كأننا كنا في مؤسسة ثقافية.. وكأن المناسبة واحدة من مناسبات الثقافة المصرية. والرهان علي العقل المصري في وقت أصبحنا فيه أحوج ما نكون للعقل في مواجهة الخرافة والعلم تجاه الشعوذة. والتفكير المنطقي إزاء الاستسلام للغيبيات. هذا ما جري في الاحتفال بيوم الأهرام. الذي أتمني أن يصبح تقليدا من ثوابت الأهرام. فإن كان الدكتور عبد المنعم سعيد قد استعار عبارة الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي التي تصف الأهرام بأنه ديوان الحياة المعاصرة. واعتبرها أبلغ تلخيص لرسالة الأهرام منذ135 سنة مضت من عمره. وكشعار ال135 سنة القادمة. ليصبح الأهرام من أقدم الصحف في عالم اليوم. إن لم يكن أقدمها جميعا. ولينافس الأهرام الجريدة. الأهرام الأثر. إحدي عجائب الدنيا القديمة السبع. ابتداء من قصة بنائه حتي ثباته وبقائه. ومقاومته للفناء. لقد بني أجدادنا من المصريين القدماء الأهرام القديمة ليقاوموا النسيان. ولتبقي علامات وجودهم مرسومة علي وجه الزمن. وأصدر المصريون المحدثون الأهرام لتكون سجلا لكل ما مر بهم. أعرف أن مؤسسي الأهرام جاءوا لمصر. يلوذون بها من الشام. ولكن مصر استوعبتهم و مصرتهم ومكنتهم من أن يقيموا الأهرام. وإن كان الأهرام الأثر قد عكس فلسفة أجدادنا المصريين القدامي في أنه مشروع لمقاومة النسيان. فإن الأهرام الصحفية. قد قال للزمان فيما مضي: قف مكانك. حتي أسجل وأدون بالكلمة والصورة والرسم كل ما جري فيك. فثمة محاولة من أبناء الأهرام الآن لاستمرار هذه الرسالة وتواصل تلك المهمة في الزمن الآتي من أجل اختراق المجهول. وها هو حسن حمدي يستشهد بعبارة لتوفيق الحكيم. قالت. وما زالت تقول: إن من مات من أهل مصر ولم ينع في الأهرام فكأنه لم يمت. وليت حسن حمدي قد رأي نجيب محفوظ عندما كان بصره يمكنه من القراءة والكتابة. ممسكا بصفحة وفيات الأهرام. وبيده القلم وأمامه الأوراق. ليرسل البرقيات. أو يجري الاتصالات قائلا: مكنتني هذه الصفحة من القيام بواجبات اجتماعية. كان من المستحيل علي القيام بها بدونها. وليت حسن حمدي استحضر قصيدة صلاح جاهين. عن صفحة وفيات الأهرام. التي تبدأ مثل مشروع صلاح جاهين الشعري كله من تفاصيل الحياة اليومية لترتفع وتعلو إلي فلسفات الدنيا الكبري. من خلال شعر سهل وبسيط يطرح أسئلة الكون الجوهرية. خمس قاعات جديدة في الأهرام2010 جديدة بالنسبة لي أهم ما فيها دلالاتها الثقافية. ثلاث قاعات تحمل أسماء مثقفين. قاعة كبري يزينها اسم نجيب محفوظ, قاعة اجتماعات تحمل مسمي لويس عوض, قاعة اجتماعات مكتوب علي بابها قاعة يوسف إدريس, والقاعتان الباقيتان تحملان اسمي: قاعة محمد حسنين هيكل, وقاعة إبراهيم نافع. عندما كنت في الطريق إلي الأهرام من مدينة نصر لجأت لذاكرتي المجهدة. رهاني ربما الوحيد في مواجهة النسيان. اعتصرها قبل أن تصبح لا قدر الله ولا كان ذاكرة للنسيان. متي رأيت مبني الأهرام لأول مرة؟ بعد أن قرأت الأهرام صبيا في قريتي. سألت نفسي: هل رأيت علي الطبيعة مبني الأهرام الأول في الإسكندرية قبل التجديد أو بعده؟ وهل دخلت مبني الأهرام القديم القريب من باب اللوق ؟ أم أنني شاهدته من الخارج ؟ لكن المؤكد أنني ترددت علي الأهرام الحالي. المكان الذي يعد إعادة إنتاج للمكانين السابقين وتطويرا لهما. أتجول مع الذاكرة. متي سمعت كلمة الأهرام الجريدة وليس الأثر هل من باعة صحف الزمن القديم؟ كانوا كجزء من شطارة المصري وفهلوته يعطرون النداءات بما في الصحف من عناوين وما بها من مقالات الكتاب. أم من فيلم بائعة الجرائد. أو من برنامج: شارع الصحافة. الذي كان يذاع بموسيقي شديدة التميز من إذاعة صوت العرب. عندما دعاني أسامة سرايا لأصبح واحدا من كتاب الأهرام. لم يكن تصرفا فرديا. ولكنه عكس أحد رهاناته لتواصل واستمرارية الأهرام. الذي يبدو لنا ثابتا وما أكثر المتغيرات. في مواجهة تغير الزمان وتبدل الأحوال. لأنه كان يدرك أن قوة مصر الناعمة هي الأبقي. للأهرام أكثر من ذراع صحفي. وله مصداقية عند الناس. مادام الخبر قد عرف طريقه إليه. قد أصبح قابلا للتصديق. يتمتع بمصداقية. والمصداقية قد تتساوي مع الصدق. قد توفر قناعة قبول عند الناس في زمن تسللت الشكوك إلي العقول والأفئدة والضمائر. لكن يبقي الرهان الأهرامي علي الثقافة المصرية والفكر المصري والوجدان المصري وضمير المصريين هو الأبقي والأكثر خلودا في زمن لا يصبح فيه الخبر مهما تكن خطورته وأهميته مرشحا للاستمرار حتي اليوم الثاني. لذلك تكاثر الأهرام وكثرت ملاحقه وتنوعت وتوجهت في كل الاتجاهات. لن أبالغ عندما أقول. ملحق في كل يوم. سواء بداخل العدد أو منفصلا عنه. يلبي بانوراما ملايين المصريين واهتماماتهم المتنوعة والمختلفة والمتغيرة من يوم لآخر. فالجريدة في لحظة خروجها من المطبعة وطرحها علي االفرشةب تصبح سلعة تنادي من يشتريها. ولا تعتمد إلا علي قوانين العرض والطلب. وسط منافسة شرسة لن ترحم أحدا وفي مواجهة قارئ ملول قد يكون متعجلا. ولابد من حدوث معجزة حتي تخطف الصحيفة نظره. وتجذب يده وتستقر معه حتي يعود بها إلي منزله بعد انتهاء عمله. أكثر ما أسعدني في كلمة عبد المنعم سعيد عن عام مضي و135 سنة آتية من رحم الغيب. تأكيده أن مذكرات شمس بدران التي ستنشرها وتعرضها وتذيعها المؤسسة قريبا لا يوجد فيها ما يسيء لعبد الناصر. شخصا أو معني أو رمزا أو دلالة. أهم من هذا قوله إنه من ركائز الأهرام وثوابته عدم المساس بالقيم المصرية. بل واعتبارها رموزا للوطن. وأن هذه الجريدة مؤتمنة علي كل ما يرمز للوطن. وما يشير له. وما يستحضره في الأذهان.