في الصعيد الأوسط, وفي المنيا, وبالتحديد في قرية وادعة هي الشيخ تمي يحتضنها النيل في حنو بالغ من الغرب, ليلقي بها الجبل الأشم في قسوة شديدة أسفل سفحه من الشرق, ليتسم أهلها منذ القدم بالطيبة والكرم مع الصرامة والحدة. في هذه القرية تحققت مقولة أنه في الثورات تتحول التضحيات الباسلة للأبطال الحقيقيين إلي مكاسب عريضة يسلبها الأشخاص المزيفون الذين يتقنون فن احتواء الأحداث الوطنية واستغلالها لصالحهم.. وهو عين ما حدث في هذه القرية بعد إخفاق الثورة العرابية والتنكيل بفئة الثوار بسبب وطنيتهم وفي مقابلها ترضية فئة من المستفيدين من الخونة.. ومن الفئة الأولي كان المهني أبوعمر أحد المشتركين في الثورة العرابية, ومنشيء السيرة الهلالية المعروفة بالصعيد الأوسط. وذلك أثناء تحديد إقامته بقريته الشيخ تميحتي وفاته عام1885 والاستيلاء علي أرضه وأمواله بما فيها حلي النساء وتجريده من ألقابه واستبعاده من الحياة النيابية, كما يذكر الرافعي في تأريخه ورشدي صالح في كتاباته ولا يبقي منه سوي هذه السيرة الهلالية التي أنشأها وقوامها أكثر من عشرة آلاف بيت من الشعر والتي بث فيها إحساسه بالمحنة بعد هزيمة العرابيين, حيث يتضح لقارئها أو سامعها أن صاحبها المهني أبوعمر أرخ لهذه المأساة شعرا في وقت كان التمثل بالشعر, وأخلاق الفروسية لم يزل يجد صداه في هذه المنطقة من الصعيد.. وتأسيسا علي ذلك يسجل المهني أبوعمر شعرا بأنه أراد من إنشاء هذه السيرة التعرض للسياسة, لتحوي أبياتا صريحة تنقد ملكا كل همه إشباع رغباته, تاركا أعداء شعبه من الأعداء والخونة ناعمين مترفين يعبثون بمقدرات الوطن.. وهو بذلك يعني الخديو توفيق وبطانته من مصاصي دماء الشعب, وحلفاءه من الانجليز. ومع انه لم يتعرض لتفاصيل أحداث الثورة صراحة إلا انه اكتفي بالتلميح لعلمه بأنه تحت عيون الرقباء المتربصين به الدوائر, وفي مقدمتهم الخديوي وسلطان باشا رئيس المجلس النيابي وقتئذ الذي من عجيب أمره أن يكون هو الآخر من المنيا, وأن يكون صهرا للمهني أبوعمر قبل الثورة مما يزيد من مرارته كثائر حين يكون متزوجا شقيقته التي تتوفي فيتقدم أي سلطان باشا طالبا الزواج من أختها بعد الثورة, الأمر الذي يعتبره المهني إهانة, له إذ كيف يكون صهرا له وهو المتعاون مع الخديوي عدو العرابيين!؟ هذا الشاعر ينبه في بداية السيرة بأنه لم يقصد ما حدث للهلاليين والزناتة من قصص معروفة, بل هو يريد أن يتكلم في السياسة, ونتبين ذلك في هذه الأبيات الشعرية, حيث يقول: بعد الصلاة اسمع مقالات صادقة.. لها في السياسة أعظم الرتبات.. عنونتها بهلال والسر مختفي.. ولا القصد منها هلال ولا زنتات, وما القصد منها شعر إلا سياسة.. ومن يقول ما هي أقول حكايات فهو هنا يحمل السيرة الهلالية كشكل ما يريده من مضمون, وانه لا يقصد بني هلال ولا زنتات, وإنما يقصد شخصيات سياسية معروفة حيث جعل سلاطين السيرة وأمراءها أشباها بالخديوي ورجال حكمه, وأبوزيد الهلالي وعشيرته هم بعض فرسان قري الصعيد المتنازعون علي الأرض الزراعية, والزناتي خليفة ورجاله من الذين يخونونه هم المهزومون. وعلي الإجمال هو لا يقصد الشعر لذاته إنما يقصد السياسة في حد ذاتها. فهو يحس ثم ينشئ, وإذا سئل. أجاب بأنها مجرد حكايات يتسلي بها!؟ يفعل ذلك تلميحا لا تصريحا. ويلبس أحداث السيرة الهلالية أقنعة هي بعينها ما حدث بعد إخفاق الثورة العرابية والتنكيل برجالها. ولهذا يمكن القول بأن هذه السيرة التي أنشأها المهني أبوعمر تعتبر ملحمة حقيقية للفلاحين المصريين وبأنها ليست تقليدا أو امتدادا لقصص أذاعها شعراء بني هلال عند مرورهم بمصر في طريقهم من الجزيرة العربية إلي تونس.