلب عليها طابع العداء المعلن للشعب, والحرص علي استفزازه, وقد كان هذا الطابع في البداية يضيف بطريقة غير مباشرة إلي مجد رئيس الجمهورية الذي كان ينزع فتيل الازمات في الوقت المناسب أو بعده بقليل فيحوز التصفيق المدبر مرة بعد اخري, وينال الاعجاب المجهز سلفا, لكن الأمور في الاعوام الثلاثة الأخيرة اتجهت منحي آخر حين اصبح التأزيم سريع الوتيرة, وعالي الايقاع, ثم اصبح الرئيس بحكم السن منصرفا تماما عن القيام بدوره الصناعي في نزع الفتيل, وهكذا شهد العام الأخير أكثر من عشر ازمات متوالية كانت كل ازمة منها كفيلة بإنهاء حضارة, لا بإنهاء عهد حكومة أو عهد رياسة فحسب ولست اجد في وصف هذه الازمات الأخيرة اصدق تعبيرا من تشخيصي في حديث صحفي مطول اجري معي ونشرت اشاراته في الصفحات الأول, وفيه اشرت بكل وضوح إلي ان الوزارة الأخيرة تضم سبعة علي الاقل مكانه الطبيعي هو السجون والاشغال الشاقة, وسبعة اخرين علي الاقل مكانهم هو مستشفي الامراض العقلية, وسبعة اخرين علي الاقل يستحقون الاعدام بعد اخذ رأي المفتي, وان كانت الصحيفة قد حذفت في اللحظة الأخيرة عبارة السبعة المستحقين للاعدام وتركت مكانها, سوادا اشار إلي شيء محذوف.. ولا اظنني كنت مبالغا عن الحد حين قلت هذا.. ولا اظنني كانت شجاعا بما يفوق الحد حين قلت هذا علي هذا النحو.
وخلاصة القول في هذا الشأن ان رئيس الوزراء الأخير كان دون غيره مسئولا عن هذا الوضع الكارثي الذي كرس كارثيته باسوأ نهاية لاسواء اداء.. وهو مايدفعنا إلي إعادة التفكير في جدوي منصب يمكن ان يكون ملاذا لمثل هذا الفساد الذي لانزال ندفع ثمنه من دمائنا وارواحنا لامن اموالنا واقواتنا فحسب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.