أوروبا وآسيا فى خطر.. إيكونوميست: آثار حرب إيران على اقتصاد العالم متفاوتة    "أماكن".. معرض فني بكلية التربية النوعية بأسيوط يوثق معالم وتراث شارع المعز    بمناسبة يوم الشهيد، قيادة قوات الصاعقة تنظم احتفالية لعدد من أسر الشهداء    تحت إشراف قضائي.. فتح لجان انتخابات الإعادة لاختيار نقيب مهندسي مصر بأسيوط    أسعار الفاكهة اليوم الجمعة 13 مارس في سوق العبور للجملة    ارتفاع طفيف لسعر الذهب فى الكويت.. عيار 24 عند 50.275 دينار    الصين تحذر من استخدام الذكاء الاصطناعي فى المجال العسكرى: يؤدى إلى نهاية العالم    السياحة تطلق حملة إعلامية لتوثيق تجارب السائحين وإبراز استقرار الحركة    حملات تموينية مكثفة بالأقصر لضبط الأسواق ومتابعة الأوكازيون الشتوي    الرئيس السيسي يصل مسجد المشير طنطاوي لأداء صلاة الجمعة بمناسبة يوم الشهيد    ترامب يتحدى تهديدات إيران: مضيق هرمز بحالة ممتازة    الزمالك بالزي الأبيض في مواجهة أوتوهو بالكونفدرالية    فيديو الاستعراض القاتل.. سقوط "هواة الحركات الخطرة" في قبضة أمن الإسكندرية    تقلبات جوية.. غيوم ونشاط لحركة الرياح فى الإسكندرية.. فيديو    خناقة "البلوجر" وأصحاب العقار بالإسكندرية.. الأمن يتدخل ويكشف لغز فيديو الدخيلة    بعد مشاجرة.. وفاة طالب على يد آخر في المنوفية    منتجات المتعافيات من الإدمان تتألق في معرض صندوق مكافحة الإدمان بمقر الأمم المتحدة في فيينا    بعد جراحة القولون.. تعرف على تطورات الحالة الصحية ل هاني شاكر.. فيديو    حماد عبدالله يكتب: أصحاب المصالح والصوت العالى "فى مصر" !!    يارب بلغني رمضان كاملا.. ماذا كتب طالب أزهري من الفيوم قبل وفاته بحادث بعد صلاة التهجد؟    تراجع سعر الذهب 25جنيها اليوم الجمعة 13مارس 2026.. عيار 21 يسجل هذا الرقم    أستراليا تطلب من مسئوليها غير الأساسيين مغادرة لبنان بسبب تدهور الوضع الأمني    الصحة العالمية: نزوح السكان وانقطاع خدمات التطعيم سيؤديان إلى تفشى الأمراض    أسعار الحديد والأسمنت في السوق المحلية اليوم الجمعة 13 مارس 2026    محافظ أسيوط يعلن عن بدء تنفيذ مشروع مركز تدريب الكشافة البحرية بساحل سليم    المنتخب المصري يضم المهدى سليمان لمعسكر مارس استعدادًا لكأس العالم    سهرة رمضانية.. يوم في حب مصر بقصر ثقافة الغردقة    الحرس الثوري: قصفنا بصواريخ خيبر شكن مواقع إسرائيلية في القدس وتل أبيب وإيلات    بين إصلاح التعليم الهندسي وزيادة المعاشات وحماية الاستثمارات.. ملفات ساخنة تنتظر النقيب الجديد لنقابة المهندسين    "قصر العيني" تتعاون مع منظمات دولية لإطلاق دبلومة متخصصة في طب الكوارث    «هدف وأسيست».. عبد القادر يقود الكرمة للفوز على الغراف في الدوري العراقي    رسالة الكوكي ولاعبي المصري للجماهير قبل مواجهة شباب بلوزداد    بعثة الزمالك تصل إلى الكونغو استعدادًا لمواجهة أوتوهو    بيراميدز يختتم تدريباته لمواجهة الجيش الملكي بدوري الأبطال    تراجع مؤشرات الأسهم اليابانية في جلسة التعاملات الصباحية    أمين «البحوث الإسلامية» يُمنح العضوية الفخرية لنادي القضاة: العدالة قيمة أصيلة    مركز الفتوى الإلكترونية يرد على الشبهات حول الإمام أبي حنيفة ومدرسة الرأي    كبار القراء ونجوم «دولة التلاوة» يواصلون إحياء الليلة ال23 من رمضان    «ترامب»: مجتبى خامنئي قد يكون على قيد الحياة رغم إصابته    الإسعاف الإسرائيلي: 30 جريحًا جراء قصف الجليل شمال إسرائيل    تحقيقات سرية تكشف خيوط قضية أسقف سان دييغو    ميار الببلاوي تعترف: استغل برنامجي للرد على خصومي وتصفية حساباتي    ماكرون: مقتل ضابط فرنسي وإصابة عدد من الجنود جراء هجوم في أربيل بالعراق    إصابة إبراهيم الأسيوطي بقطع جزئي في الرباط الصليبي    فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة    اعتدوا علينا داخل منزلنا.. زوج وزوجته يستغيون في البحيرة: كسروا ضلوعنا بسبب معاتبة علي مشاجرة صغار    الدفاع السعودية: اعتراض 28 مسيرة بعد دخولها المجال الجوي للمملكة    محمود حجاج: اعتزلت لكتابة درش شهرا والتعاون مع مصطفى شعبان تأجل 4 سنوات    دعاء الليلة الثالثة والعشرين من رمضان مستوحى من آيات القرآن الكريم.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    أصغر طالب يؤم المصلين بالجامع الأزهر.. محمد عبد الله نموذج للتفوق القرآني    رجل الأعمال منير نخلة: بعت 64 «توكتوك» في شهر واحد.. وقرار منع الاستيراد 2014 كبدنا خسائر    «الصحة» تقدم إرشادات للحفاظ على صحة الكلى فى رمضان    وكيل صحة شمال سيناء يتفقد مستشفى العريش العام للاطمئنان على الجرحى الفلسطينيين    نصائح تساعدك على تجنب العصبية الزائدة في أواخر رمضان    ميار الببلاوي توجه رسالة قوية للشيخ محمد أبو بكر: أنا فوق مستوى الشبهات    كله كان بالاتفاق| ميار الببلاوي تكشف أسرار أزمة الخادمتين مع وفاء مكي    حالة استثنائية.. سيدة قنائية تحمل فى 8 توائم بعد 4 سنوات من حرمان الإنجاب    السيطرة على كسر ماسورة مياه بطريق الواحات وإعادة الحركة المرورية لطبيعتها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من القاهرة
أكتوبر‏2010‏
نشر في الأهرام اليومي يوم 16 - 10 - 2010

سوف يظل لشهر أكتوبر دائما نكهة خاصة لدي الشعب المصري‏;‏ فما جري فيه ما بين اليوم السادس وحتي اليوم السادس والعشرين من عام‏1973‏ سوف يظل محفورا في ذهن الأجيال التي عاشت تلك السنوات المميتة ما بين الخامس من يونيو‏1967‏ وحتي تمام عبور قناة السويس‏.‏ ما جري خلال هذه السنوات كان ملحمة كاملة من التحدي والاستجابة‏;‏ تحدي الواقع المرير الذي قام علي احتلال الأراضي المصرية في سيناء للمرة الثانية خلال فترة لا تزيد كثيرا علي عقد واحد من السنوات‏,‏ والاستجابة التي تستنفر كل طاقات شعب بما فيه من موارد وعقول وقدرات نجحت في أن تعكس حركة الإمبراطورية الإسرائيلية إلي الوراء لأول مرة منذ وضعت أولي بذورها في فلسطين عام‏1948.‏
هذه الحالة من المواجهة كثيرا ما تثار في احتفالاتنا تحت اسم روح أكتوبر‏,‏ وبينما يتساءل البعض مستنكرا إلي أين ذهبت تلك الشعلة من اللهب الذي يثير طاقات أمة‏,‏ فإن آخرين يسلمون وكفي بأن اللحظة جاءت وذهبت ولم يبق منها إلا ذكري عظيمة‏.‏
ولكن جوهر المسألة هي أنه من المستحيل أن تكون التجربة جزءا من متحف التاريخ‏,‏ لأن شهر أكتوبر لم يكن موعدا لنا فقط نحتفل ونحتفي به‏;‏ وإنما هو أيضا ميعاد لإسرائيل لكي تطرح فيه ذلك السؤال الحاد لماذا جري ما جري‏,‏ ولم حدث ما حدث؟ ويكاد الموعد في كل عام يوقظ لدينا تفاصيل التفاصيل لدقائق العبور‏,‏ فإن الحالة ذاتها ولو كانت معكوسة تظهر في إسرائيل في شكل أسرار جديدة تذاع لأول مرة‏,‏ أو وثائق جديدة لم يقدر لأحد الاطلاع عليها من قبل‏.‏ وأحيانا يبدو الأمر كما لو كان امتدادا لحرب أكتوبر ذاتها‏,‏ أو أن الحرب لم تصل إلي نهايتها بعد حتي ولو كانت هناك معاهدة للسلام يراها الإسرائيليون دائما باردة‏,‏ ويراها المصريون دافئة أكثر مما يجب‏.‏
هذا وإلا كيف نفسر تلك الحالة من الإثارة الجارية حول موقع السيد أشرف مروان من حرب أكتوبر‏,‏ حيث انقسمت القيادات العسكرية الإسرائيلية في الحرب بين الذين اعتقدوا أنه كان أكثر الأرصدة الإسرائيلية قيمة‏;‏ والذين ومن بينهم رئيس المخابرات الحربية الإسرائيلية أكدوا أنه كان أفضل الأسلحة المصرية في القتال‏,‏ لأنه كان مفتاح خطة الخداع والمفاجأة الإستراتيجية في الحرب كلها‏.‏ ومن ينظر إلي الجانب المصري في الموضوع لا يجد إلا ابتسامة واثقة وساخرة أيضا من الطرف الآخر‏,‏ مع التأكيد القاطع أن الرجل كان بطلا وطنيا مصريا‏,‏ ولا كلمة واحدة بعد ذلك‏.‏ والطريف في الأمر‏,‏ وكأنه كان هناك اتفاق بين طرفي المواجهة‏,‏ أن قصة الرجل تكاد تقف تماما عند ليلة السادس من أكتوبر ومن بعدها لا شيء‏,‏ فلا عرفنا عما إذا كان الرجل قد استمر في مقابلة الإسرائيليين‏,‏ أو أنه ظل أحد الأدوات المصرية في المفاوضات الصعبة التي جرت بعد سكوت المدافع‏,‏ وبعد أن دخلت مصر وإسرائيل في حرب كما قال كلاوزوفيتز بوسائل أخري‏.‏
وبغض النظر عن أهمية القصة‏,‏ وهي في النهاية لا تزيد علي كونها فصلا قصيرا في رواية طويلة‏,‏ فإن استمرارها يعكس أنها لم تصل إلي نهايتها بعد‏,‏ تماما كما حدث لحرب أكتوبر الأصلية‏.‏ وبالنسبة لي فقد كنت دوما جزءا من الحدث العظيم‏,‏ سواء عندما كنت جزءا من جيل بأكمله خرج مطالبا بالحرب في وقت كان شباب العالم يطلب الحب‏,‏ أو عندما أتيحت الفرصة لجيل المجندين من شباب الجامعات المصرية لكي يردوا لمصر ما في أعناقهم من دين‏,‏ أو عندما كنت واحدا من أكثر من مليون من المصريين ساهموا في عملية العبور‏,‏ أو حتي عندما باتت المشاركة في الحرب جزءا من التاريخ الشخصي إلي الدرجة التي تكون فيها موضوعا لرسالة الدكتوراه‏.‏
ولم يظهر أبدا أن القصة الشخصية قد وصلت إلي نهايتها عندما شرفني المشير محمد حسين طنطاوي بمنحي في شهر أكتوبر الماضي درع المدفعية‏,‏ وهو السلاح الذي شرفت بالحرب ضمن صفوفه‏.‏ حتي عندما بذلت جهودا مضنية مع آخرين من أجل السلام القائم علي العدل في المنطقة‏,‏ فقد كان ذلك في جانب منه علي الأقل يشير إلي أن الحرب لم تضع أوزارها بعد‏,‏ وأن السلام المصري الإسرائيلي لا يكتمل دون تحقيق السلام العربي الإسرائيلي وحل القضية الفلسطينية‏.‏
وفي أكتوبر‏2010‏ فإن الشواهد كلها تقول إن التحدي الإسرائيلي يزداد سخونة إلي الدرجة التي تتطلب يقظة هائلة من جانبنا لا تقل أبدا عن تلك الحالة التي كانت ضرورية في عام‏1973.‏ وبعد مرور سبعة وثلاثين عاما علي حرب أكتوبر تبدو إسرائيل أكثر صلافة وأقل استعدادا للسلام من أي وقت مضي‏;‏ بل إنها تراهن علي حالة أبدية من اختلال التوازن الإستراتيجي في المنطقة لصالحها تجعلها تعتقد أنها قادرة علي تحدي ليس فقط كل القوي الإقليمية‏,‏ بل قوي عالمية كذلك‏.‏
ومن درس إسرائيل وعرف تاريخها جيدا من الناحية الإستراتيجية يجدها أكثر خطرا في موقفين‏:‏ عندما يكون التوازن الإستراتيجي في غير صالحها وتتم ترجمته إلي أعمال عنف عسكرية‏,‏ فإنها في هذه اللحظة تري في الأمر معركة من أجل البقاء‏.‏ وعندما يكون التوازن الإستراتيجي في صالحها‏,‏ ولا يوجد ما يهددها‏,‏ فإنها تري اللحظة مناسبة لتحقيق الامتداد التوسعي الإسرائيلي‏.‏ وهذه الحالة الثانية هي ما تعيشه إسرائيل حاليا‏,‏ وهي لا تقل أبدا خطرا وتهديدا وتحديا عن الحالة الأولي‏.‏
أسباب ذلك قد تكون معروفة وعائدة إلي حكومة يمينية متعصبة وعاجزة عن رؤية الفرصة التاريخية للسلام المعروضة علي إسرائيل‏;‏ ولكن الحقائق الموضوعية وراء ذلك لا تقل أهمية‏.‏ فالشعور السائد في إسرائيل في أكتوبر‏2010‏ أنها لم تكن أكثر أمنا واستعدادا لتحقيق أهدافها التوسعية مما هي عليه الآن‏.‏ فرغم كل التداعيات التي تمخضت عن نشوب الحرب الإسرائيلية علي لبنان في يوليو‏2006,‏ إلا أن الحرب لم تخل من تداعيات إيجابية علي حالة الأمن والاستقرار داخل إسرائيل أهمها أن حزب الله اضطر‏,‏ وفقا للقرار‏1701‏ الصادر في‏11‏ أغسطس‏2006,‏ إلي التراجع إلي شمال نهر الليطاني بشكل أبعده أكثر عن حدود إسرائيل‏,‏ فضلا عن أنه واجه ضغوطا وانتقادات داخلية بسبب التدمير الهائل الذي تعرضت له البنية التحتية في لبنان نتيجة القصف الإسرائيلي‏,‏ فضلا عن بروز فكرة أن الحرب نشبت في الأساس لأهداف غير لبنانية‏.‏ وهكذا شهدت حدود إسرائيل الشمالية منذ انتهاء حرب لبنان هدوءا لم تعهده من قبل‏,‏ وكان حزب الله حريصا أكثر من مرة علي نفي مسئوليته عن إطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل‏,‏ مثلما حدث عندما أطلقت خمسة صواريخ من جنوب لبنان باتجاه مستوطنة نهاريا ومنطقة الجليل شمال إسرائيل في يناير‏2009.‏
كذلك ورغم حالة الجدل التي شهدتها الساحة الداخلية الإسرائيلية حول الأهداف المبتغاة من شن الحرب علي قطاع غزة بعد رفض تمديد‏'‏ تفاهمات التهدئة‏'‏ التي نجحت مصر‏,‏ في‏19‏ يونيو‏2008,‏ في التوصل إليها بين إسرائيل و‏'‏حماس‏'‏ لمدة ستة أشهر انتهت في‏19‏ ديسمبر‏2008,‏ فإن ثمة مكاسب عديدة جنتها إسرائيل أهمها توفير قوة ردع قوية في مواجهة حماس تجعلها‏,‏ وفقا لبعض الاتجاهات‏,‏ تفكر أكثر من مرة قبل أن تقدم علي إطلاق صواريخ باتجاه المدن الجنوبية بإسرائيل‏,‏ بما يعني أن الحرب‏,‏ في رؤية إسرائيل‏,‏ جعلت التهدئة أمرا واقعا بعد أن رفضت حماس تمديدها‏,‏ فضلا عن ذلك فإن الحرب الإسرائيلية علي قطاع غزة أكسبت الدعوات التي انطلقت خلال الحرب لوقف تهريب السلاح إلي القطاع عبر الأنفاق أهمية وزخما خاصا‏.‏ ويبدو أن إسرائيل قد تعلمت من دروس حرب لبنان‏2006,‏ ومن ثم وضعت أهدافا واضحة ومحددة في حربها علي غزة‏,‏ لم يكن منها علي سبيل المثال‏,‏ القضاء علي حركة حماس‏,‏ الذي يبدو في رؤية بعض الاتجاهات داخل إسرائيل وخارجها‏,‏ خطوة لا تصب في مصلحة إسرائيل‏,‏ إذ إن بقاء حماس مسيطرة علي قطاع غزة يضمن تكريس حالة الانقسام بين الفلسطينيين‏,‏ كما أن وجود حماس في القطاع يوفر لإسرائيل هامشا أوسع من المناورة في التعامل مع أي استحقاقات محتملة لعملية السلام مع الفلسطينيين‏.‏
المحيط الإسرائيلي بهذه الطريقة يبدو مواتيا لاستمرار الاستيطان‏;‏ وبالإضافة إلي ذلك‏,‏ تبدو إسرائيل أكثر تعنتا أمام الضغوط التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق تقدم في عملية السلام‏,‏ فقد رفضت تل أبيب مطالب تمديد قرار تجميد الاستيطان الذي انتهي في‏26‏ سبتمبر الماضي‏,‏ ولم يكتف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتانياهو برفض الضمانات التي قدمها الرئيس الأمريكي باراك أوباما والتي تضمنت تعزيزات دفاعية والموافقة علي نشر قوات إسرائيلية في غور الأردن بعد السلام‏,‏ بل طالبه بالاعتراف بما يسمي رسالة الضمانات التي كان الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش قد قدمها إلي رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون‏,‏ والتي التزم فيها بضم الكتل الاستيطانية الكبري إلي إسرائيل في أي اتفاق سلام‏,‏ كما طالبه بإطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد‏.‏
وفوق ذلك كله قامت إسرائيل بطرح مطالب جديدة مثل الاعتراف بيهودية الدولة لم يسبق أن طرحتها الدولة الإسرائيلية عندما تفاوضت مع مصر أو الأردن أو سوريا أو لبنان‏.‏ ونتيجة الحالة نفسها فإن القيادة الإسرائيلية استمرت في تصعيد مطالبها من أول الإصرار علي قسم الولاء للدولة اليهودية من قبل مواطني الدولة العرب‏;‏ حتي وضع ذلك ليس فقط ورقة للمساومة مقابل التسوية الشاملة وإنما ورقة للمساومة من أجل تجميد الاستيطان لمدة شهرين فقط‏.‏ فضلا عن ذلك انتهجت إسرائيل سياسة متشددة تجاه الدعوات والتحركات التي انطلقت لفك الحصار علي قطاع غزة‏,‏ حيث واجهت السفن التي حاولت فك الحصار بالقوة ولم تأبه بالتنديد العالمي تجاه ذلك‏,‏ خصوصا مع المواجهة التي حدثت مع سفن أسطول الحرية في‏31‏ مايو‏2010,‏ والتي أسفرت عن مقتل‏19‏ شخصا وإصابة نحو‏26.‏
كذلك بدأت إسرائيل في اتباع أساليب علمية في مواجهة خصومها‏.‏ فبالإضافة إلي التهديد بشن ضربة عسكرية وقائية ضد المنشآت النووية الإيرانية‏,‏ ودعوة المجتمع الدولي إلي فرض مزيد من الضغوط والعقوبات علي إيران لإجبارها علي الاستجابة لمطالبه بخصوص ملفها النووي‏,‏ يشير المحللون والخبراء إلي أن إسرائيل كانت وراء الهجوم الإلكتروني الذي تعرض له نحو‏30‏ ألف جهاز كمبيوتر في إيران موجودة في وحدات صناعية صنعتها شركة سيمنز الألمانية‏.‏
صحيح أن إيران لم تكن وحدها التي تعرضت لهذا الهجوم الإلكتروني‏,‏ حيث انضمت إليها الهند وباكستان وإندونيسيا‏,‏ لكنها تعرضت للنسبة الأكبر من الهجوم‏(60%)‏ وهو ما يؤشر إلي أن منشآتها النووية كانت الهدف الأساسي له‏.‏ وهناك اتجاهات تشير إلي أن تطوير فيروس ستوكس نت تم علي أيدي وحدة داخل جهاز الموساد الإسرائيلي‏,‏ ووفقا لبعض التقارير فإن فرق أبحاث إلكترونية فحصت الفيروس اكتشفت أنه يحتوي علي مقطع من نص البرمجة يشير إلي أن مصمميه أطلقوا عليه كلمة ميرتوس التي تشير إلي شخصية توراتية‏.‏ وقد أدي الهجوم إلي تأجيل افتتاح محطة بوشهر إلي عام‏2011,‏ لكن بعض التقارير الأخري تشير إلي أن الفيروس استهدف في الأساس موقع ناتانز النووي لعرقلة عمل أجهزة الطرد المركزي التي تقوم إيران بتشغيلها في المفاعل‏.‏
كل ذلك لا ينطلق من فراغ‏,‏ وإنما يعود إلي ارتفاع كبير في عناصر القوة الإسرائيلية يبدأ من حالة من التماسك السياسي لم تعرفها إسرائيل من قبل بعد انهيار معسكر السلام بشكل كامل‏,‏ ومعه حتي معسكر الحمائم والمعتدلين بشكل أو بآخر‏.‏ ومع هذا التماسك تبدو إسرائيل وقد تصاعدت قدراتها الاقتصادية والعسكرية فقد وصل الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي‏,‏ وفقا للبنك الدولي‏,‏ إلي‏194.790‏ مليار دولار بتقديرات عام‏2009,‏ ووصل نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي إلي‏26‏ ألف و‏175‏ دولارا بتقديرات عام‏2009;‏ في حين يصل وفقا لبعض التقديرات الأخري إلي‏28‏ ألف و‏400‏ دولار‏.‏
وبذلت إسرائيل جهودا حثيثة للانضمام لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية‏(OECD),‏ وهي منظمة اقتصادية عريقة تأسست عام‏1961,‏ وتضم‏31‏ دولة هي الدول الصناعية الأساسية في العالم‏,‏ وبالفعل في‏10‏ مايو‏2010,‏ تم قبول عضوية إسرائيل‏,‏ حيث صوتت الدول الأعضاء بالإجماع علي ضم إسرائيل التي اعتبرت هذا القرار تاريخيا لأنه أولا سيرفع منحني التعاون الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي تحديدا‏,‏ ولأنه ثانيا‏,‏ سيمكن إسرائيل من جذب استثمارات ضخمة لخدمة اقتصادها الوطني‏.‏ أما علي صعيد التماسك الاجتماعي‏,‏ فقد تمكنت إسرائيل من تأسيس مجتمع متماسك اجتماعيا في ظل إجراءات جدية لترسيخ أسس التضامن بين فئاته‏.‏ وبرغم الصراع الدائر بين الدينيين والعلمانيين‏,‏ إلا أن ذلك لم يؤثر علي قضية تماسك المجتمع التي لم تعد تمثل مشكلة بالمقارنة بمشكلات أخري‏.‏
علي المستوي العسكري‏,‏ تفرض إسرائيل تعتيما علي ترسانتها النووية‏,‏ لكن الخبراء يرجحون امتلاكها أكثر من‏200‏ رأس نووي وصواريخ بعيدة المدي‏.‏ فضلا عن ذلك تطور إسرائيل نظام الدفاع الصاروخي حيتس‏,‏ بمراحله المختلفة‏,‏ الذي بدأت عملية نشر بعض أجزاء منظومته عام‏2000,‏ وتقوم في الوقت الحالي بتجميع نظام دفاعي متقدم جدا يهدف إلي حمايتها من الصواريخ التي تنطلق في أوقات متزامنة وأماكن متفرقة‏,‏ وهو القبة الحديدية التي تتصور أنه يمكن أن تحميها‏,‏ حتي من الصواريخ قصيرة المدي‏,‏ والتي يصل مداها من‏15‏ إلي‏70‏ كيلومترا‏.‏ كما وقعت إسرائيل مع الولايات المتحدة علي صفقة لشراء‏20‏ مقاتلة من طراز إف‏35,‏ وبذلك تعد إسرائيل هي الدولة الأولي التي سوف تحوز علي الطائرة بعد الدول التسع التي تقوم بتطويرها‏,‏ وتعتبر هذه المقاتلة‏,‏ التي تصل تكلفتها إلي‏96‏ مليون دولار‏,‏ أكثر الطائرات تطورا علي الصعيد العالمي‏,‏ وسوف تتسلمها إسرائيل في الفترة بين عامي‏2015‏ و‏2017,‏ وفي حالة تنفيذ مجمل البنود الواردة في الصفقة‏,‏ فمن المتوقع أن تصل تكلفتها إلي‏15.2‏ مليار دولار‏.‏
مثل هذه الحالة من العنفوان العسكري والاقتصادي والسياسي والتكنولوجي أيضا إذا أضيف إليها نزعات أيديولوجية عدوانية علي مستوي القيادة والسلطة السياسية تجعل الخطر والتحدي الإسرائيلي لا يمكن تجاهله‏.‏ ولا يوجد لدي شك في أن الأجهزة والمؤسسات المعنية بالأمن القومي في مصر تعرف الخطر وتتحسب له بوسائل متعددة‏,‏ ولكن المعضلة تقع في أن المجتمع أحيانا يتصرف وكأن الخطر قد زال رغم أنه يقف علي الأبواب يزأر ويرعد ويتوعد‏.‏
روح أكتوبر‏1973‏ تضع المعادلة عند وضعها الصحيح في أكتوبر‏2010‏ حيث نعمل من أجل السلام وكأنه سوف يأتي غدا‏,‏ ونعمل من أجل تحقيق توازن للقوي اقتصاديا واجتماعيا وعسكريا يجعل الطرف الآخر يعلم أن غرور القوة لا يحقق له أمنا أو سعادة‏.‏
[email protected]

المزيد من مقالات د.عبد المنعم سعيد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.