إصدار قرارات علاج على نفقة الدولة بتكلفة 30.8 مليار جنيه خلال 2025    عاجل| موعد إجازة 25 يناير 2026 للقطاعين العام والخاص    الأحد 18 يناير 2026.. ارتفاع أسعار الخضروات بسوق العبور اليوم    الأحد 18 يناير 2026.. الدولار يسجل 47.36 جنيه للبيع في بداية التعاملات    النائب عماد خليل يناقش الحكومة في خطط التكيف مع آثار التغيرات المناخية    رئيس البورصة: هناك اهتمام كبير من قبل المستثمرين الأجانب بطرح عقود مشتقات الأوراق المالية    ارتفاع جماعي لمؤشرات البورصة بمستهل تعاملات الأسبوع    بلومبيرج: ترامب يرأس مجلس السلام بغزة ويطالب الدول بمليار دولار مقابل العضوية    مصرع وإصابة 46 شخصا إثر انقلاب حافلة ركاب بإقليم بلوشستان    العاهل الأردني يتلقى دعوة من الرئيس الأمريكي للانضمام لمجلس السلام    انطلاق أعمال الاجتماع «22» للجنة العربية للإعلام الإلكتروني بالجامعة العربية    لاعب الزمالك بعد تجديد تعاقده: حلم تحقق    أرقام منتخب مصر في أمم إفريقيا 2025.. صدارة المجموعة ومركز رابع في ختام المشوار    أمم أفريقيا 2026.. التشكيل المتوقع لمنتخب السنغال أمام المغرب    اتحاد الكرة يشيد بالمغرب ويستنكر الصافرات على السلام الوطني في مباراة نيجيريا    أمم إفريقيا - محمد رمضان: إلغاء تواجدي في حفل الختام.. ولن يتغير حبي للمغرب    وكيل تعليم الغربية يتابع امتحانات الفصل الدراسي الأول للشهادة الإعدادية    الأرصاد: الأحوال الجوية لهذا الأسبوع مستقرة.. واحذروا الصقيع    بدء تشريح جثامين الأشقاء الخمسة ضحايا تسرب الغاز بميت عاصم    إخماد حريق داخل شقة سكنية فى الهرم دون إصابات    ضبط 5 طن ونصف لحوم ودواجن وأسماك غير صالحة للاستهلاك الآدمى بالمنوفية    حبس بائع ملابس 4 أيام لاتهامه بالتحرش بطالبة في الطالبية    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 18يناير 2026 فى محافظه المنيا    الإفتاء تحذر من سلوكيات مؤذية متداولة على مواقع التواصل: إيذاء النفس باسم اختبار الصداقة محرم    جانتس يؤكد مجددا استعداده لتشكيل حكومة مع نتنياهو    استقرار نسبى فى اسعار الحديد اليوم الأحد 18يناير 2026 فى محافظه المنيا    تأجيل قضية مقتل عروس على يد زوجها في المنوفية    اليوم، مؤتمر صحفي لإعلان تفاصيل الدورة ال 25 للمهرجان القومي للسينما    محافظ أسيوط يتفقد مركز خدمات مياه الشرب بحى غرب    تشكيل الهلال المتوقع أمام نيوم في الدوري السعودي    خطوات الحصول على خدمات التأمين الصحي لأصحاب المعاشات في المنيا    الصحة تعلن إدخال تخصصات جديدة للأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة    أطباء مستشفى الطلبة بجامعة القاهرة ينجحون في إجراء أول عملية زراعة قوقعة لطالبة    لا تهدموا المعبد ..ودعوا العلم مرفوعًا من إفريقيا إلى كأس العالم: كيف نبدأ التصحيح؟    اليوم.. محاكمة 8 متهمين في قضية «الهيكل الإداري» بالتجمع    الأكاديمية العسكرية.. كيف تبنى الدولة القوية نخبتها؟    الخريطة الكاملة لمعرض القاهرة الدولى للكتاب 2026    القاهرة تجمع العرب حول فن واحد    وفاة الفنان محمود بشير عن عمر يناهز 76 عاما    11فيلماً غيرت وجه فاتن حمامة على الشاشة    ماذا نُريد من البرلمان الجديد؟!    10 وزراء سابقين تحت القبة: الحكومة عليها حارس!    الإفتاء عن اختبار الصداقة بالشاي المغلي: حرام شرعًا    دار الإفتاء تستطلع هلال شعبان اليوم.. حسم موعد غرة الشهر بعد صلاة المغرب    اليوم.. الجامعة المصرية الصينية تفتتح المعرض السنوي لنتاج أعمال طلاب التصميم الداخلي والأثاث    نظام الملالى يتصدع    انطلاق قافلة المساعدات الإنسانية ال 118من مصر إلى غزة    بعد حضوره حفل Joy Awards.. محمد إمام: سعيد بالطفرة اللي حصلت في المملكة العربية السعودية    طبيب يكشف عن تأثير المشروبات والأطعمة الحارة والساخنة على الصحة    وزير خارجية السعودية يبحث المستجدات الإقليمية في اتصالات هاتفية مع نظرائه في تركيا والأردن والعراق    إلهام شاهين تتصدر مشهد «جوي أوردز» بإطلالة ذهبية راقية تؤكد أنها سيدة السجادة البنفسجية    حركة القطارات 45 دقيقة تأخير بين قليوب والزقازيق والمنصورة.. الأحد 18 يناير 2026    بعد صافرات النشيد الوطني.. تامر أمين يعتذر باسم المصريين عن تصريحات حسام حسن: حقكم علينا يا مغاربة    ترامب يشكر السيسى علي دوره في حصار غزة والمقاومة ويعد بالتدخل بملف النيل بعد فوات الأوان ؟!    الأزهر يُحيي كنوز التراث: "حَلي العاطل" شرحٌ نادر لفقه الشافعية يُزيّن معرض القاهرة للكتاب    صحه شمال سيناء تبحث رفع كفاءة منظومة قطاع الرعاية الأساسية بالمحافظة    وفاة رجل الأعمال طاهر القويري الملقب بملك الشمعدان    محمد علي خير يوجه رسالة للمغتربين: لا تتركوا أبناءكم وحدهم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هو وهى
لعبة الكراسي
نشر في الأهرام اليومي يوم 26 - 02 - 2011

لست في باب المقارنة‏..‏ لا وحق الله‏..‏ ومعذرة بعرض السماء والأرض‏,‏ فما استحضرني الآن ليس سوي الكرسي والرقم ثلاثين‏..‏ فبينما نعيش أحداث ثورة أسقطت كرسي نظام مكث ثلاثين عاما استشري فيها الفساد حتي بات أخطبوطيا مقننا علي جميع الساحات‏. في المال والأرض والعرض والماء والصحراء والدواء‏..‏ بينما يحمل التاريخ الذكري العطرة لثلاثين شهرا فقط جلس فيها الخليفة عمر بن عبدالعزيز علي كرسي الخلافة فشمل عدله كل فرد في أمته مسلما أو ذميا‏,‏ صغيرا أو كبيرا‏,‏ رجلا أو امرأة‏,‏ حتي أنه أطلق في المدينة من ينادي‏:‏ هل من فقير يستحق عونا؟ هل من مدين نسد عنه دينه؟ هل من شاب يريد الزواج فنزوجه؟ فلم يجد أحدا‏...‏ ويزيد جلوس العقيد معمر القذافي عشر سنوات فوق رقم الثلاثين متربعا علي الكرسي ليشعل في بلده نارا أتت علي الأخضر واليابس‏,‏ وظنه أن ثورة شعبه ليست سوي حسد‏:‏ عين‏..‏ عين والله عين وأصابتنا‏!!‏ ويغدو طالبو الحق لديه جرذانا‏,‏ والمتمردون علي قهره مغيبين بحبوب الهلوسة‏,‏ والمعارضة له كلابا ضالة‏,‏ والثائرون جراثيم‏,‏ والثورة مؤنث للثور‏!!!‏
وقبل ما يقف شباب الثورة في الميدان أياما علي الأقدام ليكتبوا تاريخ مصر الجديد‏,‏ كانت المحروسة بلد الشهادات قد تحولت بمضي الثلاثين في مسيرة الكحت والكبت والسحت والفحت إلي بلد الكراسي‏...‏ مصر التي كان رمزها النوراني تمثال الكاتب الفرعوني الجالس متربعا فوق الأرض علي ساقيه كتاب عملاق رمز الاطلاع والمعرفة والعلم‏!...‏ مصر التي كان مفهوم الشهادة فيها علي أيامنا قيمة وسيما وحاجة عظيمة‏..‏ مصر عاصمة الثقافة في ماض كان الإخوة العرب فيه يحجون إليها لينالوا من جامعاتها شرف أرقي الشهادات العلمية والأدبية والدينية التي يفاخرون بها أقرانهم عند عودتهم لأوطانهم لينالوا بحيازتها أرقي الوظائف والدرجات‏,‏ حتي أصبح أمرا بدهيا أن يكون أكبر كبير من الحاكم للوزير في بلاد العروبة خريجا في جامعات الأزهر الشريف والقاهرة وعين شمس‏..‏ مصر الشهادات تلك تهاوت فيها قيمة شهادة العلم والمعرفة عندما استلبت مواقعها الكراسي لتغدو أهمية سيادتك من كرسي سيادتك الذي غدا مصدر الشرعية الوحيد في مصر‏..‏ ومن هنا أصبحنا نموت علي الكرسي‏..‏ نقطع بعض عليه‏..‏ نلتصق فوقه بالغراء‏..‏ ندقنا بمسامير‏..‏ يخيط علينا فيه‏..‏ نأخذ هباته وملحقاته وقصوره وبورصته وأراضيه ولزوم وظيفته حقا طبيعيا أرسلته لنا العناية الإلهية‏,‏ ولكل ماسح جوخ نصيب‏..‏ نبوس القدم ونبدي الندم علي عدم احتفائنا واحتفالنا ولو للحظة لمن أنعم علينا بالجلوس عليه‏..‏ و‏..‏إذا ما كان كرسي المدير والوزير غالي عليه‏,‏ فما بالك بالكرسي الأعلي وأعلي الذي لابد وأن يكون التشبث به والدفاع عنه بالروح والدم‏..‏ روح الوطن ودم الشهداء‏!!‏ أما إذا لا سمح الله وتركناه ونحن لم نزل علي قيد الحياة فخلاص قد دخلنا سكة اللي يروح مايرجعشي‏,‏ واندرجنا تحت قائمة يكفيك شر المستخبي‏,‏ ويعوضك عوض الصابرين‏..‏
عندما انقلب الحال بتراكم البلاء من الشهاداتية إلي الكرسية تراجعت تعاقدات الهيئات الرسمية في المؤسسات القومية والمدنية أمام نفوذ أصحاب الكراسي‏,‏ وأصبح مجرد تليفون من صاحب كرسي يشيل ناس ويحط ناس ويقدم ناس علي ناس ويكرم ناس ويعري ناس ويكوم ناس وينقط ناس ويرمي طوبة ناس ويكفر ناس ويسكن ناس في قصور ويرقد ناس في الجحور‏..‏ مجرد تليفون صغير‏..‏ وموتوا بغيظكم يا أصحاب التعاقدات بالمواعيد والإمضاءات والموافقات والطوابير رغم ما دفعتموه من تحت الترابيزات لأن كل واحد علي كرسي إيده طايلة ووراه بلطجية تاكل الزلط ماعندهمشي يا أمة ارحميني‏..‏ و‏..‏أهمية الكرسي تتعدي دائرة الكرسي ذاته إلي أقارب الدرجة الأولي الذين ولابد وأن يكونوا المستفيدين الأول بأنواره وصولجانه‏,‏ وأيضا كل من يحمل لقب العائلة‏,‏ حتي ولم لم تكن هناك صلة دم بل تشابه في الأسماء فقط‏,‏ ولم تزل الذكري القريبة ماثلة في قول صديقنا الدكتور سعد المغربي عندما ذهب ليجدد جواز سفره‏,‏ فسأله مسئول الجوازات مرحبا بشوشا عما إذا كان من أقارب سيادة الوزير‏,‏ فصارحه دكتورنا بأنه مجرد تشابه في أسماء العائلات‏,‏ عندها أشار إليه من بيده الضبط والربط‏:‏ طيب يا سيد روح اقف مكانك هناك في آخر الطابور‏..‏ وغالبا ما توجد شخصية مقربة من صاحب الكرسي تكون بمثابة يده التي يضرب بها ويهدد بها ويطبطب بها ويدغدغ بها أيضا‏,‏ تلك اليد المرفوعة دوما بتعظيم السلام غالبا ما أن يهبط صاحبنا من كرسيه إلا وتكون أول من يمسك بتلابيبه وقفاه‏,‏ تكسر من وراءه القلة مع التبرع بإذاعة أسراره وسقطاته إن لم يكن في مذكرات بعائد مجز‏,‏ فهناك علي الدوام آذان مرهفة لسماع تفاصيل فضائح ساقط الكرسي‏!‏
وإنني لأري في قائمة الوظائف العديدة والعضويات الوفيرة والاستشاريات الزحمة المطبوعة في كروت البعض صفا من الكراسي فوق بعضها قاعد عليها صاحبها مدليا ساقين لا تصلان للأرض‏,‏ يقدم الكارت من قبل التحية نوعا من إفحامك لتعرف قبل ما تنطق إنت يا نكرة بتكلم مين‏!..‏ وقسما بالله أن أحدهم نقش في اللوحة الرخامية علي مقبرته من قبل ما يموت أنه نائب رئيس تحرير‏,‏ فربما ينفعه اللقب وهو رميم عند سؤال ناكر ونكير‏..‏ وهناك رؤية متوارثة ثاقبة يفهم من تحليلاتها بأنه كلما قلت قيمة الشخص زادت ألقابه في عصور التدهور والعكس صحيح‏,‏ لذا لم يذكر اسم أبي حنيفة أو ابن خلدون إلا مجردا فأي منهما بعلمه الغزير في غير حاجة لألقاب‏,‏ أما ما خفت موازين علمه فلا يدخل عليك بمؤلفه إلا من خلف زفة كراسي مثل‏:‏ العالم العلامة والحبر الفهامة والبحر الزاخر والمحيط الوافر وحيد زمانه سيد أقرانه عظيم خلانه‏..‏ الخ‏..‏ وفي سكة البحث في التاريخ السياسي للعبة الكراسي وجدتهم قد عثروا علي رفات الإمبراطور الأثيوبي هيلاسيلاسي مدفونة تحت كرسي مكتب الرئيس الذي اعتلاه منجستو هيلا ماريام وذلك بعدما كتم الأخير أنفاسه بوسادة ضاغطة في عام‏1975‏ ليجلس عليه بكرسيه أكثر من عشرين عاما ضامنا أن عدوه قد غدا تحت الكرسي ولا عين له طامعة في الكرسي الفوقاني‏..‏ وعلي درب الكراسي التاريخية شاهدت أخيرا في صدر أحد محلات الكبابجية في الحسين كرسي العرش بالتاج والنجمة والحروف الملكية الذي اعتلاه يوما فاروق ملكا‏,‏ شاهدته عزيز قوم ذل بذراع محترقة ورجل مسلوخة في عصره الصفيحي يستنشق نسيجه الحريري نكهة السجق الجملي المثقلة بالبصل والثوم بدلا من عطور باريس وأريج لانفان وشانيل‏,‏ وفي صالة بيتنا كرسي أرابيسك كان ثمنه في المزاد من أربعين عاما سبعة جنيهات‏,‏ وذات مرة عندما انكب مكوما علي ظهره من جراء أرجحة ضيف ثقيل يتحدث بيديه ورجليه‏,‏ اكتشفنا في قاعدته قطعة نحاسية مستديرة مستترة بختم من القرن الثامن عشر يشير إلي أنه كرسي السيدة هدي شعراوي صنع خصيصا من أجلها في فلورنسا‏,‏ وإلي وقت قريب مكثت رافضة التنازل عنه لتاجر الأنتيكات الذي لوح لي بمبلغ وقدره مقابل التحفة التاريخية‏,‏ ولكني أجد نفسي الآن نظرا للظروف المحيطة متجهة لفكرة القبول بعدما اقتنعت ببلاغة منطق يقول بأنني لست أساسا عضوة في جمعية السيدة هدي شعراوي‏,‏ إلي جانب أنني من جيل قامت الدكتورة درية شفيق بعد قرن من الزمان بتدريسه في الجامعة‏,‏ وقرأ عن سيزا نبراوي في صفحات تاريخ نضال المرأة المصرية من قبل ما تتولد أمه‏..‏
و‏...‏ بمراقبة دقيقة ورصد ميداني تجد غالبية أصحاب الكراسي شخصيات مرحة ظريفة لطيفة ودودة رحيمة متفهمة وموافقة‏..‏ هذا إذا ما التقيتها علي الواقف وعلي عجل‏..‏ لكنها وللغرابة ما أن تجلس وتترسم علي كرسيها وتدخل القالب حتي يركبها مائة عفريت من سكان الكرسي‏,‏ فتنقلب بقدرة قادر من اللطافة للسخافة‏,‏ ومن حسن الاستماع للسم الناقع‏,‏ لتكلمك وكأنها بالعة مليون ضفدعة‏..‏ والنصيحة للتعامل مع تلك الأغلبية الالتقاء بها في الممرات وع النواصي أو بين فتحات الأبواب أو علي البسطة أو في دخلة اجتماع أو في خرجة وفود‏!...‏ ويجرفني فيض التداعي في مسألة التآخي بين الكراسي والبشر‏,‏ حتي وجدت أني أخالف داروين في نظرية الإنسان والقرد‏,‏ لأقول إن الإنسان لابد في الأصل كرسي من لحم ودم‏,‏ فقد تشكل جنينا في وضع القرفصاء داخل رحم أمه‏,‏ وخرج إلي الدنيا ليجلس علي حجرها يلقم ثديها‏,‏ ومن شهره الرابع تدربه علي الجلوس فوق كرسي القصرية لقضاء حاجته‏,‏ ويكبر ليجلس علي كرسي تختة فصل يرفع أصبعه فيه‏,‏ ليجيب بذكاء فطري علي السؤال العويص فيحبطه المعلم بقوله‏:‏ انحط اقعد‏,‏ ويشب عوده ليجلس منكسا أمام غضبة والده الآمر الناهي‏:‏ وحياة ذقني ما أنت فالح‏,‏ وهتفضل طول عمرك انت والكرسي واحد‏...‏ ويقوم من الكرسي ينام علي كرسي أنفاس‏,‏ وتتشقلب مناهج التعليم مع كل وزير‏,‏ ويخرج من عنق الزجاجة بمعجزة يدور علي وظيفة بكرسي يقعد عليه شوية ويقوم يستريح شوية‏,‏ وتبيع أمه مصاغها ويستلف الأب معاشه ليفرحا بالجدع قاعد مع عروسته علي كرسي الكوشة‏,‏ ويمضي قطار العمر من كرسي إلي كرسي‏,‏ يطلع له فيه إيريال في راسه من طول تحديقه في برامج التليفزيون المستنسخة وكراسيها‏,‏ وتأتي النهاية بوضع النائم علي ظهره‏,‏ في حين يغادر كراسي المأتم من أتوا يؤدون واجب الجلوس لدقائق‏,‏ للفرار بعدها بمجرد انتهاء الآية قبل دخول مقرئ كرسي الصدارة في آية أخري‏,‏ وفجأة يهب جمع الجلوس للإسراع في مصافحة صاحب الكرسي الرفيع الذي أتي مندوبا عن صاحب كرسي أكثر منه رفعة‏,‏ وما أن يغادر سيادته حتي يأتي مقاول الفراشة للحساب ورفع الكراسي‏.‏
ومرورا بنظرية الإنسان أصله كرسي أجد من هو مثال لكرسي البلاج القماش الخفيف ع الجيب والقعدة‏,‏ والكرسي الأوبيسون المحدد إقامته في الصالون‏,‏ وكرسي سكنته العثة مركون في الصندرة‏,‏ وكرسي جبان منزو في آخر الصف‏,‏ وكرسي قيادة متصدر القاعة‏,‏ وكرسي تعوم علي عومه‏,‏ وكرسي عنفوان‏,‏ وكرسي نقرزان‏,‏ وكرسي يخلع لك الضرس‏,‏ وكرسي يسامرك‏,‏ وكرسي يكسر ظهرك‏,‏ وكرسي ما له ظهر‏,‏ وكرسي يطردك‏,‏ وكرسي ياخذك في حضنه‏,‏ وكرسي يطبق‏,‏ وكرسي ينفرد‏,‏ وكرسي واطي‏,‏ وكرسي عالي‏,‏ وكرسي تاخده بعيدا مع أم كلثوم في ضوء القمر‏,‏ وكرسي يعورك‏,‏ وكرسي تجرجره وراك‏,‏ وكرسي عيل وكرسي للناس الكبار‏,‏ وكرسي قداسة وكرسي فضيلة الشيخ‏,‏ وكرسي وشه مكشوف‏,‏ وكرسي أخلاق‏,‏ وكرسي حلاق‏,‏ وكرسي تغرز فيه ماتطلعشي‏,‏ وكرسي ما له لون‏,‏ وكرسي بكرش‏,‏ وكرسي يزحلقك للأرض‏,‏ وكرسي بار وكرسي صلاة‏,‏ وكرسي بيانو وكرسي فوتيي‏,‏ وكرسي إمام وكرسي ملته واقعة‏,‏ وكرسي قاضي وكرسي عرضحالجي‏,‏ وربنا مايوقعك ما بين يدي كرسي سيادة بلا قلب‏,‏ أو الاختناق في مضايق كرسي قلبه أسود‏,‏ أو اعتراض كرسي في الكلوب‏,‏ أو الإتكاء علي كرسي بثلاثة أرجل‏,‏ أو الإتكال علي كرسي في عرض كرسي‏,‏ أو مصاحبة كرسي بدون مسند‏,‏ أو الوقوع في غرام كرسي بأويمة وفرانشة‏,‏ أو منافسة كرسي بقاعدة عريضة‏,‏ أو الفضفضة لكرسي متنكر بكسوة‏,‏ أو الانسياق لكرسي مسماره خفي‏,‏ أو تكهين كرسي فيه رمق‏,‏ أو ترميم كرسي أصله مش كرسي‏,‏ أو التعامل مع كرسي نجارته مش ولابد‏,‏ أو الثقة في كرسي فراشة يوم في جنازة ويوم في فرح‏,‏ أو دس خبيئتك في كرسي أودة العيال‏,‏ أو معاملة الزوجة ككرسي وشها للحيط‏..‏ والنصيحة إذا تكالبت عليك كراسي كل منها شكل ولون البعد عنها والتنائي واللجوء للصلاة وقراءة آية الكرسي‏..‏
ولا ننسي عبقرية يوسف إدريس عندما كتب عام‏1968‏ بطريقة رمزية يسأل المصري الصبور حمال الكرسي الغليظ الذي لا يقل وزنه عن عدة أطنان‏:‏
‏*‏ من كام سنة شايله؟
‏-‏ من آلاف السنين‏.‏
‏*‏ من أيام الهرم يعني؟
‏-‏ من قبل‏..‏ من أيام النيل‏.‏
‏*‏ نيل إيه؟
‏-‏ من أيام ما سموا النيل نيل ونقلوا العاصمة من الجبل للضفة جابني عمك بتاح وقال لي يا شيال شيل‏!‏ شلت وأدور عليه في سلقط في ملقط بعد كده عشان يقول لي حط‏,‏ من يومها للنهاردة مش لاقيه‏.‏
‏*‏ وافرض مالقيتش عمنا بتاح رع تفضل شايل الكرسي؟
‏-‏ أعمل إيه؟ أنا شايله ودي أمانة‏,‏ خدت الأوامر إني أشيلها‏,‏ شلتها‏,‏ وأحطها إزاي من غير أمر؟ ربما يغضب‏.‏
‏*‏ تحطها زهق يا أخي‏!‏ تعب‏..‏ ترميها‏..‏ تكسرها‏..‏ تحرقها‏..‏ تثور‏..‏ دا الكراسي اتعملت عشان تشيل الناس مش عشان الناس تشيلها‏.‏
‏-‏ ماأقدرشي‏..‏ هو أنا شايله غية؟ أنا شايله أكل عيش‏..‏
‏*‏ ولو‏!‏ مادام هادد حيلك وقاطم وسطك تبقي ترميه‏,‏ ومن زمان ترميه‏.‏
‏-‏ ده عندك أنت لأنك ع البر مش شايل مايهمكش‏,‏ أنا شايل ودي أمانة وشايل الأمانة مسئول عنها‏.‏
‏*‏ لغاية إمتي إن شاء الله؟
‏-‏ لما يجيني الأمر من بتاح رع‏.‏
‏*‏ ده مات وشبع موت‏.‏
‏-‏ من خليفته‏,‏ من وكيله‏,‏ من ولد من ولاد ولاده‏,‏ من حد وياه أمارة منه‏.‏
‏*‏ طيب أنا بأمرك أهه إنك تنزله‏.‏
‏-‏ أمرك مطاع وكتر خيرك‏..‏ بس أنت تقرب له؟
‏*‏ للأسف لأ‏.‏
‏-‏ معاك أمارة منه؟
‏*‏ ماعييش‏.‏
‏-‏ يبقي عن إذنك‏..‏
كاتبي المفضل دوما‏..‏ يوسف إدريس‏..‏ أزف اليوم إلي روحك الوثابة الشابة ونحن في نهايات فبراير‏2011‏ أن رجلك الصبور قد عيل صبره ونفذ السهم فأنزل الكرسي الغليظ من علي أكتافه ثائرا ومضي حرا واثق الخطي يمشي ملكا‏..‏ الكاتب المتفرد المتأمل القارئ لكف مصر‏..‏ آه لو كنت معي اليوم لنرقب معا وعيا جديدا قد تشكل في رحم الثورة المجيدة‏..‏ رفض الجلوس علي كراسي التلقي وافترش تلقائيا أرض الميدان‏..‏ وعيا يرفض أشكال التعبير الهزيلة‏,‏ ويقول لا للفنون المبتذلة والكليشيهات الأدبية والشعرية الجاهزة والممجوجة ونموذج المعتوه الناطق بألفاظ السوقة من تربع علي كرسي البطولة السينمائية ليسوق فن التردي والابتذال‏..‏ وعيا جديدا قد أنجب آدابا وفنونا شابة نضرة نضارة هؤلاء الجدد الذين يصنعون جديدا فيه حب وحماسة وشغف وحرية تجلت شهداء وهتافات وأحلام وسياسات ورؤي‏,‏ ولاءات مرتفعة للفساد والجمود والأيديولوجيات الهلامية وبونابرتية الأنظمة الاستبدادية وجرم رأسمالية لا يهمها سوي الربح السريع‏.‏
و‏..‏نحن نعيش الآن أياما تتلاحق فيها لعبة الكراسي بأحداثها المثيرة والمتعاقبة علي أرض الوطن والمنطقة العربية‏,‏ حيث لم يعد يتاح للقلم مواكبتها‏,‏ أو حتي متابعتها علي برامج الشاشات‏,‏ فعندما تتناول في سطورك ما يجري فوق كراسي بلدك أو علي كراسي بلد الحدود أو البلد الخضراء الشقيق أو‏..‏ أو‏..‏ تكتشف عند النشر أن الكراسي التي كنت تكتب عنها قد اصطفت خلاص في اجتماع لتصحيح الأوضاع وإعفاء المواطنين من رسوم واستحقاقات‏,‏ ومنح الفيسبوك لكل مواطن‏,‏ وشقة لكل مقيم‏,‏ واعترافات وكأنها فوجئت بها بأن الظلم كان حقا سائدا‏,‏ وأن الناس سواسية‏,‏ وأن الدستور أعوج‏,‏ وأن الديمقراطية كسيحة‏,‏ وأن الفلوس تعاني التوحد عند ناس بعينها‏,‏ وأن مضاعفات البطالة تؤدي لما لا تحمد عقباه بحق وحقيقي‏,‏ وأن في الجعبة آلافا من الوظائف تنتظر شاغليها‏,‏ وأن في الأرض اتساعا لملايين أخر‏,‏ وأن في القلب الشغف وفي الأحضان اتساع وفي الإزماع السماع‏,‏ وفي العقل قناعة بوجوب مشاركة الشباب في حكم البلاد‏..‏ وتكتشف مع سرعة دوران عجلة الثورات أن الكراسي الأخري قد انزاحت وجهها للحائط لكنس الأرضية وغسل الدماء‏,‏ وأنك الآن أمام ما يجري فوق كراسي لم تكن في الحسبان في عالمنا العربي‏,‏ فمن بعد تونس ومصر تهتز الآن الكراسي في ليبيا التي حسدتها كما يقول قذافها عين الحسود‏,‏ واليمن والبحرين والجزائر والأردن والمغرب‏,‏ وقد تلحق بها كراسي السودان والعراق وإيران‏..‏الخ‏..‏الخ وهكذا تغدو المطاردة الآن مرهقة بل شبه مستحيلة بين القلم والكرسي والثورات الوليدة التي تطالب بتغيير النظام‏,‏ والتي تبدأ بقدر عال من العفوية والسيولة ليصعب بعدها احتواؤها أو إجهاضها أو متابعة سريانها‏!‏
والله يكون في عون كل وزير حلف اليمين بالأمس وقبل التضحية بالجلوس علي كرسي من شوك لأجل يمشي حال البلد الواقف‏,‏ في مرحلة يعلم مسبقا أنها فارقة وحارقة ومارقة ومفارقة‏,‏ وأن المجلس العسكري في حالة انعقاد دائم‏,‏ وأن الأسنان مشحوذة‏,‏ وشهداء للآن بلا أسماء‏,‏ وأبناء وآباء خرجوا ولم يعودوا بعد‏,‏ وجيش سقط منه شهداء لم يعلن عنهم كي لا يستنفر جنودا أشقاء لهم‏,‏ خلف مدافع الدبابات‏,‏ ودموع الثكالي لم تجف بعد‏,‏ وفنادق أولي وثالثة وسابعة بالضبة والمفتاح‏,‏ ومحاكم احترقت أحكامها‏,‏ وأحزاب تحت الطبع‏,‏ وكيانات سقطت‏,‏ أنجبت في حملها الكاذب كيانات‏,‏ وملايين من أبناء الوطن راجعة من الحدود ملتاعة وخالية الوفاض‏,‏ وثعابين في الشقوق‏,‏ وديابة مطلوقة‏,‏ وسجون بلا زنازين‏,‏ وسلاح بالكوم تحت الطلب‏,‏ وسينا علي الحافة أهلها البدو عانوا من جور النظام الكثير‏,‏ وشائعات بحجم الجبال تلوث المحيط‏,‏ وتمد شبكات القرابة والنسب والعمولة لكل شريف وعفيف‏,‏ وشرطة حيرانة في اسمها ولبسها ومظهر ردعها ما بين اللين والحسني وزرع الثقة‏...‏ وأن أربعة وثمانين مليونا راقدة لكل وزير في الذرة‏..‏ قاعدة لمعاليه للسقطة واللقطة في البيت والميدان‏..‏ رصداه بعين الصقر من برج المراقبة‏..‏ المنبه في يد والمسطرة في اليد الأخري والفيسبوك نافش ريشه‏..‏ و‏..‏الطموحات والطلبات ما لها سقف مفتوحة لعنان السماء‏!!
[email protected]

المزيد من مقالات سناء البيسى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.
مواضيع ذات صلة