كثيرون من المرابضين بميدان التحرير وسط القاهرة أو ما أصبح يكني بميدان الحرية ربما لا يعرفون من هم القائمون علي تسيير المظاهرات وتجييش هؤلاء الشباب بمئات الآلاف. ولا يعرفون من هو البرادعي ولا حركات الشباب التي نجحت في تحريك هذه الحشود, بل من تكون جماعة الاخوان المسلمين... الخ. وهؤلاء الكثيرون ساكنوا الميدان منذ يوم ثلاثاء الغضب25 يناير لم يأت بهم الي الميدان الرغبة في مساندة أي من جماعات اشعال هذه الثورة أو رموزها, وانما ثورة من داخلهم هم علي ما اعتبروه ظلما تعرضوا له طوال سنوات بل عقود مضت.. وهؤلاء سكنوا الميدان والذين أقاموا به لبضع أيام سعيا الي تلمس الحل ورفع المعاناة التي يكتوون بنيرانها من لهيب الغلاء, أو السكني بالشارع والخلاء, والحياة اللا آدمية, هم قصص متباينة, لكنهم جميعا في الهم سواء.. حتي أنك قليلا ما تجدهم يسيرون خلف المظاهرات أو ينخرطون بها, وانما اتخذوا من الأرصفة سكنا لهم يفترشون بضع قميشات رثة متهالكة رصد هذا المشهد من خلال جولة بالميدان الذي بات حديث العالم أجمع وتلهث وراءه وكالات الأنباء والفضائيات وفي وقت كان المتظاهرون ضد النظام جماعات شتي بين جالسين وهاتفين ومتسامرين كان هؤلاء الآخرون تنطق وجوههم بالهموم يريدون البكاء لكنهم يتماسكون بأعجوبة.. وحيث شد انتباهي شاب معوق يجلس علي كرسيه وما إن توقفت للتحاور معه حتي فوجئت بتوافد الكثيرين حولي, خاصة حين علموا أنني صحفي, بين فتيات وشيوخ ومرضي.. ووو. ظننتهم سيسألون عن هويتي, وأنهم جماعة مخولون بتأمين المكان خشية اندساس أي عناصر لا يرضون عنها بينهم, لكن المفاجأة ألقمتني الحجر تبينت أن لكل منهم قصة وحكاية مريرة تقشعر لها الأبدان وتتمزق لها القلوب, وأنه ربما ما أتي بهم الا هذا المكان سوي البحث عن حل لمعاناتهم التي سالت لسنوات., وأدركت أن كلهم في الهم سواء.. كانوا بين شيخ طاعن في السن يمسك بيده مجموعة من الأوراق والمستندات, وفتاة تلملم شتات مرارتها حتي لا تنهار وتنخرط في البكاء ورجل في عقده السادس تبدو علي ملامحه آلام المرض وشابة أبت إلا أن أزورهم بمسكنهم وأملتني العنوان وغيرهم وغيرهم.. كل يسعي ليفضي الي بهمومه, حتي أيقنت أن اللوحة البادية للعالم والتي تتناقلها مئات الفضائيات عبر الأثير الي شتي بقاع المعمورة تخفي وراءها مرارات وآلام كثيرة لأناس يعيشون بيننا لا يعلمها الا الله. من بين هؤلاء فؤاد أحمد مصطفي موظف بالمعاش أجري عملية القلب المفتوح يقطن في أبو زعبل شكا الي ما تتعرض له زوجته فاتن فتحي محمود الحلواني الموظفة بمصلحة الاسعاف, والتي تم نقلها من الهيئة الي مديرية الشئون الصحية بالعتبة, وأنها حاولت العودة الي مكانها بعد أن تقدمت بشكاوي عديدة لكل المختصين بما فيها وزير الصحة السابق دون جدوي.. وحين استغربت شكواه ومطلبه وقلت له وما الفارق بين العمل في ميدان الاسعاف والعتبة وأنها مسافة قصيرة قال وهو يمسك بدموعه ويكاد يبكي يا بيه مراتي كانت بتاخد500 جنيه حوافز في الاسعاف, أما الآن وفي وظيفتها الجديدة بالعتبة فإن هذه الحوافز تراجعت الي200 جنيه فقط وهذا المبلغ يفرق معانا كتير في المعيشة ونحن ناس بسطاء وعلي قد حالنا.. ولدينا3 أبناء ولدان وبنت وثلاثتهم بجامعة عين شمس.. تابع الرجل المريض ثم انها أي زوجته تركب المترو ووجودها في العتبة يكلفها عبء مواصلة أخري وهذا يزيد من معاناتنا.. قلت له ربما زوجتك أخطأت وأن هذا اجراء عقابي ضدها أقسم بالله العظيم أنها لم ترتكب أي خطأ وأنها توسلت الي رئيس الادارة د.عادل عزوز حتي أنا بست يديه وقدميه لكي يعيدها الي مكانها الأول الذي تعمل به منذ أكثر من10 سنوات دون جدوي ولم يعرها أي اهتمام. حكاية أخري بطلها رضا عبده عبدالرازق شاب في الثلاثينيات من العمر بدا وهو يلملم جسده ويقف بصعوبة علي قدميه من ضحايا انهيار صخرة الدويقة عام2008 فقد مسكنه وكل أفراد أسرته زوجته وأبناءه وحتي سيارته الميكروباص التي كان يعمل عليها وكانت حديثة اشتراها بالتقسيط بمائتي ألف جنيه.. يقول: كل شيء تبخر في لحظة وأجريت لي عملية جراحية وغرست لي شرائح, ولا أحد سأل عني ولم أحصل علي مليم واحد من التعويضات التي وعدت بها الحكومة, فلا مسكن بعد يأويني طوال هذه السنوات الثلاث, ولا عمل أقتات منه أدبر منه معيشتي, وكلما طرقت باب مسئول لا يرد علي وأنا أقطن الآن علي طريق الاسكندرية الصحراوي في احدي العشش. وهذا رجل شيخ كبير عبدالعزيز عبدالبر مرسي طاعن في السن قال وهو يمسك بمجموعة من الأوراق والمستندات لعلها تدلل علي صدق حديثه أو أن يستمع اليه أحد: هذه صور للقرارات التي صدرت لي والوعود التي حصلت عليها.. طوال ست سنوات مضت منذ عام2004 ولا أحد يعيرني أي اهتمام.. والحكاية أنني أجربت من جانب قسم شرطة السيدة زينب علي التوقيع علي قرار باخلاء شقتي التي كنت أسكن بها منذ أكثر من20 عاما, بالعقار رقم14 ش مساكن زينهم خلف جراج احدي الشركات الكبيرة الشهيرة بدعوي أن العقار آيل للسقوط وأخذت علي تعهدات بعدم التعرض لصاحبته, والآن وبعد مضي هذه الفترة فلا أحد أعطاني شقة ولا العقار تمت ازالته, والعكس قامت صاحبته بترميمه وتسكينه بالتحايل علي القانون بنظام الايجار الجديد للصناعة والكسيبة من مختلف الحرف, أما أنا فمازلت أقطن في غرفة خشبية بالشارع ومعي أبنائي الخمسة وبينهم بنتان بالتعليم الاعدادي ولا تستطيع أي من بناتي دعوة زميلاتها الي شقتها أو مسكنها ككل الفتيات والبنات لأنه لا سكن يأوينا ونحيا في العراء. أما عبير ابراهيم كمال وهي فتاة شابة فقد روت بدورها قصتها ومعاناتها مع الأيام قالت وهي تمسك آلامها ونفسها عن البكاء بأعجوبة: أعيش بمفردي ومعي بنتان بعد أن طلقت زوجتي وليس لي مورد رزق ولا مسكن يأويني أنا وطفلتي ولا حتي عمل أتعيش منه أنا وطفلتي, ولا أطمع سوي في غرفة واحدة ودورة مياه. أسألها عن أسرتها تقول أبي انفصل عن أمي وأنا طفلة وانقطعت أخباره عني بعد أن تزوج من سيدة أخري يعيش معها, تركني لأمي التي زوجتني وأنا عندي16 سنة فقط, ثم طلقت وفي حوزتي طفلتاي اللتان لا أجد مكانا أمينا يأوينا, ولا عمل نتعيش منه. عشرات القصص والحكايات التي تتخفي وأصحابها وسط هذا الميدان المتسع تاهت تحت الأقدام وفي زحام الأصوات المتعالية بالهتافات ووراء جماعات لها مشارب شتي لم يجمعهم الا كراهية النظام وعموم الفساد والفوضي, أما أولئك البسطاء من الطبقة العريضة من عامة الشعب فتلك كانت محنتهم ولا أمل لهم الا في حياة بسيطة توفر لهم الحد الأدني من الآدمية وليس عيش الرغد أو الحلم بالسلطة والثروة.. وربما ما خفي من قصص للمعاناة للكثيرين كان هو الأسوأ ممن يبتلعون المرارة ورضوا بالقليل الهزيل وأبوا, إلا أن يسلموا أمرهم الي الله تبارك وتعالي..