رئيس جامعة طنطا يهنئ الرئيس السيسي بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج    وزير العمل يشارك فى تدشين مبادرة تمكين بمحافظة الأقصر    تكليف الدكتور محمد رشاد قائمًا بأعمال مدير مدينة الأبحاث العلمية    وسط تصاعد التوتر مع واشنطن.. إيران تنفى صدور حكم بإعدام عرفان سلطانى    روسيا تطرد دبلوماسى بريطانى بعد اتهامه بالتجسس.. اعرف التفاصيل    كلوب يدرس تولى قيادة تدريب ريال مدريد خلفًا ل ألونسو    110.5 مليون يورو دعم أوروبي للبنان    شباب سيراميكا يظهرون للمرة الثانية في كأس عاصمة مصر أمام المقاولون العرب    كيفو: لقب بطل الشتاء لا يعني شيئا.. وإنتر يجب أن يكون على القمة في مايو    فنربخشة التركي يرفع عرضه لضم عمر مرموش    شنطة فيها 8 ملايين.. ضبط لصوص سرقوا حقيبة أموال من راكب بأتوبيس    الطقس غدا.. شديد البرودة وشبورة كثيفة والصغرى بالقاهرة 12 درجة    وزير الرياضة خلال إطلاق كتاب أحمد موسى: السرد التاريخى مهم جدا    كل ما تريد معرفته عن الفيلم المصرى المشارك فى مهرجان برلين    ماجد المهندس بين أبوظبي والكويت في يناير الجاري    وزير الثقافة يتفقد الاستعدادات النهائية لمعرض الكتاب    حى وسط القاهرة: حريق درب الدهان بمحل إكسسوارات ومحدود    بهاء أبو شقة يعلن تنازله عن الترشح لرئاسة الوفد ويستقيل من عضوية الحزب    رئيس جامعة المنصورة الجديدة يتفقد لجان الامتحانات بعدد من الكليات (صور)    اعتماد تعديل المخطط التفصيلي لمدينتين بمحافظة الدقهلية وكفر الشيخ    جامعة العاصمة تطلق مبادرة سفراء وافدين العاصمة    فهمي محمود الأمين: نركز على تسجيل وتوثيق الآثار بصفة مستمرة للحفاظ عليها في أسوان    صحة الفيوم تناقش كشف حساب 2025 والمستهدف في الربع الأول من 2026    رئيس جامعة قنا يفتتح قسم طب وجراحة العيون الجديد بالمستشفى الجامعي    إعارة بيكهام تؤجل إنضمام مروان عثمان إلى الأهلي في الميركاتو الشتوي    نجل عبد الناصر من ضريح والده: الزعيم حاضر بقلوب المصريين ورؤيته للوحدة العربية أثبتت صحتها    جيلي تواصل صعودها القياسي.. إنجاز تاريخي يتجاوز 3 ملايين سيارة في 2025    خطوات الحصول على بطاقة الخدمات المتكاملة لذوي الإعاقة بالمنيا    ضبط المتهم بالتعدي على خطيبته السابقة بسلاح أبيض في الإسكندرية    «من أمام الأهرامات».. ويل سميث يشيد بالحضارة المصرية    غدا.. عبد الفتاح جريني يحيي حفلا غنائيا في الزمالك    فهمي الأمين: نركز على تسجيل وتوثيق الآثار بصفة مستمرة للحفاظ عليها في أسوان    المحكمة تتحفظ على والدة شيماء جمال لحين الفصل في دعوى السب    طالب وطالبة.. ضبط المتهمين بإلقاء رضيعة للكلاب الضالة ببولاق الدكرور    لقاء علمي لأطباء الأنف والأذن بالفيوم يحذر من أمراض الشتاء    الحكومة توضح أسباب استمرار منع التراخيص لدور الأيتام    البنك التجاري يصعد بالمؤشر الرئيسي للبورصة متجاوزًا 43 ألف نقطة    موعد صلاه العصر بتوقيت المنيا اليوم الخميس 15يناير 2026....اعرف مواقيت صلاتك بدقه    إسقاط الجنسية المصرية عن شخصين لتجنسهما وخدمتهما العسكرية خارج البلاد    كارفاخال يعترف بالأزمة بعد وداع كأس الملك: وصلنا إلى أسوأ مراحلنا    لوجود تصدعات.. إخلاء 46 شقة بعقارين في دمنهور كإجراء احترازي.. ولجنة هندسية لفحصهما    الرعاية الصحية تعلن نجاح إجراء طبي دقيق بتقتية كي العقد العصبية بمستشفى النصر التخصصي في بورسعيد    رئيس الوزراء يشهد بدء التشغيل التجاري لمحطة البحر الأحمر لتداول الحاويات رقم 1 (RSCT) بميناء السخنة    تعرف على مواعيد قطارات السكة الحديد بخط أسوان - القاهرة    اليوم.. صرف "تكافل وكرامة" عن شهر يناير بقيمة 4 مليارات جنيه    أرتيتا: بطاقة النهائي لم تُحسم رغم تفوق أرسنال على تشيلسي    تحت قبة التاريخ.. صورة طلاب الدفعة 194 الوافدين تجسّد عالمية قصر العيني ورسالتها الممتدة    ليلة الإسراء والمعراج.. معجزة خالدة في السيرة النبوية    إصابة 7 أشخاص فى حادث انقلاب ميكروباص بقنا    بريطانيا ترسل مسئولا عسكريا إلى جرينلاند    حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج    تفاصيل جديدة لعملية اعتقال الرئيس الفنزويلي.. وكواليس محاكمته    الأعمال المستحبة لإحياء ليلة الإسراء والمعراج    ترامب: الولايات المتحدة حددت المذنب في تسريبات فنزويلا وهو قابع بالسجن    إسلام الكتاتني يكتب: عم ربيع وحرامية الإخوان    وزير الخارجية الإيراني: الاضطرابات انتهت وطهران تحت السيطرة الكاملة    المغرب يقهر نسور نيجيريا ويتأهل لنهائي أمم أفريقيا 2025 بركلات الترجيح    المغرب يقهر نيجيريا ويتأهل لمواجهة السنغال في نهائي أمم أفريقيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تأملات إشراقية في اللون الأصفر
نشر في الأهرام اليومي يوم 26 - 01 - 2010

لقد غلبت علي العديد من الكتاب وأهل الفكر نبرة من اليأس عكستها بعض كتاباتهم حتي إن أحدهم تساءل بشكل مباشر‏...‏ لماذا نكتب؟؟‏..‏ وبرغم وجاهة التساؤل وما يعكسه من روح دائما ما تعتمل في وجدان معظم أهل الفكر الشاخصة أبصارهم دوما للكمال‏. فإنني لست من أنصار هذه النزعة ايمانا مني بالقدرة الخلاقة علي غرس فسيلة حتي ولو تنادينا ليوم الحساب‏.‏ ومن ثم فإن موضوعنا اليوم يرتبط ببعض التأملات الحائرة التي تبدو أحيانا وتخبو أخري‏,‏ وليس مرتبطا بحالة ذهنية هروبية من واقع معايش‏,‏ إذ يحتاج منا إعمال الفكر دربة من نوع خاص تخرج به من تكالب قضايا الهم العام عليه إلي واحة من واحات الانطلاق الحر في عوالم لم يغشها ما غشي حياتنا من ضبابية مقيتة‏.‏
ومن هذا المنطلق فمنذ فترة ليست بالقصيرة ودلالات اللون الأصفر تلح علي مخيلتي لا سيما مع هيمنته فوق رؤوس الكثيرات بشكل لافت للنظرة الأولي وعلي اختلاف المستويات الاجتماعية‏,‏ ومن ثم أسلوب المعالجة راقية كانت أم شعبية‏.‏ إذ أحسب أنه نوع من أنواع المواكبة غير المباشرة للنموذج الغربي ولو حتي في الشكل ما دمنا لم نستطع تمثل المضمون‏,‏ أو أنه يمثل رد الفعل الخفي لدي البعض إزاء قضية الحجاب وعدم حسمه أمرها لديه اجتماعيا‏,‏ وليس دينيا بالطبع‏.‏ الأمر الذي دفعني للتعمق في الرؤية عساني أجد في التراث الوجداني للإنسانية ما يتجاوز المقولة الخلدونية الشهيرة في كلف المغلوب بتقليد الغالب‏,‏ أو أن يؤكد ما يدعيه من أن الحدية المجتمعية لا تتبدي في جانب واحد بل لها ما يقابلها بنفس الدرجة وعكس الاتجاه‏.‏
فعلي المستوي الوجداني ارتبطت كتب التراث باللون الأصفر في نعتها بالكتب الصفراء مما دفع ببنت الشاطيء للدفاع عنها بالقول انها صفرة الذهب لا صفرة البلي‏.‏ كما وصفت البقرة الشهيرة في القرآن باللون الاصفر الفاقع مرتبطا بإسعاد الناظرين‏,‏ وهو ما أكدته عليه معظم الدراسات الخاصة بدلالات الألوان بل وتجاوزت الأمر إلي ارتباطه بسطوع الشمس مما يشي بالاستنارة وتداعي الأفكار تفردا وتطورا وجدة‏.‏ بل فقد اعتبر ذلك السطوع علي المستوي الإنساني كاشفا للعلاقات بين الأفراد وضوحا وانصهارا وتجردا وأملا‏,‏ ومن ثم فلا عجب أن كان الأصفر هو لون الشرائط علي أردية النساء في أزمات خلت للتدليل الرمزي علي انتظار رجالهم عند العودة من الحروب‏.‏ وفي معرض الارتباط بالشمس وشدة سطوعها يصبح اللون الأصفر هو لون فصل الصيف‏,‏ في حين يمثل الربط بينه وبين صفرة الذهب النقاء والشرف والاخلاص البين والشجاعة مما جعله لدي بعض الآسيويين اللون المثالي لشارات المحاربين‏,‏ فضلا عن تمثيله لقيمة النماء لا سيما بربطه بلون سنابل القمح‏.‏ ولسنا بحاجة للاشارة لقدسيته لدي الهندوس استلهاما من كون لون البقرة المقدسة لديهم‏.‏ ومن طرائف بريق اللون الأصفر ما ذكرته احدي الدراسات من كونه ثلاثة أرباع انتاج الأفلام الرصاص باللون الأصفر الذهبي كي يسهل ظهورها بين الأدوات المكتبية‏.‏
ولكون اللون الأصفر من ألوان الحياة الرئيسية فيبدو أنه قد جمع بعض متناقضاتها بين جنباته بحيث عكست أيضا ما يرتبط بأكدار الحياة التي ما لحوادثها بقاء‏.‏ فإذا كانت صفرة كتب التراث قيمة فمثيلتها في الصحف الصفراء سوءة منذ صك هذا التعبير في مطلع القرن الماضي مرادفا لصحافة الاثارة‏.‏ كما أصبحت الضحكة الصفراء دلالة علي العدوان السلبي حسب التعبير النفسي الذي يعطي فيه صاحبه من طرف اللسان حلاوة أو يظهر نيوبه‏,‏ وكأن الليث يبتسم‏,‏ ومن توابعها النفس الصفراوية أي شديدة الغيرة والحنق وهي تختلف عن الوجه الأصفر بحكم المرض‏,‏ أو عن الجنس الأصفر الذي وصفه ماوتسي تونج يوما بأنه لو انطلق من عقاله لساد العالم أجمع‏.‏
وكما ارتبطت الصفرة بالفرح والتألق فقد مثلت علي الجانب الآخر الحزن الشديد فضلا عن الشحوب والضعف والهزال‏,‏ فالنوح والحداد علي الميت لدي أهل بورما لونه أصفر‏,‏ والاشارة قديما للحجر الصحي والأوبئة كان بالعلم الأصفر‏,‏ بل حتي ظهور الممثل في مسرح العصور الوسطي متشحا بالصفار كان يعني اشارة رمزية للموت‏.‏ وقد صور إليا أبوماضي الشمس في رائعته الحزينة المساء وهي بادية خلف السحب‏...‏ صفراء عاصبة الجبين‏,‏ وليشجينا عبدالوهاب عن الورد مسائلا الأصفر عن سر صفرته من السقم أم من فرقة الأحباب‏..‏؟
وإلي جانب هذا التقابل فقد مثل اللون الأصفر نوعا من الوسطية الحذرة‏,‏ فقد كان قديما لون السجن في فرنسا‏,‏ وهو لون اشارة الاستعداد المرورية قبل الانطلاق وكذا لون الإنذار الذي بعده الطرد من ساحة النزال الكروي‏,‏ ويبقي ختاما أن الأصفر كان لون النساء في الفن المصري القديم تمييزا لها عن لون الرجال المائل للبني بحكم الخروج للعمل والتعرض لأشعة الشمس في حين تحتفظ المرأة بنضارتها ممثلة في اللون الأصفر‏,‏ وإن كنت أحسب في غمرة أسرار الحضارة الفرعونية أن ثمة سببا خفيا لهذا التمييز قد يمكننا تبينه إذا ما أعدنا قراءة المقال من جديد‏!‏

المزيد من مقالات د‏.‏ حسن السعدي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.